رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استقالة وزير مالية رام الله "نبيل قسيس" ألقت الضوء على عمق الأزمة والشكوك المتبادلة بين ديوان الرئيس عباس ومكتب رئيس وزارته في رام الله "سلام فياض" وأثارت الكثير من التداعيات وتصاعد المنافكات بينهما.. أعضاء مركزية " فتح " وعلى خلفية هذا التصعيد سارعوا إلى عقد اجتماع مع عباس فور عودته من الأردن وأخبروه بضرورة ثني "الوزير قسيس" عن الاستقالة وأنهم ينوون تقديم استقالات جماعية للضغط على فياض في حال لم تتم تسوية هذه القضية؛ إلا أن عباس رفض موقفهم.
النائبان عن حركة "فتح" جمال أبو الرُّب ونجاة أبو بكر اتهما فياض بالتعجرف والتعالي على الرئيس وبأن تعاطيه – أي فياض - مع الأزمة برمتها كان غير مقبول وغبر مبرر، وأضاف أبو الرُّب: "نحن في "فتح" طالبنا الرئيس عباس صراحة بمعاقبة فياض بسبب تجاوزه للأعراف الدبلوماسية.
وأقول: بداية لا بد من توضيح أن وزير المالية بأصل دوره ووظيفته يراقب ويتحكم في حركة الأموال الداخلة للسلطة والخارجة منها، وهو ما لم يرق لسلام فياض الذي كان يمارس عليه التكبيل ويخلق أمامه العقبات ويتجاهل صلاحياته ويعتدي على صلاحياته ويبرمج المدراء العامين بوزارة المالية الذين يدينون له بالولاء – أي لفياض - في هذا الاتجاه، وإنما كان يهدف إلى إيصاله للاستقالة من أجل أن يعود إليه ملف المالية الذي كان معه قبله والذي لم يتخل عنه إلا بعد ضغوط كبيرة وشديدة من حركة "فتح" التي كانت تتهمه دائما بأنه يبتزها ماليًّا.
الأصل أن استقالة وزير مالية أو حربية لم تكن لتثير كل هذه الخلافات والتراشقات الإعلامية بين فريقين يفترض أنهما متحالفان لأكثر من سبب وخشية أكثر من نتيجة.. ولكن واضح أن "سلام فياض" لم يعد ذلك الموظف أو الواجهة المعني بمجاملة حركة فتح أو بالتنازل لها، وواضح أيضا في مقابل ذلك أن حركة فتح بدأت تستشعر الاستهداف من هذا الرجل ومن فوقه الاحتلال فصارت هي أيضا لا تفرط بالقليل الذي قد يغري بالكثير.
والحقيقة أن صراعا مستحكما بين ميزانين وفريقين بدأ يتطاير شرره خارج الكواليس؛ أحد هذين الفريقين هو حركة فتح ليست قيادتها الرسمية ولكن قواعدها الثورية والشعبية وما تبقى لها من أجندة وطنية يعتقدون أنهم من أضفى على السلطة الشرعية والوطنية وأنها بالتالي يجب أن تظل ملك أيمانهم وتحت أيديهم.. الفريق الآخر هو الاحتلال الذي يريد أن يضرب ضربته الأخير لفتح وللشعب الفلسطيني بتجيير السلطة له على التمام والكمال لتساعده على خيار تقطيع الزمن وتهويد المزيد دون منغصات أو اشتراطات.
العدو يرى أن على السلطة أن تتأجند في خياراته، ويرى أن الوقت قد حان للدخول في هذه المرحلة؛ يشجعه على ذلك متغيران اثنان قد طرآ لصالحه منذ فترة؛ أحدهما طرأ على فتح، والآخر طرأ السلطة؛ أما على فتح فنزولها عما كانت تمثله يوم منحها المميزات من شرعية وتأثير وقدرة على تسويق الالتزامات والانحشارات التي يلجئها إليها.. وأما على السلطة فوصولها إلى المرحلة الثالثة والأخيرة التي "طبخها على نار هادئة" ويرى أنها هيأت له أن يستعيدها وأن يتخلى عن أية التزامات تجاهها.
