رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تزايد استخدام مفهوم الدبلوماسية الرياضية خلال العقدين الماضيين، وأصبح يحتل مكانه داخل عالم الدبلوماسية العامة الذي يتطور ليشكل أساسا لبناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب.
وقد أصبح هناك قدر من الاتفاق على أن الرياضة أصبحت وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول وبناء قوتها الناعمة، وتشكيل صورتها الذهنية، ووضع قضايا سياسية على الأجندة الدولية.
لذلك فإن تحليل الأحداث الرياضية لا بد أن يتجاوز وصف وسائل الإعلام للأحداث، ليستهدف دراسة اتجاهات الرأي العام نحو هذه الأحداث، وصور الدول التي تتشكل من خلالها، وتؤثر على مواقف الشعوب، وإمكانيات بناء العلاقات الدولية.
وفي الكثير من الأحيان تعبر الجماهير خلال الأحداث الرياضية عن مشاعرها الحقيقية تجاه الدول الأخرى، وهو ما يمكن أن يوضح لكل دولة الفرص التي يمكن أن تستغلها لبناء صورتها الذهنية وقوتها الناعمة، كما يمكن أن يشير إلى المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدولة نتيجة إثارة مشاعر الجماهير، وعدائها لدولة معينة.
إن الدبلوماسية الرياضية أصبحت تحتاج لتأهيل خبراء لدراسة مشاعر الجماهير، واتجاهات الرأي العام والصور الذهنية، وكيفية استغلال الأحداث الرياضية لتطوير السياسة الخارجية للدولة، وبناء علاقاتها الدولية.
حساسية الجماهير
الدبلوماسية الرياضية هي وسيلة اتصال بالشعوب، لكن استخدامها يجب أن يكون في ضوء دراسات متعمقة، فهي دبلوماسية تتميز بالجاذبية، وإمكانيات تعبير الشعوب عن آرائها في السياسة الخارجية لدولها، واكتشاف مشاعر الجماهير وحساسيتها لقضايا معينة.
وهناك الكثير من الأحداث التي توضح أن الدبلوماسية الرياضية يمكن أن تحقق أهداف الشعوب التي تكافح للحصول على حقوقها، فلقد شكَّل استبعاد الفيفا لجنوب أفريقيا عام 1961 انتصارا لحركة الكفاح ضد التفرقة العنصرية، حيث ظلت جنوب أفريقيا مستبعدة من المشاركة في مباريات كرة القدم الدولية من عام 1961 حتى عام 1992، وقد اضطر النظام العنصري إلى إجراء إصلاحات لتصوير نفسه بأنه تخلى عن العنصرية لكي يتمكن من إنهاء عزلته والعودة للمشاركة في المباريات العالمية.
وتعتبر تلك أهم الأمثلة على نجاح الدبلوماسية الرياضية، واستخدامها لتحقيق أهداف طويلة الأمد، فشعب جنوب أفريقيا يذكر الفضل للشعوب التي ساندته في كفاحه، وعملت على عزل النظام العنصري.
وكان ذلك يعود إلى كفاح الدول الأفريقية الذي قادته نيجيريا، حيث قامت الدول الأفريقية عام 1978 باتخاذ قرار بمقاطعة دورة ألعاب الكومنولث بسبب علاقات نيوزيلندا الرياضية بنظام جنوب أفريقيا العنصري.
لذلك استخدم قادة جنوب أفريقيا الذين تم انتخابهم بشكل ديمقراطي عام 1994 الدبلوماسية الرياضية لبناء صورة جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد العنصرية، وساهم ذلك في زيادة القوة الناعمة للنظام الديمقراطي في جنوب أفريقيا، وقدرته على بناء علاقات طويلة الأمد مع الشعوب الأفريقية.
التكامل بين الثقافة والرياضة
ترتبط الدبلوماسية الرياضية بالدبلوماسية الثقافية، ويمكن أن تؤدي إلى تقوية المبادئ السياسية وتكامل السياسات، حيث استخدمت الدول الأوروبية الدبلوماسية الرياضية لتحقيق أهداف إستراتيجية من أهمها زيادة الارتباط الثقافي بين شعوب القارة الأوروبية، وتقوية الاتحاد الأوروبي، وتحقيق التكامل الاقتصادي وزيادة العلاقات التجارية.
