رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سمعتُ في أحد المجالس، معلومةً حول أثر تدريس العلوم الأكاديمية باللغة العربية، تقول: حينما كان الطبيب السوري ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية مُهاجرًا أو متدربًا أو طالبًا للزمالة، ويبدأ بمزاولة الطب في مستشفياتها، فإنه يكون الأمهر والأبرع والأسرع تطوّرًا من بين كل الأطباء العرب غير الناطقين بالإنجليزية، كلغة أولى. السبب وراء ذلك ببساطة هو لأن الطب في جامعات سورية يُدرّس باللغة العربية، بينما تعتمد الأكاديميات في الدول العربية الأخرى -بلا استثناء- تدريس الطب وغيره من العلوم بلغات أخرى، مُفضّلةً أن تستعير العلوم استعارة، وفي دفقة واحدة. هذا يعني أن مضامين العلم في المؤسسات العلمية في سورية (قبل الثورة) مثل: المصادر العلمية والمراجع البحثية في حقل الطب، المكتوبة بلغات أجنبية، قد تُرجمِتْ إلى العربية ترجمةً لا بد أن تكون على قدرٍ عال من العِلميّة والدقة، ثم قُدّمت إلى الطالب الجامعي في سورية، ليدْرسها باللغة الأم الساكنة أحشاء عقله، والتي لا يحتاج معها إلى وسيط بينه وبين أي علمٍ كان.
تُعَدّ الحقيقة السابقة عيّنة بيّنة، ويستطيع كلُّ عاقلٍ أن يختبر صحّتها بنفسه، وليس ثمة حاجة إلى التفصيل فيها، ذلك إن عملية تحصيل العلوم بلغة ثانية، وسيطة، غالبًا ما تعتريها صعوبات كثيرة على مستويات عدة، مثل مستوى: تلقّي العلم، ومستوى إدراكه، ومستوى بناء الفهم، ثم التأصيل أي: ضم الفروع إلى أصولها، وصولًا إلى تمثّل كُليّات العلم في الذهن وأجزاءه تمثّلًا واضحًا. تحصيل كل ما سبق سيواجه مشكلة تتعلّق بدرجة تفاعل الدماغ البشري مع الأدوات اللغوية المختلفة عن تلك الأدوات التي اعتادها. بخلاف لو كانت اللغة العلمية هي اللغة الأولى.
واللغة الأولى في الأصل، وفي الغالب الأعم، ضربٌ من البرمجة الذهنية التي تصوغ عملية إدراك الوجود وتفكيكه وتركيبه لدى الإنسان. وهذه المسألة الآنفة، بالتحديد، كانت ولا تزال محلَّ نزاع طويل بين اللغويين، والألسنيين. حيث انقسم القوم إلى مذاهبَ، وانحازوا إلى فرق، وانتسبوا إلى آراء ينأى بعضها عن بعض من أبرزها تيّار يرى بأن نظرة الإنسان إلى العالم تختلف باختلاف لغته، على اعتبار أن اللغة وعاءٌ من المفاهيم والتصورات التي تراكمت حدًّا أصبحت تمثّلُ فيه خصوصيةًّ ثقافية، مقابل خصوصيّات ثقافيّةٍ أخرى تنعكس -بطبيعة الحال- في لغاتٍ أخرى. وتيّارٌ آخر يشدّد على أن العالم سيظل متشابهًا لدى الإنسان سواء كان شرقيًّا أم غربيًّا، وأن اللغة ليست سوى نظام من العلامات والأصوات يستهدف إيصال المعنى وحسب، بينما يظل تصوّر هذا الوجود متعاليًّا عن شروط اللغة ووظائفها، فلذا يصعب تقسيم العالم إلى أنساق لغوية نماذجية، كل نسق منها قائم بذاته ويحمل في داخله معطيات هي بالضرورة متمايزة من حيث الرؤية والنتيجة.
