رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• يفترض أن يكون معرض الكتاب مساحة للمعرفة، ومنصة للفكر، وملتقى للقراء والكتّاب والباحثين، لا مجرد فعالية مزدحمة بالصور والتدشينات والمنتجات الجانبية. فمعرض الكتاب، في جوهره، ليس سوقًا عابرًا، بل مناسبة ثقافية تحمل رسالة أعمق من البيع والشراء، وتستحق أن يكون الكتاب فيها هو بطل المشهد لا هامشه.
• لكن ما نراه اليوم يثير كثيرًا من التساؤل. فقد أصبح الزائر أحيانًا يشعر أنه يتجول في سوق متنوع، يسمع عبارات مثل: “تفضلي… اشتري… جربي ما تقرين روايات …” وكأن الكتاب عطر نستنشقه أثناء المرور، أو قطعة شوكولاتة نتذوقها، أو عباية نجربها ثم نغادر.
• والكتاب الحقيقي أكبر من ذلك بكثير؛ فهو فكر وتجربة وذاكرة إنسانية، وخلاصة عمر يضعه الكاتب بين دفتي كتاب ليصل إلى عقل القارئ وروحه.
• ومن المؤسف أن بعض المساحات الكبيرة داخل المعرض، خصوصًا التابعة للجهات المنظمة، لم تعد تركز فقط على الكتاب والثقافة، بل تحولت في أجزاء منها إلى عرض للهدايا والمجوهرات والشموع والحقائب وغيرها من المنتجات التجارية. ومع احترام جميع المشاريع، يبقى السؤال: هل هذه هي هوية معرض الكتاب؟ وكيف تحتل هذه الأنشطة مواقع بارزة، بينما تُحشر دور النشر العربية المعروفة، ودور الفكر والثقافة، في زوايا بعيدة وعلى أطراف القاعات؟
• الأصل أن تكون دور النشر الجادة في الواجهة، وأن يكون الكتاب في قلب المعرض لا على هامشه. أما أن تصبح المساحات الأبرز لمنتجات بعيدة عن جوهر الكتاب، فهذا يضعف الرسالة الثقافية للمعرض، ويحوّله تدريجيًا من معرض كتاب إلى فعالية تجارية واسعة يتوارى فيها الكتاب خلف الزينة والمنتجات والصور.
• كما أن الازدحام الشديد أمام بعض دور النشر لا يعكس دائمًا قيمة ما يُعرض، بل يكشف أحيانًا عن سوء في التنظيم، خاصة عند تدشين عدد كبير من الكتب في الوقت نفسه، وتقطيع الكيك والاحتفال والتصوير.. بما يصنع فوضى وضجيجًا لا يليق بمقام الكتاب. فبدل أن يجد القارئ حوارًا هادئًا مع الكاتب، أو تعريفًا حقيقيًا بتجربته ومشروعه، يجد نفسه وسط أصوات متداخلة وازدحام لا يمنح الكتاب حقه ولا القارئ تجربته.
• والمؤلم أكثر أن صفة “كاتب” أو “مؤلف” أصبحت تمنح بسهولة شديدة. وليس المقصود هنا التقليل من أي تجربة أو محاربة حماس الشباب والشابات للكتابة والنشر، فكل تجربة تستحق الاحترام والتشجيع، لكن الكتابة الحقيقية تبقى أعمق من مجرد إصدار كتاب أو إقامة حفل تدشين. فالكتابة مسؤولية معرفية وثقافية، تحتاج إلى قراءة طويلة، وصبر، وتراكم فكري وتجربة حقيقية.
• فالكاتب الحقيقي لا يكتب بحثًا عن شهرة أو حضور أو ازدحام حول طاولة توقيع، بل يكتب عن تجربة وخبرة وموهبة وثقافة وعلم. والكتاب الحقيقي هو الذي يترك أثرًا خالدًا، يدرس ويتعلم منه، ويثري الروح، ويضيف للعقل، وينقل خبرات عمر وحياة من الكاتب إلى القارئ.
