رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما صاح القائد العربي الشهير مخاطبا جنوده: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس من مفر، إلا الصبر أو النصر. لم يبق جندي واحد شاهد حرق السفن إلا ألقى بنفسه بكل قوة وحماس في أتون المعركة حتى حالف النصر الجنود العرب.
الصورة نفسها تتراءى الآن، بحيث يمكن القول لجميع الدول المدينة (عربية وغير عربية): الحريات والتنمية أمامكم، والديون الخارجية خلفكم، وليس من مفر، إلا تنمية بلادكم أو الخضوع للمديونيات وفق شروط صندوق (النكد) الدولي المجحفة.
والواقع أن موضوع المديونية قد شغل العالم كله، وعقدت حوله مؤتمرات وندوات حاول فيها كل طرف أن يدافع عن مصلحته ويكون الطرف الخاسر دائما هو العالم النامي.
لقد اضطرت الدول النامية أن تتجه إلى صندوق النقد الدولي بعد أن وجدت نفسها في مأزق خطير، فهي من ناحية تورطت في ديون كبيرة ومشاريع إنتاجية ضخمة، بينما نقصت حصيلتها من العملات الأجنبية أمام تراجع أسعار صادراتها التقليدية.
وبدأت تظهر معادلات صندوق النقد الدولي الداعية إلى قيام هذه الدول بتصويب أوضاعها الاقتصادية. وتتلخص السياسة التي يشترط الصندوق تطبيقها من قبل الدول المدينة في تخفيض أسعار صرف العملات المحلية وإزالة المعونات والدعم، وتقليل الإنفاق الحكومي، ودعم القطاع الخاص، والتخلي عن كل السياسات التجارية الثنائية.
ولما قامت بعض هذه الدول بتبني هذه الإجراءات تحت الضغط عليها بتسديد ديونها، أو اضطرارها للحصول على قروض جديدة من أجل شراء سلع تموينية، حصلت فيها اضطرابات سياسية عنيفة، من أشهرها مصر عام 1977، السنغال عام 1983 وآخرها فنزويلا عام 1989.
العلاقة بين مشكلة الديون والتنمية الاقتصادية:
أصبحت أزمة المديونية تشكل عبئا ثقيلا على اقتصادات الدول العربية والإفريقية ونجمت عنها آثار اقتصادية واجتماعية أجملتها عروض الباحثين في عدة مظاهر، منها:
أ- الأثر السلبي على المدخرات المحلية، نظرا لأن تدفق العون بسعر فائدة منخفض في بادئ الأمر أدى إلى عدم تحفيز القطاع الخاص للادخار، كما شجع توجيه الصرف نحو الاستهلاك غير الإنتاجي.
ب- الانخفاض والاضطراب في معدلات النمو: فقد أدت الالتزامات لخدمة الدين إلى تحويل قدر هائل من موارد هذه الدول من الاستخدام لأغراض تنموية إلى سداد جزء من الديون المستحقة.
ج- التدهور في ميزان المدفوعات: حيث أسهمت المديونية الكبيرة في تفاقم حدة أزمة ميزان المدفوعات.
د- عدم القدرة على تعديل الهياكل وإصلاح السياسات، وذلك بسبب تحويل قدر كبير من الموارد لخدمة الدين.
هـ- تمزق الهياكل الاجتماعية: أدت الالتزامات الناتجة عن الدين إلى تخفيض برامج الاستثمارات في المجالات الاجتماعية.
و- عدم توفر شروط الجدارة الائتمانية: فقد ترتب على تفاقم أزمة الديون إعلان كثير من هذه الدول غير جديرة بتلقي العون الأجنبي.
أسباب ضعف التنمية واللجوء للاستدانة:
ويذكر الاقتصاديون أسبابا كثيرة لتدهور اقتصادات الدول النامية والمتخلفة التي تلجأ للاقتراض ومعظم هذه الأسباب يعود إلى السياسات الخاطئة لتلك الدول التي ينجم عنها تدهور التنمية، وقد يمكن إجمال الأسباب التي ذكرها الاقتصاديون للاستدانة، في:
1- التدهور في المدخرات الداخلية للدول المدينة.
2- ضعف القدرة على إدارة الديون وعدم تحويلها إلى مشاريع استثمارية.
3- عدم القدرة التفاوضية لهذه الدول وقبولها بالشروط المجحفة.
4- تعاقب الكوارث الطبيعية، كالجفاف والتصحر والتي تعاني منها كثير من الدول.
5- تدهور أسعار المواد الأولية.
6- إجراءات الحماية التي تمارسها الدول الغنية ضد صادرات الدول الفقيرة.
