رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم تحقق الحلم وأصبح الوعد واقعاً، حيث توافدت المنتخبات العالمية المشاركة في مونديال قطر 2022 لتنطلق صافرة الحكم الإيطالي دانييلي أورساتو الذي اختير لقيادة المباراة الافتتاحية التاريخية لكأس العالم بين قطر المضيفة والإكوادور، لتتوالى الإثارة التي يشارك فيها 32 منتخباً هي الأقوى في العالم. ومنذ أن أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا فوز قطر بتنظيم المونديال في عام 2010 خفقت قلوب الملايين من القطريين والعرب وهم يعانقون التاريخ وماتت قلوب أخرى غيظاً بسبب فوز قطر بشرف الاستضافة التاريخية لهذا الحدث العالمي الكبير.
واجهت قطر خلال عشر سنوات سيلاً من الاتهامات والافتراءات والأكاذيب دون أي مبرر سوى سعيها لتحقيق نصر للأمة العربية والمنطقة، وقد ظلت منذ انطلاق هذه البطولة والشعوب العربية في مقاعد المتفرجين لكنها اليوم أصبحت في قلب الحدث صانعة للمجد وللتاريخ وأتت شعوب العالم إلى الأرض العربية للاستمتاع بأجواء بطولة استثنائية واستضافة لم يشهد لها العالم مثيلاً. فهي المرة الأولى التي يتمتع بها الزوار بأجواء احتفالية مثالية في جو رفيع من الترفيه والخدمات المتكاملة بما في ذلك شبكة اتصالات دولية متاحة للجميع وشبكة قطاعات مترو مكيفة الهواء مجانية لكل ضيوف المونديال وشعارات للتشجيع حاضرة في كل التجمعات وترحيب دافئ من أهل قطر جميعهم يلمسه الجميع في كل التجمعات الرياضية ومناطق استضافة المشجعين.
لقد استضافت قطر المونديال لتؤكد للعالم أن المنطقة غنية بتراثها ولها حضارتها وقدراتها على صناعة الحدث وأنها قادرة على استقبال هذه التجمعات الكبيرة من الجماهير وتوفير احتياجاتها وكامل خدماتها. لقد كان قدر الشعوب العربية لسنوات طويلة أن تبقى في مقاعد المتفرجين وانتقلت اليوم إلى مقعد المنظمين وسيتاح للعرب قريبا المنافسة على الكأس الغالية والوصول إلى المباراة النهائية.
لم تهتم قطر للافتراءات وحملات التضليل والتشويه لأنها كانت تدرك مآل هذه الحملات ومصيرها فالحقيقة دوما ستهزم الأكاذيب وها هي جماهير العالم تصل إلى الدوحة ولم تجد إلا الاستعداد الاستثنائي وكرم الضيافة العربي الأصيل ووجدت العمال وهم يسبقون الجميع للمشاركة في المهرجانات الاحتفالية والأجواء الرياضية العالمية يعبرون عن انتمائهم إلى البلدان التي يحبونها ويبادلهم الجميع ذات الود والمحبة والانتماء إلى الشعار.
المشروعات التي أنجزتها قطر لم يكن هدفها المونديال فقط، فهي جزء من رؤية قطر الوطنية 2030 ومشروعات البنية التحتية المخطط لها تزامنت مع هذا الحدث فآتت أكلها مرتين ليستفيد منها زوار قطر من كل شعوب العالم قبل أهل قطر من مواطنين ومقيمين وهذا هو الأصل في الأعمال العظيمة التي يتجاوز أثرها صانعها ليستفيد منها الجميع.
والفائدة التي تحققت من هذه الاستضافة هي تسريع الاستفادة من مشروعات البنية التحتية الكبرى، فكانت الطرق والجسور والأنفاق والطرق السريعة هي حديث كل من زار قطر لتقدم قطر نموذجا في الإرادة والرغبة في العمل والتخطيط السليم لمواكبة متطلبات النمو والتطور وصناعة المستقبل المزدهر.
والفائدة الثانية أن المونديال استنهض همم الشباب والمواطنين في الابتكار والريادة وإطلاق المشروعات التجارية والاستثمارية والخدمية لاستقبال زوار وضيوف قطر وتوفير الخدمات المختلفة لهم وبأعلى معايير الإنجاز والمواصفات. لقد ركزت القيادة الحكيمة على الاستثمار في الإنسان باعتباره الهدف الرئيس للتنمية والتطور والرفاهية وبناء الأوطان. وقد كسب أهل قطر الرهان فقد شارك الكل في صنع الإنجاز وعلى كافة المستويات ولم يتخلف حتى الصغار عن التطوع في خدمة المونديال.
والفائدة التي تحققت من هذا المونديال تمثلت في الدهشة التي لمسها الناس في وجوه زوار قطر وهم يقفون على واقع الاستعدادات الكبيرة وكل أهل قطر أمامهم في فتح الطرقات وتقديم الإرشاد وتوفير كل ما يحتاجونه من متطلبات الضيافة وعلى كافة المستويات. ولأن الحقيقة هي أقوى رسالة يتلقاها الإنسان فسوف تتغير صورة المنطقة في أذهان الكثيرين، خاصة أولئك الذين خدعتهم حملات التضليل والكذب بادعاء أن قطر تسيء معاملة العمال أو تنتهك حقوق الإنسان، ليجدوا أنفسهم أمام بحر من السماحة العربية والكرم القطري الأصيل والمعاملة الإنسانية التي تفرضها علينا تعاليم ديننا الإسلامي ومجتمعنا العربي قبل مواثيق المنظمات الدولية ولجان الحقوق العامة وتقارير وسائل الإعلام.