هذا يفتح المجال لتطوير نظرتنا للرياضة، فهي ليست مجرد مباريات رياضية، لكنها مناسبات يتم فيها التعبير عن الشعوب ومواقفها من القضايا، والتعبير عن الرأي العام، والتحذير من خطورة الصور النمطية على العلاقات بين الشعوب.
فكثيرا ما تنطلق الجماهير في تعاملها مع الشعوب الأخرى من صور نمطية شكلتها وسائل الإعلام كما حدث في المباريات الرياضية بين مصر والجزائر، حيث كانت وسائل الإعلام المصرية تعمل على تعبئة مشاعر الجماهير المصرية ضد الشعب الجزائري، وذلك بهدف صرف انتباه الشعب المصري عن أحداث داخلية مثل رفع الأسعار.
وهذا الأسلوب يوضح خطورة عدم فهم الدبلوماسية الرياضية واستخدامها في بناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب، وضرورة تأهيل خبراء لإدارة الدبلوماسية الرياضية، حيث كان يمكن استخدام الحدث لتطوير العلاقات بين مصر والجزائر.
كما تظهر خلال المباريات الرياضية الكثير من الفرص لتعبير الشعوب عن هويتها ومواقفها واعتزازها بكفاحها وتاريخها.
الدبلوماسية الرياضية وإدارة الصراع
لذلك يمكن أن تستخدم الدول الدبلوماسية الرياضية لإدارة صراعها مع دول أخرى، لذلك أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية قسما للدبلوماسية الرياضية عقب أحداث 11 سبتمبر بهدف الوصول إلى الشباب في الشرق الأوسط عن طريق الرياضة والتأثير عليهم.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن التبادل الرياضي بين الشعوب يفتح الأبواب لمشاركة المجتمعات، وبناء العلاقات بينها وإن الرياضة وسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية مثل تمكين الشباب والمساواة بين الجنسين وحل الصراعات.
وهناك الكثير من البرامج التي يقدمها قسم الدبلوماسية الرياضية في وزارة الخارجية الأمريكية، مثل برنامج المبعوثين الرياضيين الذي يقوم على إرسال مدربين رياضيين للالتقاء بالشباب، وشرح أهمية الرياضة للصحة، وبرنامج الزيارات الرياضية الذي يستضيف الرياضيين والمدربين والإداريين في الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن الدبلوماسية الرياضية تستهدف التأثير على الرياضيين، واستخدامهم للتأثير على الجمهور الذي يحبهم ويشجعهم، وهذا يفتح المجال لتطوير الدبلوماسية الرياضية لتصبح أداة لبناء القوة الناعمة للدول، وتحقيق أهداف سياستها الخارجية واستخدام الرياضة للتغلب على الخلافات والعداء والصراعات بين الشعوب.
الدبلوماسية الرياضية والعولمة
ولذلك ارتبطت الدبلوماسية الرياضية بالعولمة، وتحقيق منظومة من الأهداف المرتبطة بها مثل إقناع الشعوب بتحقيق التنمية المستدامة، ومواجهة المخاطر التي تهدد الأمن العالمي، وبناء العلاقات الدولية على أسس جديدة.
لذلك تطور مفهوم الدبلوماسية الرياضية، حيث أصبحت وسيلة يستخدمها صناع القرارات والوكالات الدولية لخلق علاقات أقوى بين الشعوب، كما تطورت مفاهيم أخرى مثل الدبلوماسية الرياضية من أجل التنمية والسلام، والتغلب على الخلافات بين الشعوب وخلق فرص للتعاون بينها.
بناء سمعة الدولة
لذلك صممت أستراليا إستراتيجيتها لاستخدام الدبلوماسية الرياضية لبناء سمعتها التي تقوم على أنها دولة تعمل لبناء شراكة مع الدول الأخرى، وزيادة العلاقات التجارية معها، والمساعدة على تطوير اقتصادها، وأنها تستخدم الدبلوماسية الرياضية لزيادة إمكانيات تحقيق السلام حول العالم.
كما أن الدبلوماسية الرياضية تشكل وسيلة لخلق حوار دائم بين الشعوب، ونقل المعرفة لها، والتأثير على فئات معينة داخل الشعوب مثل الشباب والنساء.
