رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المشهد السوداني، داخلياً وخارجياً، لا يزال محصوراً في الحالة "السريالية" حيث التعقيد والتقاطع وانسداد الأفق.. ولم يأت وزير الخارجية بجديد حين يجأر بالشكوى من أن المشاكل الداخلية تنعكس سلباً على علاقات السودان الخارجية في غمرة فوضى سياسية اختلط فيها الحابل بالنابل، فالخرطوم تطالب قوات الأمم المتحدة المعروفة اختصارا باسم "يوناميد" بالمغادرة من إقليم دارفور، ويقول الرئيس البشير لها: (بارك الله في من زار وخفى)، بيد أن الأمم المتحدة تؤكد وتقول إن الـ"يوناميد" لن تغادر دارفور قريباً.. داخلياً هاجمت ما يعرف بأحزاب الحوار، وهي الأحزاب التي تُتهم بأنها أحزاب مدجنة في غالبها، الحكومة وحملتها عواقب تعثر الحوار الوطني الذي بدأ مسيرة سلحفائية قبل نحو عام واتهمت هذه الأحزاب حكومة البشير بخرق خارطة طريق الحوار الوطني، في حين يقول البشير إن البلاد أحوج ما تكون للوفاق الوطني، لكن لا أحد يرى أي جدية للحكومة في مسألة الحوار الذي ترى فيه المعارضة خدعة ونوعاً من التكتيك وكسب الوقت حتى يحين أجل الانتخابات في أبريل القادم وقد رفضت الحكومة بشدة طلبات تأجيلها ولو لساعة واحدة على حد تعبير الرئيس البشير. والرئيس منشغل بالدفاع عن سياسات وزير صحة ولائي مثيرة للجدل كلما صعد منبراً أو ألقى خطاباً.
الحكومة وحدها والحزب الحاكم يعمدون لتعديل الدستور للعبث بقانون الانتخابات لتركيز سيطرة الحزب الحاكم وتضييق فرص فوز آخرين قد يوافقون على الدخول في معمعة الانتخابات، واليوم يُطرح تعديل الدستور أمام البرلمان الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم سيطرة كاملة، ولذلك بغرض إعطاء صلاحية تعيين الولاء للرئيس بدلا من انتخابهم، والبرلمان غارق في قضية انصرافية في ظل هذه الأزمة السياسية حيث تتعالى الأصوات جدلا في قضية ختان الإناث.. ومن الأمور المثيرة للدهشة تفاخر وزير المالية بوجود فائض في موازنة 2014 بنحو (1.5) مليار جنيه وهي موازنة معلوم أنها أجيزت بعجز تجاوز الثلث، بينما يقول المراجع العام في ذات الوقت إن حجم التعدي على المال العام بلغ (3.7) مليار جنيه خلال العام نفسه.
من جانبه يؤكد وزير النفط نقصاً لم يحدد حجمه في المواد البترولية والاتجاه للاستيراد، وهكذا يتحول السودان في مشهد دراماتيكي من مُصدر للنفط إلى دولة مستوردة له.
الضعف والاضطراب الداخلي يحركان الملفات الخارجية في اتجاه سلبي بالضرورة كما تمت الإشارة، فقد حفل الأسبوع الماضي بتحذيرات من الخرطوم لجوبا واتهامها بدعم الحركات المسلحة المتمردة، بل هدد جهاز الأمن والمخابرات السوداني بملاحقة هذه الحركات إن لم ترعو جوبا داخل أراضي دولة جنوب السودان. وربما كانت أخطر الملفات الخارجية سخونة ملف المحكمة الجنائية الدولية وملف قوات "يوناميد" الأممية في دارفور وبلغت ذروة الأزمة في الأخير عندما جاهرت الخرطوم بطرد هذه القوات وقابلت الأمم المتحدة ذلك بتحدٍ كبير عندما صرحت بأن هذه القوات لن تغادر دارفور قريبا. وثارت الأزمة عندما راجت اتهامات لقوات نظامية سودانية بارتكاب جرائم اغتصاب في إحدى قرى دارفور، ودون الخوض في صحة أو عدم صحة تلك الاتهامات، فإن ذلك دليل على عدم تمكن الخرطوم من حل أزمة دارفور حتى الآن.
معلوم أن "يوناميد" جاءت بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1769) الصادر في 31 يوليو من العام 2007.. وبعد ممانعة كبيرة من الخرطوم لرفضها دخول قوات دولية إلى دارفور تحت البند السابع، تم التوصل لصيغة بوساطة إفريقية، بحيث يتم السماح لقوات من الاتحاد الإفريقي بقبعات زرقاء، على أن تكون مهمتها حفظ الأمن والسلم دون أن تكون من صلاحياتها أي عمليات هجومية، كما يقتضي الأمر وفقا للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وظلت "يوناميد" ضيفا ثقيلا على الخرطوم وسادت العلاقة بين الجانين أجواء عدم الثقة وتبادل الاتهامات. في يوليو 2012 حين تم التجديد لمهمة هذه القوات قابلت الحكومة السودانية قرار مجلس الأمن بتحفظ كبير وترحيب فاتر ووصفت بالقرار العادي وزعمت أن هنالك تفاهما على تخفيض القوة العسكرية لـ"يوناميد" بنسبة %25 والتركيز على العمليات المدنية والشرطة لحفظ الأمن وتطبيق اتفاقية الدوحة بالشراكة مع الأطراف الموقعة عليها.. المشكلة أن الاتفاقية مع الخرطوم حددت وضعية "يوناميد" وهي أن التفويض الممنوح لهذه القوات تفويض دفاعي فقط ولا تملك أي تفويض هجومي، وظلت هذه القوات في واقع الأمر تحت حماية القوات المسلحة السودانية وما زاد الأمر سوءًا ضعف تجهيزاتها التي تمكنها من حماية نفسها من هجمات المتمردين في المقام الأول، ثم حماية العزل من بعد ذلك.. كثيرا ما أعاد الجيش السوداني ممتلكات وآليات تابعة لـ"يوناميد" كان قد استولى عليها متمردون.. الأمم المتحدة مسؤولة عما يجري لقوات "يوناميد"، لأنها ومنذ البداية تباطأت في التمويل مما تسبب في تعطيل وشل حركتها.
وبعد إصرار البشير إعادة ترشيح نفسه لولاية أخرى بعد حكم تجاوز (25) عاما، قامت المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة قبض ضد البشير في 2009 في 12 ديسمبر الجاري بإعادة الملف لمجلس الأمن الدولي باعتباره صاحب إحالة الملف إليها بحجة عدم تمكنها من القبض عليه وهي محاولة للضغط على مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات جديدة لإجبار البشير على المثول أمام المحكمة وعللت قرارها باتهام المجلس صراحة بعدم تحركه للضغط من أجل اعتقال البشير.. الحكومة السودانية تقفز فوق الحقائق وتعتبر أن ذلك نصر لها نتيجة لتحسن الأوضاع في دارفور، والواقع يقول إن ذلك تصعيدٌ خطيرٌ في ظل أوضاع داخلية هشة ومضطربة اضطرابا شديدا. ومما زاد الأمر تعقيدا مثول رئيس كينيا السابق أمام المحكمة وتسوية قضيته، وكانت كينيا تقود دعوة إفريقية لمقاطعة المحكمة، لأنها تتعمد استهداف الرؤساء الأفارقة، وعولت الخرطوم كثيرا على ذلك التحرك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3174
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026