7- هروب رؤوس الأموال من الدول الفقيرة.
8- الشروط المقترنة بقروض صندوق النقد الدولي والتي تتمثل أحيانا فيما يشبه "شهادة حسن سيرة وسلوك" بالنسبة للدول المقترضة.
9- طلب الدول المانحة للقروض الإشراف على المشاريع التي تغطي تمويلها تلك القروض، مما حدا بالدول المحتاجة إلى التخلي عن فكرة الاقتراض من الدول الغنية والاتجاه نحو المؤسسات الخاصة والتي تطلب فوائد مرتفعة عما تمنحه من قروض.
وبالنسبة للدول المدينة تمثل القروض تكلفة مرتفعة على اقتصاداتها، وضغطا متزايدا على توازنها الاجتماعي، واضطرابا في أمنها السياسي. وقد وصل الكثير من هذه الاقتصادات إلى حالة من الركود، ووقعت فريسة للحلقة المفرغة، فهي مطالبة بأن تتبنى إجراءات تصحيحية في المدى القصير لضمان قدرتها على التسديد، ومن ناحية أخرى فإن التصحيح له كلفة قد تعيق القدرة على النمو في المدى المتوسط والطويل. وقد هبط معدل النمو الاقتصادي في معظم الدول النامية إلى نسبة تساوي بالكاد معدل الزيادة السكانية. كما أنها تعاني من نقص فادح في دخلها من العملات الأجنبية، مما يعيق قدرتها على استيراد حاجياتها الضرورية ومستلزماتها للتصنيع والتنمية.
أما بالنسبة للدول المقرضة أو الدائنة، فرغم أنها في بداية الأمر أبدت موقفا متشددا تجاه قدرة الدول النامية على تسديد قرضها، إلا أنها رأت في نهاية الأمر أن التمادي في عدم الاستماع لشكاوى الدول الدائنة قد ينطوي على مخاطر كبيرة على مصالحها. وأول هذه الأخطار هو خشية أن تصبح هذه الديون حائلا دون زيادة الصادرات والمبيعات الخارجية وهذا ستترتب عليه انعكاسات اقتصادية واجتماعية داخل البلدان المصنعة.
ولا يجب تجاهل خطورة تمرد بعض الدول المدينة ورفضها تسديد هذه الديون في حالة عدم إيجاد حلول تتماشى ووضعية هذه الدول، وقد ظهرت بوادر هذا التمرد في تهديدات بعض زعماء أمريكا اللاتينية بالامتناع عن تسديد الديون.
الصندوق هو السفينة التي يجب أن تُحرق:
ولم يكن أمام الدول المدينة إلا اللجوء إلى صندوق "النكد" الدولي الذي لا يتمثل خطره في منح القروض فقط، بل يتعدى ذلك إلى إصداره شهادات "حسن السير والسلوك" للدول التي تتبنى وصفاته المجحفة لكي تستعين بتلك الشهادة على الاقتراض من الدول الغنية التي تتفنن في إذلال الدول الفقيرة المقترضة.
وقد ضاقت البلدان النامية ذرعا بالضغوط التي تمارسها عليها البلدان الصناعية الغنية، ولذلك تتالت الصرخات وكان آخرها ما عقده الـUNICTAO في مؤتمره في يوغسلافيا- بلجراد عام 1983 وقد طالب بإلغاء الديون المستحقة على مجموعة الدول الفقيرة والأقل نموا وكانت قد سبقتها مبادرة أروشا ARUSHA INITATIVE التي عقدت بتنزانيا عام 1980.
وكذلك على الصعيد العربي عقد مؤتمر في طرابلس بليبيا – مؤتمر الفكر العربي حول أزمة المديونية عام 1986.
وقد خرج المؤتمر بعدة علاجات تتعلق بحل هذه الأزمة، ومنها:
1- تقليص العجز في الموازين العامة.
2- إدارة ميزان المدفوعات بمنتهى الحزم.
3- تقويم أسعار صرف العملات المحلية.
4- إلغاء سياسة الدعم الاستهلاكي.
5- تشديد القيود على اقتراض القطاع العام من الخارج وتخفيضها على اقتراض القطاع الخاص بدون كفالة الدولة.
6- تشجيع الاستثمارات العربية المباشرة.
7- التوقف عن الاقتراض من المصارف الدولية على أسس تجارية.
8- السماح بمزيد من الحريات والديمقراطية وحرية الصحافة بكشف ومكافحة الفساد الذي يتغطى بالاقتراض.
9- تنشيط دور صندوق النقد العربي.
10- تأسيس وحدة اقتصادية لإدارة الدين الخارجي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4929
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3096
| 24 سبتمبر 2026