رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تؤكد عملية أعمدة السحاب العسكرية الإسرائيلية وما يواكبها أن القضية الرئيسية للعرب هي فلسطين وليست مجرد غزة.
ليست القضية حصار غزة، أو محاولة فك الحصار، ولا هي فتح المعابر أو إغلاقها.
إعلان أن ما يجري فوق أرض غزة هو عمل يتجاوز الإنسانية هو في ذاته إعلان بغياب الوعي عن أن الإنسانية أهدرت فوق أرض فلسطين منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل ـ سويسرا 1897 واختيار فلسطين وطنا لهم، ومنذ وعد بلفور 1917 والذي جاء تحقيقا لزراعة جسم غريب في فلسطين ليحول دون أن يبقي العرب عربا.
ما يجري يتجاوز الحديث بأنه اختبار للإدارة المصرية الجديدة وكذلك يتجاوز أنه عملية طرد للفلسطينيين إلى سيناء وتحقيق مشروع تبادل الأراضي الصهيونية بديلا عن الضفة الغربية.
ويتجاوز أيضا إرجاع ما يحدث أنه محاولة لكسب الانتخابات من نتنياهو وباراك، أو أنه محاولة لإجهاض الطلب الفلسطيني المقدم للجمعية العامة للأمم المتحدة للموافقة على قبول فلسطين عضوا مراقبا بالمنظمة.
وما تردده بعض من يقال عنهم مصادر مسئولة ـ يفترض فيهم أنهم يحترمون من يتحدثون إليهم ــ بأن إيران تشعل الموقف لتوريط مصر في معركة مع إسرائيل، هو أيضا غياب عن الواقع وهروب من المسؤولية، وإقرار بعدم وجود تصور لدى هؤلاء عن حقيقة أن إسرائيل هي مصدر الخطر الرئيس على مصر والعرب جميعا ولا يحتاج الأمر إلى عوامل خارجية مساعدة.
إن ما يجري فوق أرض غزة يفرض على كل العقلاء ألا ينشغلوا بظواهر تحيط بالقضية الأساسية ويتجاهلون القضية الأصلية، إن إسرائيل مصدر الخطر الرئيس.
المؤكد أن الواقع العربي بعد عملية أعمدة السحاب سيختلف عنه بعدها، وبقدر ما يصف البعض ما تبقى من الثورة المصرية وما أطلق عليه الغرب "الربيع العربي"، إنه يكفيها أنها أثبتت قدرة الشعب وكسرت حاجز الخوف وكشفت الغطاء عن حقيقة الفساد وقوى الظلام وعجز الساسة وتنظيماتهم، فإن وقائع أعمدة السحاب ستؤدي إلى كشف الواقع العربي كله، ومدى التردي الذي أصابه بشأن حسابات المخاطر وحل الأزمات وليس مجرد إدارتها. وأي محاولة لقراءة الوقائع لا تملك إهمال ما يجري في سوريا والأردن ولبنان وربطه بأعمدة السحاب الجارية.
وقائع أعمدة السحاب تعيد للذاكرة عملية القتل لأهل القطاع عام 2008 تحت اسم الرصاص المصبوب حيث اجتاح الجيش الإسرائيلي غزة، وظل العالم والعرب في موقف يتراوح بين حق إسرائيل في الأمن، ولطم الخدود على الحصار الظالم، وتحولت غزة ومعابرها إلى أيقونة الجدل العربي، وكأن العرب فتحوا خزائن أموالهم وأشعلوا الصراع البيني بينهم مقابل الدم المسال في غزة حينها.
تكرار ما حدث في 2008 كان احتمالا واردا في كل لحظة، فليس هناك ما يوقف عجرفة القوة الإسرائيلية، خاصة وأن الأنظمة العربية انغمست في "اللا موقف"، وليطيح تسونامي حركة الشعوب بالأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن، ويفتح الباب أمام حركة تغيير داخل المجتمعات العربية لم تستقر بعد لتفصح عن نتائجها النهائية.
المواجهة الجديدة تحمل سمتين لا يمكن تجاهلهما:
الأولى: هي القدرة لدى منظمات المقاومة في غزة على امتصاص الهجمة الأولى، والتي أدت إلى مقتل أحد قادة كتائب القسام، وتدمير بعض مخازن الصواريخ، ثم الرد بما يوحي بوجود خطط مسبقة وتتابع تنظيمي يؤهل لإحلال قيادة جديدة محل السابقة، وأن يصل الرد إلى كشف قدرات تملكها المقاومة ومنها صواريخ يصل مداها إلى تل أبيب وهرتسيليا والقدس وبئر سبع وديمونة، وأيضا امتلاك أساليب وتكتيكات للإطلاق متنوعة، تحافظ على العنصر البشري المقاتل المدرب، وأيضا القدرة على تعويض الخسائر كما أكدت تقارير تتابع الموقف عن قرب، فضلا عن قدرة إنشاء غرفة عمليات موحدة بين التنظيمات، وانحسار نضال الميكروفونات، علامات تؤكد أن هناك بين الرجال، قد بلغ الرشد مبلغه وأن الإعداد لمثل هذا الموقف قد سبق نقاشه والاتفاق عليه.