الرياضة والتطبيع
في ضوء ذلك يمكن أن نفهم أهداف إسرائيل من العمل بشكل متواصل طوال العقود الماضية للمشاركة مع رياضيين عرب، أو فرق رياضية عربية في مباريات أو أي شكل من المنافسات الرياضية، حيث تدرك إسرائيل أن التطبيع مع النظم والحكومات غير قابل للاستمرار، وأن الشعوب ترفض هذا التطبيع، وتعتبر أن المشاركة مع أية فرق رياضية إسرائيلية خيانة لقضية العرب الأولى، وهي قضية فلسطين.
وكل الشعوب العربية تعبر عن إعجابها وحبها للرياضيين الذين يعبرون عن ارتباطهم بقضية فلسطين ورفضهم للتطبيع مع إسرائيل.
وقد احتل محمد أبو تريكة مكانته في قلوب كل الشعوب العربية عندما عبَّر عن تعاطفه مع غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وقدم التضحيات التي تتناسب مع نبل الموقف، وشرف المبدأ وعلو الهمة.
وقد ظهر ذلك واضحا في تعبير الشعوب العربية عن حبها وإعجابها بالرياضيين العرب الذين قرروا الانسحاب وعدم المشاركة مع لاعبين إسرائيليين، كما عبَّرت الجماهير عن كراهيتها واحتقارها للاعبة السعودية التي قبلت المشاركة مع لاعبة إسرائيلية.
ولقد كان الفخر واضحا على مواقع التواصل الاجتماعي بموقف لاعب الجودو الجزائري فتحي نورين الذي انسحب من أولمبياد طوكيو لرفضه مواجهة اللاعب الإسرائيلي، وقال "لقد عملنا بجد للتأهل للألعاب لكن القضية الفلسطينية أكبر من ذلك، وأنا أرفض التطبيع مهما كلفني الغياب عن الألعاب الأولمبية.. فإن الله سيعوضني عن ذلك".
كما افتخر العرب برفض لاعب الجودو السوداني محمد عبد الرسول مواجهة لاعب إسرائيلي، وانسحابه من المنافسة.
لقد قام فتحي نورين ومحمد عبد الرسول بدور دبلوماسي في التعبير عن الرأي العام العربي الرافض للتطبيع، وهو موقف أكبر وأهم من الفوز في المسابقة، ولقد أصبح لهما مكانة مهمة في قلوب كل العرب.
ولكن السؤال ماذا لو قام كل الرياضيين العرب والمسلمين بمقاطعة إسرائيل ورفض اللعب أمامها؟ هل يمكن أن تعاني إسرائيل من العزلة كما عانت جنوب أفريقيا في مرحلة النظام العنصري؟
والرياضيون العرب الذين سيعبرون عن تمسكهم بمبادئهم، ويرفضون التطبيع يمكن أن يكسبوا قلوب العرب وأرواحهم وحبهم وإعجابهم.
هذا هو دور الدبلوماسية الرياضية العربية الذي يمكن أن يسجله التاريخ كنموذج للنجاح في تحقيق الأهداف، وبهذا الموقف يمكن أن نطور الدبلوماسية الرياضية العربية.
ومن المؤكد أن شعب الجزائر الذي عبر عنه فتحي نورين بموقفه الشجاع يستحق إعجاب البشرية كلها بكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، واستلهام تجاربه كشعب فاعل في التاريخ، وكذلك الشعب السوداني الذي ينتمي له محمد عبد الرسول.
كما أن الأمة العربية التي ينتمي لها فتحي نورين ومحمد عبد الرسول سوف تنتفض يوما لتنتزع حقها في الحرية والديمقراطية وتحرير فلسطين، فهي أمة حية لا يمكن أن تموت.
الجزيرة نت
في المحن تتجلى أصالة القيادة وقوة الإيمان
دراسة تاريخ الإسلام توضح أن الأمة تعرضت للكثير من المحن والخطوب التي ملأت باليأس قلوب المؤمنين، لكن المحنة... اقرأ المزيد
924
| 08 سبتمبر 2024
المعرفة قوة.. لكن هل تفقدها أمريكا؟
هناك الكثير من الدراسات التي أوضحت أن العالم يجب أن يتخلى عن مقاييس القوة التي تم استخدامها خلال... اقرأ المزيد
696
| 01 سبتمبر 2024
كيف نستخدم الأدب في إعداد قيادات المستقبل؟
تحتاج الأمة إلى طرح أسئلة جديدة تسهم الإجابة عنها في بناء المستقبل، لذلك يجب أن يطلق العلماء خيالهم... اقرأ المزيد
441
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026