رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعزيز آل إسحاق

عبدالعزيز آل إسحاق

مساحة إعلانية

مقالات

1113

عبدالعزيز آل إسحاق

حديبية غزة

21 يناير 2025 , 02:00ص

الحرب على غزة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هي انعكاس لعدوان واحتلال طويل ومعقد يمتد لعقود، يحمل في طياته آلام شعب يبحث عن حقوقه، وآلة عسكرية تضطهد وتدمر بلا رحمة. في هذا السياق، يصبح الحديث عن «الانتصار» و»الفوز» أكثر تعقيدًا مما قد يبدو عليه في الظاهر. فالفوز هو معادلة رياضية تعتمد على الأرقام والمكاسب المباشرة، بينما الانتصار مفهوم أشمل وأعمق، يمكن أن يتحقق بوسائل وأشكال متعددة تتجاوز الأرقام إلى المعنويات، والمبادئ، والرمزية.

عندما ننظر إلى الحروب بعين الأرقام، يمكننا أن نحكم على الأطراف بناءً على من حقق أهدافه العسكرية، ومن تكبد أكبر الخسائر. من هذه الزاوية، تبدو حركة المقاومة في غزة في موقف يبدو ضعيفًا مقارنة بالآلة العسكرية الصهيونية المدعومة من دول عظمى، بعضها عربي للأسف. قد يكون من المستحيل أن تُهزم قوة عسكرية بهذا الحجم من قبل مجموعة صغيرة تمتلك موارد محدودة وأدوات بسيطة. إذاً، وفقًا لمنطق الأرقام، فإن حركة المقاومة الفلسطينية خسرت قبل أن تبدأ هذه المواجهة.

ولكن حين ننظر إلى ما وراء الأرقام، يظهر شكل آخر من أشكال النصر. فالانتصار لا يُقاس فقط بالقدرة على القضاء على العدو أو تدمير قواته، بل يتجلى في الصمود أمام الطغيان، وحماية الأرض، والحفاظ على الهوية الوطنية. ما حققته غزة في هذه الحرب يمثل انتصارًا معنويًا كبيرًا؛ فقد استطاعت أن تثبت للعالم أن المقاومة لا تزال حية، وأن الشعب الفلسطيني لن يستسلم أو يتراجع عن حقه في الحرية والاستقلال.

الصمود في وجه الظلم، والقدرة على الوقوف بثبات رغم الفارق الهائل في القوة، هو في حد ذاته انتصار. فإرهاق العدو على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وخلق حالة من القلق والخوف في مجتمعه، هو إنجاز لا يُستهان به.

رغم الدمار الهائل الذي تعانيه غزة، فإن أهلها لم يتركوا أرضهم ولم يتخلوا عن هويتهم. هذه القوة في التشبث بالوطن تعكس صورة من صور الانتصار. فالاحتفاظ بالأرض في وجه محاولات الاحتلال للتهجير القسري يمثل تحديًا كبيرًا لمخططات العدو.

من الناحية العسكرية، قد تكون الخسائر غير متكافئة، لكن حركة المقاومة نجحت في إظهار نقاط ضعف العدو. فالاعتداءات المتكررة على غزة أظهرت للعالم أن إسرائيل ليست بالقوة التي تزعمها، وأنها تخشى من مجرد صواريخ محلية الصنع. هذا الإرهاق المستمر يترك أثره في استراتيجيات الاحتلال وسياساته.

حماس لم «تفز» بالحرب وفقًا لحسابات الأرقام، لكنها انتصرت لأنها استطاعت أن تبقى، أن تحمي أرضها، وأن ترفض الرضوخ للطغيان. انتصارها يكمن في أنها استطاعت أن تقول للعالم إن الشعب الفلسطيني لن يُنسى، وإن القضية الفلسطينية ستظل حية في قلوب الملايين، رغم كل المحاولات لإخمادها.

الانتصار في القرآن له معنى مختلف تماماً عن مفهومنا، يقول الله تعالي ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ (غافر:51) وهو يوضح أن الله سبحانه وتعالي يتكفل سبحانه بنصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا والآخرة، أما شكل النصر وطريقته فالله أعلم به.

وغزة هنا حققت نصرا سنراه في المستقبل، كما حدث مع صلح الحديبية الذي اعتبره كفار قريش وقتها نصراً لهم، فاتضح أن النصر من عند الله، وأن صلح الحديبية كان بوابة لكل نصر لاحق.

غزة لم تهزم، لأنها تمثل رمزًا للصمود والإرادة التي لا تُكسر. هذا هو الانتصار الذي يُخلد في التاريخ، بعيدًا عن أي معادلة رياضية.

مساحة إعلانية