رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو من الإعياء الذي بدت عليه أنها مشت طويلاً حتى وصلت إلى بيت صديقتي بالغرافة الذي دخلته دونما استئذان لتلوذ بخيمة خارج البيت، كانت خائفة، زائغة العينين، مروعة، كلامها، ملابسها، مظهرها تشي بأنها بنت ناس، لما سئلت لماذا دخلت بيتنا تحديداً أجابت لأنه البيت الوحيد الذي وجدت بوابته مُشرعه، تقول أبوها مهندس، وكذا أمها، وأنها هربت من البيت بعد أن قالت لها أختها (أمك طالعالك السطح وحترميكي من فوق) وزاد توترها وهي تحكي، طمأنها الموجودون ليعرفوا حكايتها وقالت (تعرفت على ولد، كنت باكلمه، ماما عرفت وأنا عرفت حتعمل معايا إيه، نصحتني أختي بالهرب، وماما بلغت الشرطة عني وعن الولد) لم يعرف أحد إلى أين وصلت أمور البنت مع الولد حتى ترميها أمها من السطح! ولم يعرف أحد ما الذي روع البنت فدفعها للهرب قبل أن تصل إليها يد أمها! البنت لا يتعدى عمرها أربعة عشر عاماً ولا أدري إن كانت عادت لأهلها بعد النصيحة بالعودة أم أنها آثرت الهروب حتى الآن ولم تعد لبيتها! ولا أدري إن كانت الشرطة قد عثرت عليها بعد أن تحرك أحد بالإبلاغ عن مكانها أم أنها ما زالت تهيم على وجهها ويعلم الله في يد من ستقع!
المفزع في حكاية البنت التي لم تقل اسمها (أمها المتعلمة) التي عجزت عن معالجة الأمر بحكمة وترو، وإن كانت متعلمة وتهدد برمي البنت من فوق السطح فماذا تفعل الجاهلة؟
حتى الآن مازلت مشغولة بما قد يحدث للفتاة من مكروه وأفكر كيف لبنت خائفة من العقاب بالرمي من السطح، أن تفكر تفكيراً متزناً ولا تلحق الضرر بنفسها تحت ضغط الخوف الذي تعانيه! كل ما أرجوه أن تكون الشرطة أو أي يد أمينة قد تلقفت هذه الفتاة التي قالت إنها تسكن في الغرافة قريباً من شارع (لشا) المقابل للنادي، الآن أفكر في الأم التي هربت ابنتها من تهديدها يوم الأربعاء الماضي، كيف تذوب حزناً، وخوفاً، وهلعاً وهي تتخيل شروراً كثيرة يمكن أن تحيق بابنتها التي دفعتها دفعاً للهرب، أتألم لحال الأم، ولحال البنت وأرجو أن يسلمها الله من أي سوء، وأهيب بمن تلوذ به الفتاة أن يسلمها للشرطة التي تعرف كيف ستتعامل مع الأمر وتحمي البنت.
حكاية كهذه الحكاية تعيدني بالسرعة للتربية، كيف نربي البنات، وهل نوفر لهن العناية التي تحميهن من الزلل تحت وطأة الكلام المعسول الذي يصبه (اللص) في أذن المراهقة الغريرة؟ هل وفرنا للبنات سياج الأمان وصادقناهن ليكون باب البوح مفتوحاً لنعرف كل كبيرة وصغيرة عنهن منهن؟ هل راقبنا، واحتوينا، وصادقنا، ونصحنا، وتفرغنا لسماعهن، ونصحهن أم تركنا البنت (قافلة على نفسها الأوضة) مع الإنترنت، أو بتذاكر عند صحبتها واكتفينا منهمكين في مشاغلنا، وشغلنا؟ بيوت كثيرة على ما يبدو لم تنتبه إلى تغير الزمان، والقنابل الموقوتة المحشورة بين قنوات البث وصفحات الإنترنت بما عليها من كوارث! أين نصيب شبابنا اليافع بنات وأولاداً من وقتنا ومتابعتنا؟ هل يعرف بعض الآباء أن طفلاتهم يجدن الدخول إلى المواقع الإباحية ويتفرجن عليها في غفلة منهم؟ حتى لا نضع رؤوسنا في الرمال هناك مشكلات فادحة مسكوت عنها وأعجب من أساتذة الاجتماع والمختصين الذين يتجاهلون الحديث عنها وكأنها أصبحت واقعاً لا جدوى من تغيره! الحقيقة الموجعة أن بعض الشباب مدمن يخجل أهله من علاجه أو التصريح ببلوته، الترامادول عند البعض كتسالي الترمس واللب والأهل في الكهوف نائمون! البنات يتغزلن بعضهن ببعض برسائل غرام ملتهبة ويدخلن في فئة (المثليين) ودون خجل تقول (البويه) فلانة بتاعتي أو صحبتي والأهل نايمين! في المدارس بنات وبنون ما يشيب له الرضع والأهل شخيرهم منتظم (مأمنين إن ولادهم متربيين) الغريب أنهم يصابون بصدمة عند اكتشاف أي عورة فيصرخون "معقولة"؟ أيوه معقولة لأن الأصل الرعاية، والعناية، وقبلهما التربية، وما دام الحبل متروكاً على الغارب في الصحبة، والإنترنت، والسهر خارج البيت والحجرات المغلقة على الأولاد لا ندري ما يفعلون فيها يصبح المؤكد أن تكون النتيجة مرعبة!