إن الشعار المرفوع في كل شوارع قطر وميادينها الفسيحة هو مرحب بكم في بلدكم وأنتم بين أهلكم وقطعا سيذهل كثير من الجماهير، التي سمعت لكل الأكاذيب، أمام هذه الروح الرياضية الرفيعة وهذا التقدير العالي للإنسان وكرامته. نعم قطر ترحب بالجميع ودون شروط، لكنها في ذات الوقت تتوقع من الجميع احترام ثقافتها وقوانينها وتقاليد شعوبها المضيافة.
والفائدة الأخرى من فوائد تنظيم المونديال في بلد عربي وفي المنطقة العربية أن المنتخبات العربية ستجد الدعم الجماهيري الكامل لأول مرة، لتلعب بين شعوبها وتحظى بالتشجيع الكافي في كل المباريات التي تخوضها.
إن استضافة قطر للمونديال كسرت قواعد لعبة كرة القدم في شكلها القديم الذي جعل الشعوب العربية دوما ضيفا على هذه البطولة العالمية الكبرى لتصبح الشعوب العربية اليوم في قلب الحدث وفي صناعة الحدث وأصبحت مضيفا مضيافا بعد أن كانت مجرد ضيف وزائر خفيف الإقامة لا تتعدى مشاركته المراحل الأولية للمنافسة على الكأس الغالية.
والدروس المستفادة من هذا الحدث هي التأكيد على أن قطر وكذا بقية الدول العربية لديها ما تقدمه وأنها قادرة على صناعة الحدث وتنظيم مثل هذه البطولات وتوفير المتطلبات الإدارية الدقيقة لها مثل فنون إدارة الجماهير والقدرة على إدارة الفعاليات الكبرى وتوفير المستشفيات والملاعب المناسبة، كل هذه المهام الجسيمة لم تعد مثل الغول والعنقاء والخل الوفي، بل أصبحت قدرات حقيقية نملكها نحن العرب ونستطيع من خلالها التصدي لما هو أصعب وأهم من تنظيم بطولة كأس العالم.
وهؤلاء الذين كانوا يطالبون بعدم خلط السياسة بالرياضة هم من فعلوا ذلك، والذين كانوا ينادون بحرية الإعلام والدفاع عن الحقيقة والالتزام بالموضوعية، وجدناهم قد سقطوا في اختبار المهنية. نعم سقطوا وهم يطلقون الأكاذيب ضد المونديال وليس ضد قطر لأن المونديال لقطر ولكل عربي ولكل دول المنطقة.
سقطوا في اختبار المهنية عندما تجاهلوا الإصلاحات الكبرى التي أنجزتها دولة قطر في ملف العمالة. وسقطوا في اختبار إخفاء الحقيقة وقطر توفر كل متطلبات الاستضافة الاستثنائية ليدّعوا أن آلاف العمال ماتوا في تشييد الملاعب والغريب أن الملاعب اكتملت قبل ما يقارب عامين من إطلاق حملاتهم المسعورة. وسكتت وسائل الإعلام المأجورة عن الحديث عن الخدمات المتكاملة التي توفرت لجماهير المونديال وللفرق المتنافسة مثل ملاعب التدريب والمستشفيات والخدمات الطبية الرفيعة.
ولأن النصر دوما حليف للحقيقة ولمن يعمل، فقد تحول زوار قطر ومشجعو المونديال إلى صحفيين وإعلاميين نقلت كاميرات هواتفهم الذكية الدهشة والجمال والبنية التحتية الرائعة والملاعب المدهشة وأماكن الإقامة الراقية والطرق النظيفة وابتسامة الضيافة التي تشع من وجوه أهل قطر في وجه ضيوف المونديال. تلك الرسائل الإعلامية التي تدفقت على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي تحمل ملايين الرسائل الصادقة من أرض الحدث جرفت معها كل رسائل الزيف والتضليل والأكاذيب وأعطتهم درسا مفاده أن العمل والإنجاز لا يُهزَم وأن ضوء الشمس لا يُحجَب بغربال.
هنيئاً لكل أهل قطر، وهنيئاً لكل زوار قطر، وهنيئاً لكل المشجعين، ومبروك لقطر فوزها الساحق في مباراة الاستضافة والضيافة والتنظيم، ونتمنى للعنابي إكمال لوحة الجمال بانتصار عريض في كل مبارياته. والتحية لكل من ساهم في هذا الإنجاز الكبير.
رئيس التحرير
النور علم!
يشَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي وأخبرني بِأنَّ العلمَ نـــــــــورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعـــاصي... اقرأ المزيد
39
| 27 مايو 2026
صلاحية الأفكار وأثرها على الإنسان
جرت العادة بأن انتهاء الصلاحية مرتبط بالمواد المنتجة والمصنعة، وغالباً ما ترتبط بالغذاء والدواء وغير ذلك من المنتجات... اقرأ المزيد
42
| 27 مايو 2026
يؤلمهم العيد
في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة على شكل واحد للسعادة. الشوارع مزدحمة، المحلات مضاءة، الرسائل المتكررة... اقرأ المزيد
120
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1671
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1128
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026