رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

126

د. خالد وليد محمود

أخطر من الذكاء الاصطناعي

02 أغسطس 2026 , 11:07م

في مقابلته الأخيرة مع مجلة ذي إيكونوميست، لم يكن أكثر ما يستحق التوقف في حديث إيلون ماسك توقعه أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية خلال سنوات قليلة، ولا حديثه عن عالم قد تصبح فيه الأنظمة الذكية والروبوتات القوة الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد والحياة. فهذه التوقعات، سواء تحققت خلال خمس سنوات أو احتاجت إلى وقت أطول، أصبحت جزءًا مألوفًا من خطاب قادة شركات التكنولوجيا. أما اللافت حقًا، فهو المفارقة التي كشفتها المقابلة: الرجل الذي يشارك في قيادة هذا التحول هو نفسه الذي يحذر من نتائجه، ومع ذلك يواصل تسريع وصوله.

فماسك، أحد أكثر رجال الأعمال نفوذًا في العالم، يقول إن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى مرحلة يتفوق فيها على البشر، ويجردهم تدريجيًا من تفوقهم المعرفي، بل وربما من قدرتهم على منافسته. ومع ذلك، لا يدعو إلى إبطاء هذا السباق، بل يواصل الاستثمار في تطويره. والمفارقة الثانية لا تقل إثارة؛ إذ يتحدث أغنى رجل في العالم عن مستقبل تصبح فيه الثروة نفسها أقل أهمية في ظل وفرة اقتصادية غير مسبوقة يصنعها الذكاء الاصطناعي، بينما يستمر في بناء إمبراطوريته الاقتصادية وكأن هذا المستقبل لم يبدأ بعد.

غير أن هذه المفارقات ليست في حقيقتها قصة إيلون ماسك، بل قصة عصر بأكمله. فهي تكشف تحولًا عميقًا في طبيعة السلطة العالمية، حيث أصبح عدد محدود من الشركات والأفراد يمتلك قدرة غير مسبوقة على التأثير في مستقبل البشرية. ولم يعد النقاش يدور فقط حول ما إذا كانت النماذج الذكية ستصبح أكثر ذكاءً من الإنسان، بل حول سؤال أكثر أهمية: من يملك حق تقرير مستقبل هذه التقنية؟

لطالما كانت أدوات القوة الكبرى، من الأسلحة النووية إلى الفضاء الخارجي، تخضع لتوازنات دولية معقدة، لأن آثارها تتجاوز حدود الدولة التي تمتلكها. أما اليوم، فإن التقنية التي قد تكون الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين تُطوَّر داخل شركات خاصة، وتخضع بدرجة كبيرة لرؤية مؤسسيها ومصالح مستثمريها. وهنا تكمن المفارقة الأخطر؛ فالأشخاص الذين يعترفون بأن الذكاء الاصطناعي قد يغير مصير البشرية هم أنفسهم الذين يطالبون عمليًا بأن يبقى تطويره في أيدي نخبة محدودة، باعتبارها الأقدر على توجيهه.

ولا يتعلق الأمر هنا بالنوايا الحسنة أو السيئة، بل بطبيعة السلطة نفسها. فحين تصبح قرارات عدد قليل من الشركات قادرة على التأثير في الأمن القومي، وسوق العمل، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد، وحتى في طبيعة التفكير البشري، فإن القضية لم تعد تقنية، بل أصبحت سياسية وجيوسياسية بامتياز. فالتحدي الحقيقي ليس فقط بناء نماذج أكثر ذكاءً، وإنما تحديد من يضع القواعد التي ستعمل وفقها، ومن يحدد القيم التي ستتعلمها، ومن يملك حق إيقافها إذا تجاوزت الحدود المقبولة.

لقد اعتدنا أن تكون الدولة هي الفاعل الرئيسي في إنتاج القوة الاستراتيجية. أما اليوم، فإن شركات التكنولوجيا العملاقة لم تعد مجرد شركات تجارية، بل تحولت إلى مراكز قوة عالمية تمتلك البيانات، والحوسبة، والعقول، ورأس المال، بما يجعلها شريكًا في صياغة مستقبل النظام الدولي، وربما منافسًا للدولة نفسها في بعض المجالات. ومن هنا، فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لم يعد نقاشًا حول البرمجيات، بل حول إعادة توزيع السلطة على المستوى العالمي.

لهذا، ربما لا يكون السؤال الصحيح هو: هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ بل: من الذي قرر أصلًا أن يخوض العالم هذا السباق بهذه السرعة، ومن يملك شرعية تحديد قواعده وحدوده؟ ففي اللحظة التي يصبح فيها مستقبل البشرية مرتبطًا بخيارات عدد محدود من الأفراد والشركات، لا يعود الخطر محصورًا في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في احتكار القرار بشأنه.

إن تصريحات إيلون ماسك، بصرف النظر عن مدى دقة توقعاتها، تكشف حقيقة ربما تكون أهم من كل ما قيل عن قدرات النماذج الذكية: أن الصراع في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون فقط بين الإنسان والآلة، بل أيضًا حول من يملك سلطة رسم مستقبل العلاقة بينهما. وربما لهذا السبب، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد: هل نخشى الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل ينبغي أن نقبل بأن يظل مستقبله، ومستقبلنا معه، في يد نخبة تكنولوجية تحكم العالم ؟!

اقرأ المزيد

سوف نظل نتكلم عن غزة سوف نظل نتكلم عن غزة

كنت قد عاهدت نفسي منذ السابع من أكتوبر 2023 ألا أتهاون يوماً من الأيام. عاهدت قلمي أن يظل... اقرأ المزيد

18

| 03 أغسطس 2026

التنوع الاقتصادي.. هل آن الأوان لإعادة تموضع منظومة التدريب؟ التنوع الاقتصادي.. هل آن الأوان لإعادة تموضع منظومة التدريب؟

قراءة في دور التدريب المهني في دعم الاقتصاد المعرفي ضمن إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة. منذ إطلاق رؤية قطر... اقرأ المزيد

18

| 03 أغسطس 2026

حين لا يكذب الإعلام... لكنه يغيّر مفهوم الحقيقة حين لا يكذب الإعلام... لكنه يغيّر مفهوم الحقيقة

كثيرًا ما أتساءل وأنا أتابع نشرة أخبار، أو أقرأ تقريرًا صحفيًا، أو أشاهد محتوى متداولًا عبر وسائل التواصل... اقرأ المزيد

24

| 03 أغسطس 2026

مساحة إعلانية