هل نقول إن غياب الوازع الديني هو السبب في كل بلاوينا؟ ليس الوحيد إذ كيف نرسخ الوازع الديني بأولادنا ونحن لا نصلي، يومنا مليء باللهو، ينافس الأب ابنه في الدخول على الصفحات إياها ليتابع بلاوي؟
أيها السادة زمان عندما كانت الأم تقول لابنتها (حتشوفي اللي حيجرالك لما يرجع أبوكي) كان دمها ينشف خوفا من العقاب، الآن خلعت البنات (بعضهن) برقع الحيا وقد تحول (بابا) في البيت إلى خيال مآتة!
زمان كانت البنت تلبس تحت الفستان بنطلونا حتى لا يظهر منها شيء، أو دراعة سميكة طويلة تحت العباية حتى لا يُرى منها شيء، الآن تحت العباية قمصان نوم وحدث ولا حرج عن عري ينافس عري (بتوع السيما) زمان مفيش تأخير خارج البيت للمغرب وإذا تأخرت البنت دون عذر مقنع ممكن تاخد علقه، أما الولد الذي يتأخر عن التاسعة فيسمع ابوه الحمش يقول له بصوته الجهوري (ارجع نام مطرح ما كنت) لينام على السلم منتظراً الفرج، الآن تسهر البنات وحدها في سوق واقف على سبيل المثال (والشيش منصوبة) حتى ساعة متأخرة من الليل ويعدن إلى منازلهن ليجدن أهاليهن يغطون في نوم عميق وطبعا يحلمون أحلاما سعيدة!
زمان كان الولد يخفي سيجارته بجيبه لتحرق ملابسه ولحمه إذا ما داهمه صوت أبيه فجأة، اليوم يشرب الولد سيجارته ويدخن شيشته ويعزم على أبوه (متخدلك نفس)! الدنيا هايصه، لو شددت أم على ابنتها تهدد البنت أمها بالانتحار! لو شدد أب على ابنه يهجر البيت ويقيم عند صاحبه، عادي الأبناء يربون الآباء! طب والحل؟ الحل في تصوري يتشارك فيه الجوقة كلها منذ مرحلة الطفولة، إعلام وتربيون، واستشارات عائلية، ومساجد، ومدارس، مع عين تراقب، وتوجه، وتراجع، وتنهر بحزم مقبول، الطامة قادمة لتقتلع كل ما يمس العقيدة والهوية دافعة إلى فساد وإفساد لا يعلم عواقبه إلا الله، الانفتاح دون ضوابط كارثة، إهمال المتابعة كارثة، الانشغال عن الأولاد وتركهم غنيمة لخادمات يتحرشن بهم جريمة فادحة ويبقى أن أقول للأمهات اللائي يلطمن الخدود ويردن حلاً لمشاكل البنات وقد استفحلت، أنتن من أهمل الرعاية والمتابعة والتأديب، والتوجيه، وعندما تبدأن متأخرات لا تلومن إلا أنفسكن.
* * * طبقات فوق الهمس
* الأسبوع الماضي كتبت عن حكاية (الندل) الذي جمع رفاقه ليسمعهم مكالمته مع زميلته في العمل التي وعدها كاذبا منذ خمس سنوات بالزواج، وذهلت عندما قالت صاحبة الحكاية ليت الأمر توقف عند هذا الحد فقد بلغني أنه (فرجهم) على صوري معه!! يا بنات نكرر للمرة المليون.. التعلب فات فات وفي جيبه سبع اسطوانات منها.. حياتي، حبيبتي.. إنتي روحي!! طلعت روحه انشالله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2640
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2580
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1104
| 07 يونيو 2026