والثاني: أن الحيرة والتخبط والإفلاس يشمل النظام العربي، وبلغ الأمر مداه أنه لا يملك رؤية ويفتقد أي قدرة على الفعل، سوى أن يرفع شعار التهدئة، وإيقاف العمليات العسكرية، بينما يعلن أوباما أن الخطر هو وجود صواريخ في قطاع غزة ويجب إنهاء وجودها، وعلى الجانب الآخر تعلن المنظمات أنها لن تتوقف دون ضمانات، ولم يتضح بعد ماهية الضمانات المطلوبة، أم هو كسب وقت للاتفاق الداخلي على التوقف.
تحمل التقارير أن داخل غزة هناك جدل بين خيار المقاومة وخيار السلطة المنقوصة سواء كانت حكومة أو كانت تصورات تنقل الشعب الفلسطيني من حالة المقاومة إلى حالة التعايش مع واقع الاحتلال. هذا الجدل داخل غزة هو علامة صحة ولا يمثل خطرا، ويمكن له أن يخرج من القطاع وينتشر في كل أرجاء فلسطين ليكسر حالة تصلب الشرايين التي أصابت منظمة التحرير الفلسطينية وكأنها شاخت وتجاوزتها الوقائع، وامتداد زمن المواجهة وقدرة المقاومة في غزة على الصمود هي العامل الرئيس لإنضاج حالة الجدل ومحاولة استرداد الحيوية للكفاح الفلسطيني، ليعود ويفرض نفسه على الواقع العربي كظاهرة حياة للأمة العربية بأكملها.
يتشابه الموقف في غزة اليوم مع الموقف في جنوب لبنان 2006، كلاهما حمل مفاجأة "الزمن"، فاليوم مر على المواجهة في غزة 6 أيام، ومفاجأة "القدرة" في امتلاك تنوع عالٍ من الصواريخ أرض/أرض وأيضا القدرة على تنويع استخدامها بما يعني أن هناك "رصدا" مسبقا للأهداف وليس مجرد إطلاق لمقذوفات بلا هدف، بل وفرض على إسرائيل تصعيد الحشد من 30 ألف جندي احتياط إلى 70 ألف جندي احتياط، ولم تستطع بعد التقدم في هجوم بري، وهو مصدر التكلفة الرئيس للحرب لدى العدو خاصة إن أضفنا إليه إغلاق مدارس جنوب إسرائيل، بل إن 60% من السكان الإسرائيليين عرفوا الطريق إلى الملاجئ، وسمعوا صفارات الإنذار، وتعرضت تل أبيب ومستوطنات حول القدس إلى صواريخ يصل مداها إلى 80 كيلومترا، سواء أصابت أهدافا أو لم تصبها.
خسرت إسرائيل خلال 6 أيام معنويا وأمنيا ما جعل قدرتها تدخل تحت طائلة "عجز القوة"، وهو ما لا تستطيع أن تعوضه بسهولة.
وعلى الجانب الآخر صار متاحا أمام العرب فرصة لعلها لا تندرج تحت قاعدة "الفرص الضائعة" إن كانت لديهم الإرادة السياسية لاستيعابها:
إنه لا رادع لغطرسة القوة الإسرائيلية سوى كسر نظرية الأمن وبوسيلة القوة، سعيا للوصول إلى لحظة توازن القوة المفقود الآن، وعند ذلك يمكن دعم الحق العربي المسال على موائد المفاوضات دون قوة تدعمه، كما هو الدم المسال سواء في معارك مع العدو، أو معركة الإهمال داخل الأقطار العربية. ودرس الردع تحتاجه مصر إن هي أخذت في الاعتبار الهجمة الإسرائيلية على مياه المتوسط والغاز في أعماقه وعلى منابع النيل والسيطرة على دولها.
أن يدرك العرب أن خطابهم لا يعرض رؤية ولكنه خطاب الببغاء يردد ما يسمعه، ولا يملكون إرادة لتوفير الإمكانات لتحقيق غاياتهم والدفاع عن مصالحهم والاستعداد لدفع الثمن وتحمل مسؤولية ذلك.
أن يدرك العرب أن أمنهم مرتبط بمفهوم القومية العربية والأمن العربي الواحد ووحدة المصالح العربية وأن الجامعة العربية ليست بديلا لذلك، ولكنها أداة مرحلية.
ولعل العرب يدركون أن استبدال العداء مع إسرائيل بعداء مع إيران لا يخدم مصالحهم، فالتخوف من امتلاك إيران لقنبلة ذرية يختلف بالقطع عن امتلاك إسرائيل للقنبلة الذرية ودون رادع عن استخدامها. ولعل العرب يراجعون أنفسهم في إشعال الصراع السني الشيعي.
يحيط بالعرب لعنات ثلاث، لعنة امتلاكهم لمنابع البترول، ولعنة الاستبداد الداخلي والمراهقة السياسية والدينية، ولعنة وجود إسرائيل ذاتها، فهل يستطيع العرب إحالة اللعنات الثلاث إلى مصدر للتحدي لامتلاك الإرادة والقدرة؟
هل ينجح العرب في القبض على الفرصة المتاحة أمامهم، أم أن أحاديث التهدئة والإنسانية ستضيع الفرصة؟
هل يستطيع العرب إدراك حقيقة الربيع العربي، الذي استحال إلى الدم العربي والتفكك العربي، أم أن الدرس لم ينته بعد، ومازالت الحاجة إلى دم أكثر وقسوة أكثر وإهدار للفرص أكثر؟.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
889
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8721
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2811
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
1626
| 30 أكتوبر 2026