رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي تفاءلت إيران بعهد بايدن، وأنه يمكن أن يكون أفضل من عهد سابقه دونالد ترامب، الذي يعيش فراغاً اجتماعياً وسياسياً حالياً بعد انقضاء مدة ولايته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن لا يبدو أنه متساهل أو سوف يتساهل مع طهران ضمن تعامل واشنطن مع البرنامج النووي الذي تقوم به إيران بإشراف أممي ورعاية أوروبية في إطار الاتفاق النووي الذي أعلن ترامب انسحاب بلاده منه وفرض بعدها عقوبات أمريكية قاسية على طهران لم يرخ بايدن عقدة منها حتى الآن، رغم إعلانه أن حسن النوايا الإيرانية يمكن أن يسهم في حلحلة هذه العقد الذي يتضرر منها الإيرانيون رغم تأكيدهم أن كل أمورهم تسير على ما يرام حتى مع هذه العقوبات التي تزيدها جائحة كورونا العالمية أضعافاً على الإيرانيين بالذات.
فأمريكا دعت إيران لطمأنة العالم حول سلمية برنامجها النووي، في الوقت الذي توقفت فيه آمال طهران من أن يتغير شيء عما كان عليه في عهد ترامب ورغبة أوروبا نفسها في أن يحرز الملف الإيراني الأمريكي أي تقدم مستقبلاً، لا سيما أن ترامب كان يبدو معادياً جداً لإيران دون أن يقدم سبباً واضحاً لهذا العداء، وإن كانت كل المؤشرات تبرز اسم إسرائيل كعدو أول لطهران وحليف قريب جداً من واشنطن.
ومع هذا فإن الإيرانيين بدوا أكثر مرونة في التعبير عن آمالهم في أن يختلف بايدن عن سابقه، لكن جواد ظريف وزير خارجية إيران لم يبد متفائلاً بتلك الدرجة، حينما عبر في تغريدة أعقبت تنصيب بايدن يوم 20 يناير الماضي عن أمله في أن يكون القادم أفضل وأن العالم بأسره قد تخلص من رئيس لم يكن على قدر اتخاذ القرارات المصيرية بالصورة التي يتطلب اتخاذها وإن كانت المؤشرات تبدو غير مشجعة حتى الآن للحكم على الأمور بصورة أدق، ولذا فإن بعض القرارات التي اتخذها بايدن لا سيما في عودة عضوية بلاده لاتفاقية باريس للمناخ وفتح بلاده للمهاجرين وطالبي جنسيتها ووقف الجدار الذي يفصلها عن جارتها المكسيك ومحاولة دمج كل الثقافات المتنوعة التي تعيش في أمريكا ومحاولة تقريب الفئات المسلمة له من خلال السماح لهم بطلب التأشيرات للسفر إلى أمريكا والموافقة عليها بحسب الأنظمة المتبعة إلا أن التحذير الذي دعا له بايدن بالأمس مما أسماه خطر إيران يبدو العقبة التي ستقف أمام أي تقدم في الاتفاق الإيراني الأمريكي فيما يخص المشاكل القائمة حول برنامج طهران النووي الذي تصر الأولى على التقدم به وفق معايير تقول وكالة الطاقة الذرية الأممية إن طهران لا تلتزم بها بينما تحاول أوروبا لا سيما ألمانيا وفرنسا تهدئة الأمور، وحث إيران على التعاون مع ممثلي الوكالة قدر الإمكان لإقناع واشنطن أن الأمور تسير على ما يرام وحثها على العودة للاتفاقية التي تتخللها بعض الاختلافات في اقتناع طهران بأنها في حاجة لتخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي كجزء من سعيها نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، في حين ترى مجموعة (5+1) وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا أن تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي يتخطى الاحتياجات العملية لإيران وهو كاف لإنتاج كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع سلاح نووي محظور دولياً.
وهذه النقاط الشائكة تقف عقبة في أن يتحقق اتفاق شامل بين إيران وهذه المجموعة تحت مباركة أممية تخضع هي الأخرى لضغط أمريكي واسع النطاق لرفض كل مساعي طهران لإنتاج يورانيوم مخصب يُمكّنها يوماً من إنتاج سلاح نووي يهدد المنطقة والكيان الإسرائيلي المتمركز في قلب المنطقة العربية تحديداً، ولذا لا يبدو أن الرضا الأمريكي ممكناً أو حتى التقارب بين الطرفين، وإن بدا بايدن أكثر مرونة من ترامب إلا أن المتوارث في أفكار الأمريكيين من جهة إيران تبدو منيعة أمام أي تزحزح ملحوظ فيها وإن أراد بايدن تسجيل نقطة إيجابية في هذا الملف فسيكون بوضع شروط صعبة جداً على طهران إما أن تنفذها لتشعر ببعض الرضا الأمريكي الذي سينتج عنه تخفيف من بعض العقوبات القاسية المفروضة عليها أو تبقى تصارع رغباتها الداخلية التي تحاول تحقيقها في أكثر من خمس مفاعلات نووية أهمها مفاعل أبو شهر لا سيما بعد إعلانها رفع درجة التخصيب لديها إلى 20% رغم تحديد المجموعة لها بنسبة 3.67% فقط، والأيام القليلة القادمة سوف تقدم المزيد مما لا نرغب بالسيئ فيه على الأقل في رؤية غضب أمريكي أكبر يجعل إيران في مرمى نارها وفي المقابل لن تبدو طهران بذلك الحلم والصبر الذي نرجوه.
@ebtesam777
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
699
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
681
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
633
| 22 يناير 2026