رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

423

د. خالد وليد محمود

رسالة "العيون الخمس" المشفرة

21 يوليو 2026 , 10:48م

"الإطار الزمني ليس سنوات… بل أشهر".. بهذه العبارة اختصر تحالف "العيون الخمس" حجم التحول الذي يشهده العالم في مجال الذكاء الاصطناعي. فالتحذير المشترك الصادر مؤخراً عن أجهزة الأمن السيبراني في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا لم يكن مجرد تنبيه إلى احتمال تصاعد الهجمات الإلكترونية، بل حمل رسالة إستراتيجية مفادها أن خصوم الغرب قد ينجحون خلال أشهر قليلة في تطوير هجمات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على تجاوز كثير من منظومات الحماية التقليدية واستهداف الحكومات والبنى التحتية الحيوية والشركات الكبرى. والأهم من ذلك أن البيان أقرّ بأن التفوق التقني الذي تتمتع به الدول الغربية اليوم قد لا يستمر طويلاً، في ظل التسارع غير المسبوق في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وانتشارها. ومن هنا، لا ينبغي قراءة هذا التحذير باعتباره إنذاراً أمنياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على تحول تاريخي في طبيعة القوة الدولية.

هذه الرسالة تكشف أن الذكاء الاصطناعي بات أبعد من كونه مجرد تقنية لتحسين الإنتاجية أو تسريع الابتكار، وإنما أصبح مورداً استراتيجياً يعاد على أساسه تشكيل مفاهيم الأمن القومي والسيادة والتنافس بين الدول. فكما ارتبطت القوة في مراحل سابقة بالثورة الصناعية، ثم بالسلاح النووي، ثم بالتفوق الاقتصادي، يبدو أن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة تصبح فيها الخوارزميات والقدرات الحاسوبية والبيانات الضخمة ركائز رئيسة للقوة والنفوذ.

وتكمن أهمية التحذير في أنه يسلط الضوء على عامل الزمن أكثر من طبيعة التهديد ذاته. فالإشارة إلى أن التحول سيحدث خلال أشهر، لا سنوات، تعني أن دورة الابتكار في الذكاء الاصطناعي أصبحت أسرع من قدرة الدول على تحديث تشريعاتها، أو تطوير منظوماتها الدفاعية، أو حتى إعادة صياغة عقائدها العسكرية. وهذا التسارع يفرض على الحكومات وصنّاع القرار الانتقال من منطق الاستجابة للأزمات إلى منطق الاستباق، لأن التأخر في مواكبة التطورات التقنية قد يترجم سريعاً إلى تراجع في المكانة الإستراتيجية.

على ضوء هذه المعطيات، تتغير أيضاً طبيعة الردع. فخلال العقود الماضية، ارتبط الردع بإقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم العسكري ستكون أعلى من أي مكسب محتمل. أما في العصر الرقمي، فإن التفوق يتحدد بقدرة الدولة على اكتشاف الهجمات قبل وقوعها، وتحليلها لحظياً، والتنبؤ بأنماطها، والاستجابة لها خلال ثوانٍ. ومن هنا، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي نحو "الردع الخوارزمي"، حيث تصبح سرعة التحليل، ودقة التنبؤ، والقدرة على إدارة البيانات عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية. فالخوارزمية باتت تؤدي دوراً استراتيجياً يشبه، في تأثيره، الدور الذي أدته القوة النووية في ترسيخ معادلات الردع خلال القرن العشرين، مع اختلاف الأدوات وآليات التأثير.

كما يعكس هذا التحول صعود شركات التكنولوجيا الكبرى بوصفها فاعلاً إستراتيجياً في العلاقات الدولية. فالنماذج المتقدمة التي تطورها لم تعد مجرد منتجات تجارية، بل أصولاً ذات قيمة جيوسياسية، الأمر الذي جعلها شريكاً أساسياً للحكومات في تعزيز الأمن القومي وصياغة السياسات السيبرانية والدفاعية.

لكن الوجه الآخر لهذا التحول لا يقل أهمية؛ فالقدرات التي تمنح الدول إمكانية اكتشاف الهجمات الأجنبية وتعزيز أمنها السيبراني، تتيح في الوقت نفسه إمكانات واسعة للمراقبة الرقمية، وتحليل السلوك، وإدارة البيانات الشخصية على نطاق غير مسبوق. وهنا يبرز تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحقوق والحريات، بحيث لا تتحول أدوات الحماية إلى وسائل لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على حساب الخصوصية والفضاء العام.

اللافت أن التحذير الصادر عن تحالف "العيون الخمس" جاء متزامناً مع اتجاه متزايد لدى الدول الكبرى إلى التعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوصفها تقنيات ذات حساسية إستراتيجية، سواء عبر تشديد القيود على تصدير التقنيات الحاسوبية المتقدمة، أو الحد من الوصول إلى بعض النماذج الأكثر تطوراً. ويعكس ذلك إدراكاً متنامياً بأن السيطرة على الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من إدارة التوازنات الدولية، تماماً كما كانت السيطرة على التكنولوجيا النووية أو الفضاء أو أشباه الموصلات في مراحل سابقة.

في المحصلة، يتجاوز تحذير تحالف "العيون الخمس" حدود التنبيه التقليدي من موجات تسلل سيبراني وشيكة، ليضعنا أمام اعتراف صريح بانتقال العالم إلى حقبة جديدة من التنافس الجيوسيبراني المعقد، تتداخل فيها هندسة الخوارزميات مع حسابات الأمن القومي والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق. وإذا كان القرن العشرون قد صاغ استقراره الهش تحت مظلة الردع النووي، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو مرشحاً بامتياز ليكون عصر الردع الخوارزمي؛ حيث سيتراجع السؤال الكلاسيكي عن حجم الجيوش والترسانات، لصالح تساؤل أكثر حيوية وحسماً: من يمتلك العقل الاصطناعي الأسرع في تحليل الصراع، والأكثر كفاءة في استباق مخاطره وتوجيه موازين القوة قبل أن تبدأ المواجهة على الأرض؟ إن قيادة النظام الدولي في المستقبل لن تؤول بالضرورة إلى الأكثر امتلاكاً للسلاح التقليدي، بل إلى الأقدر على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر مستدام للنفوذ وصناعة القرار.. فأين نحن، كعالم عربي، من خارطة هذا السباق المصيري؟

اقرأ المزيد

المختبر التشاوري الخليجي للتدريب.. الحوار مدخلًا لتطوير المنظومة المختبر التشاوري الخليجي للتدريب.. الحوار مدخلًا لتطوير المنظومة

يشهد قطاع التدريب في دول الخليج مرحلة متسارعة من التطور، تتغير معها الاحتياجات، وتتجدد الأدوات، وتتسع مساحة التدريب... اقرأ المزيد

39

| 12 أغسطس 2026

هــــــــل تسمعـــــــــــون؟ هــــــــل تسمعـــــــــــون؟

لا أريد أن أبدو مثل العازف الذي يرقص منفرداً على أنغام قيثارته. ولم أكن أود أن يكون استمراري... اقرأ المزيد

39

| 12 أغسطس 2026

المركز والهامش المركز والهامش

في مقال نشرته «الإندبندت» العربية يوم الخميس الماضي السادس من أغسطس، كتب الروائي الجزائري أمين زاوي مقالا بعنوان... اقرأ المزيد

54

| 12 أغسطس 2026

مساحة إعلانية