أما متغير حركة فتح فخلاصته ثلاثة تحولات ونقائص أصابت الحركة؛ هي 1- فقدانها ما كسبت به شرعيتها في سنوات الأوج من ثورة ووطنية وشخصيات ومواقف ذات ثقل معنوي وخصوصا بعد رحيل عرفات – يرحمه الله تعالى – وما كان يمثله من شخصية محورية وقدرته الاستثنائية على لملمة الحالة الفلسطينية في كل الظروف خلال الخمسين سنة الأخيرة هي كل عمر الحركة حتى الآن 2- أن الذين يقودون الحركة اليوم لم يكونوا مؤهلين لقيادة بهذا الحجم وبهذه الظروف والتبعات ولا مؤهلين لمواجهة احتلال هو أبشع احتلال إحلالي تصفوي عنصري عرفه التاريخ، ومؤهلين لحماية ميراث حركة مترهلة مريضة من تسرقات أعوان الاحتلال داخلها وداخل التوليفة الإدارية المختارة منها للسلطة 3- أن حركة فتح لم تعد تمتلك التفوق العام على الحركات والمنظمات الفلسطينية في ظل وجود حماس والجهاد وفي ظل تغير مفهوم الثورة إلى أكثر من حمل بندقية وتسجيل المواقف، وفي ظل وجود السلطة وتنافساتها وإزاحاتها والعجز عن السيطرة عليها، وفي ظل الانقسام بين شقي الوطن.. العدو يرى هذا المتغير ويرى من ورائه أنه لم يعد يراهن على خدمات فتح فضلا عن أن يلتزم أمامها بشيء.
المتغير الثاني المتعلق بالسلطة؛ هو أنها مرت وبالتوازي مع متغيرات فتح بمرحلتين من قبل وهذه الثالثة من بعد وهي التي نحن بصددها والتي من علاماتها الصراع الذي يحتدم اليوم بين السلطة "المحشّدة والمدعّمة" وفتح "المسنفرة والمخضّعة" المرحلتان السابقتان هما 1- مرحلة تنصيب السلطة تحت فتح لإكسابها الشرعية الثورية والوطنية التي لن تقوم ولن تقبل بدونها فيما هي تقوم بما كانت تقوم به روابط القرى وأعوان الاحتلال 2- مرحلة تخفيض قيمة وقدرة قيادة فتح بإزاحة عرفات وتنصيب الورثة الذين أشرنا لضعفهم وسهولة هزيمتهم ثم ومن خلالهم تعظيم السلطة وتخفيض فتح.. 3- أما المرحلة الثالثة فتتمثل في إخراج السلطة من عباءة فتح وإبقاء هذه الأخيرة مجرد – سكراب قطع غيار - حوالي السلطة لدعمها حين اللزوم من ناحية ولضمان سلميتها معها من ناحية ثانية.. هذه هي المرحلة هي التي كانت في ذهن العدو وطالما حذرت منها حماس والمثقفون الفلسطينيون.
هنا وفي هذه المرحلة الثالثة للسلطة والثالثة الموازية لها في حركة فتح يأتي دور "سلام فياض" وتسليمه مقاليد السلطة بعجرها وبجرها وأبيضها وأسودها.. "سلام فياض" هذا؛ ميزته – بالنسبة للاحتلال - أنه لا حزب له بالمعنى الحقيقي فمن السهل جعل السلطة حزبه، وأنه لا أجندة مناقضة لديه فمن السهل ملؤه بأجندة الاحتلال، وأنه لا امتداد شعبيا له فمن السهل ابتزازه.. كل هذه الميزات لا تنطبق على فتحوي مهما تهرأ في هوى الاحتلال أو تقطع في خدمته.
آخر القول: هل اكتشفت حركة فتح أنها دخلت مرحلة الاستبنة للسلطة؟ وهل تتنبه قبل ولات مندم أن العدو بدأ يحصد سنوات صناعة السلطة وحمايتها والإنفاق عليها.. لست في وارد التشكيك في غيرة أبناء فتح ولا في وارد زيادة متاعبها.. ولكني بالتأكيد أمتلك نصحا أسديه لها وتوقعا لما هو أسوأ أخافه عليها ورأيا في ضرورة المسارعة للتحرك وتصحيح المسار أقدمه لها.
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
682
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
979
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
618
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9462
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3447
| 22 أكتوبر 2026