• ولهذا ليست كل الروايات متشابهة. فهناك روايات تقرأ كما تؤكل الوجبات السريعة؛ سريعة وعابرة وتنسى فور الانتهاء منها، وهناك روايات عالمية خالدة نعود إليها مرة ومرتين وثلاثًا، لأنها تحمل فكرًا وتاريخًا وحوارًا وقيمًا وتجربة إنسانية عميقة.
• كم أتمنى أن يكون في معرض الكتاب لقاء منظم لكل الكتّاب والمؤلفين الذين يعرضون كتبهم ويدشنونها، في مكان محدد يليق بهم وبالكتاب، يتم فيه التعريف بسيرهم الذاتية وخلفياتهم الأدبية والعلمية، حتى يعرف القارئ من هو الكاتب، وما تجربته، وما القيمة التي يضيفها كتابه. فالمعرض ليس مجرد طاولة توقيع، بل فرصة لبناء علاقة معرفية بين الكاتب والقارئ.
• ومن المهم أيضًا أن يحظى الكاتب القطري الجاد، سواء كان كاتب مقالات أو صاحب مؤلفات وإصدارات متعددة، بما يليق بتجربته ومكانته، لأن دعم الكاتب الوطني جزء من بناء الهوية الثقافية. ودولة مثل قطر، التي تحرص على التعليم والبحث العلمي وبناء الإنسان، تستحق معرض كتاب يعكس هذه الرؤية، ويمنح الكتاب الجاد والكاتب الحقيقي المكانة التي يستحقانها.
• ورغم الجهود الواضحة التي تقوم بها وزارة الثقافة في التنظيم والترتيب، وهي جهود تستحق الشكر والتقدير، إلا أن نجاح أي معرض كتاب لا يقاس فقط بحجم الفعاليات أو عدد الزوار، بل بمكانة الكتاب نفسه، وبمدى احترامه وإعطائه المساحة التي يستحقها.
• ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة معرض الكتاب، من خلال تشكيل لجنة ثقافية تضم مسؤولين ومثقفين وكتّابًا وباحثين قطريين، لإعادة الاعتبار للكتاب الجاد، وتنظيم التدشينات بصورة أكثر احترامًا، ومنح دور النشر العربية والمعروفة مواقع تليق بها، وتقليل حضور المنتجات التجارية التي لا تنتمي مباشرة إلى هوية المعرض.
• فالكتاب ليس زينة لمعرض، ولا خلفية لصور التدشين، ولا منتجًا عابرًا وسط الزحام. الكتاب مشروع وعي وبناء حضاري، ومن حقه أن يعود إلى صدارة المشهد، لأن الأمم لا تبنى بالهبات المؤقتة، بل تبنى بالفكر والقراءة والمعرفة.
• جرة قلم: أصبحنا في زمن يغلب فيه عدد المؤلفين عدد القرّاء، وأصبحت تدشينات الكتب بالجملة مشهدًا متكررًا في كل معرض. شيء جميل أن تمتلئ الأرفف بالإصدارات، وأن يتحمس الشباب والشابات للكتابة والنشر، لكن السؤال الأهم: كم واحدًا منهم يقرأ فعلًا؟ كم واحدًا يجلس مع كتاب، يضع خطًا تحت فكرة، ويدون ملاحظة، ويقتبس معنى؟ كم واحدًا يتحاور ويناقش بأسلوب أدبي وعلمي وثقافي؟ كم واحدًا عاش مع الكتب طويلًا قبل أن يقرر أن يصبح “كاتبًا”؟ فالكاتب الحقيقي لا تصنعه حفلات التدشين، ولا الصور، ولا الازدحام حول طاولة التوقيع. الكاتب الحقيقي تصنعه القراءة، والتجربة، والثقافة، والوعي، والأثر الذي يبقى في عقل القارئ وروحه حتى بعد سنوات من إغلاق الكتاب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2814
| 31 مايو 2026
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
2697
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2562
| 02 يونيو 2026