وقد يبدو أن حال اللغة العربية لدى الأسر القطرية، والمجتمع عامّةً، منقسم بين مسارات متعددة. نجمت هذه المسارات -في الأصل- عن التحوّلات الاقتصادية والسياسية والمؤسسية في الدولة، ونتجت كذلك عن مشاريع التحديث البنيوية التي بدأت منذ مطالع سبعينات القرن الماضي. وقد خاضت -تلك المشاريع- مُدَدًا تنوّعت وتيرة السرعة فيها من مُدّة إلى أخرى. إذ إن حجم عمليات التحديث ومعدل تسارعها بدءًا من الألفية الجديدة: كبير وعال، مقارنةً مع مرحلة التسعينات والثمانينات وما قبلها. وأرى أن المقام يحدوني هنا إلى التنويه على مسألة منهجية جديرٌ أن يُشار إليها. إن تحقيب تاريخنا المعاصر، أي تقسيمه إلى حِقَبْ عَقْديّة متعددة، بمعنى: تصنيف كل عقد من العقود الماضية تصنيفًا مستقلًّا، والنظر إلى عَقْدْ السبعينات -مثلًا- بصفته يمثّل مرحلة ذات سمات وأنماط متشابهة خاصّة به لوحده، ثم استنتاج -بناء على ذلك- أنه يختلف بطبيعته وظروفه ونسقه المعرفي عن عقد الثمانينات، وأن الثمانينات تختلف بدورها عن التسعينات، وهكذا دواليك. ثم اعتبار أن محصّلة جُل هذه الاختلافات هي انتساب الفرد من الناحية الذهنية والتصوّرية والثقافية إلى العقد الذي وُلِدَ فيه. ليكون المولود عام ١٩٨١م مثلًا أقرب إلى الذي وُلِدَ في ١٩٨٩م، منه إلى المولود في ١٩٧٩م. إن هذا التحقيب والتنسيب لا شك أنهما يخلوان من أي منطق، بل هما إلى الشعبوية ألصق. كما إن تقسيم المراحل التاريخية بناء على العقد الزمني: أبعد ما يكون عن الدقة، لكونه تقسيما إحصائيا جامدا، يتمركز حول السَنَة المُرقَّمَة، بما هي سَنَة. والسَّنَة -ليت شعري- هل تستطيع الإنباء أو الإفصاح عن مضمونٍ ما ذي دلالة؟ إذا كانت خالية من حدثٍ إمّا أن يكون مكمّلًا لنظام نسقيٍّ قائم، أو حدثٍ يكون قاطعًا ومؤسِسًا لنظام نسقيٍّ جديد.
على أية حال، نؤوب إلى المسارات الاجتماعية في قطر، التي اجترحتها مشاريع التحديث حول الموقف من اللغة العربية واللغات الحديثة، فنقسمّها -بشيءٍ من التعميم - إلى أربع شرائح اجتماعية:
الأولى: تعتقد بوجوب ترسيخ اللغة العربية كلغة أولى، وأن للحاضنة الأسرية دورا مركزيا في سبيل ذلك. تغلب على أرباب الأسرة فيها النزعةُ التديّنية، ولديهم حد متوسط-عالٍ من التصورات الواعية بذاتهم وبمحيطهم وانتمائهم، تجعلهم يلحقون صغارهم بحلقات التحفيظ القرآنية، ومتابعة التحصيل العربي عندهم. هذه الفئة باتت أقلية قليلة في المجتمع. كما أن جُلّ الأسر المنتمين إلى هذه الدائرة ينعمون باستقرار يطبع علاقة الزوجين ويحفظ انسجام الأسرة وتماسكها. والتماسك الأسري هنا لا يعني أنه السبب الأوحد المُشكِّل لهذه الذهنيّة.
الثانية: تستشعر قيمة اللغة العربية، من منطلق يجمع بين مقتضيات الانتماء الهوياتي والثقافي الديني، ولكنها تجد صعوبة في الموازنة بين أعبائها الوظيفية والتزاماتها الاجتماعية ونوازعها الرفاهية، مما يحول دون تعميق العربية في التكوين العلمي واللغوي لأبنائها وبناتها. فتُسنَد كل المهمة إلى المؤسسات التعليمية حكومية أو خاصة، والهدف الأكبر بالنسبة لها هو نجاح صغارها، لا تعلُّمهِم. الناتج الطبيعي من هذا المنزع هو نشوء فئة من الجيل الصاعد ضعيفة الصلة بكلتا اللغتين، هجينة الذهن، مقسومةً بينهما، لا إلى هذه ولا إلى تلك. ويتبدّى عليها سمات القلق الذاتي.
الثالثة: حيادية إزاء ضرورة تعليم اللغة العربية، أو ربما حيادها هذا أقرب إلى كونه قصورًا بليغًا من جهة الإحساس بالمسؤولية، موازاة مع اعتقادها بأهمية تكييف أبنائها في سوق العمل، المنحاز -عالميًّا ورأسماليًّا- إلى اللغة الإنجليزية بصفتها لغة المعرفة والتقنية الحديثة. وهذه الشريحة أصبحت -وفق اللقاءات الاجتماعية المتواترة والانطباع المتراكم- هي الأغلبية السائدة، في مجتمع قطر.
الرابعة: متأثرة بتدفق الثقافة الغربية، عبر إما الدراسة في مؤسسات مدرسية/أكاديمية غربية. أو الاحتكاك ببيئات غربية وأقوام غربيين وإقامة علاقات تواصل. أو التلقي الاستهلاكي للبضائع والمنتجات الغربية المختلفة، أو حتى مسايرتها لمحيط اجتماعي يتقمّص أو يتبنّى أدوات الاتصال والمعرفة الغربية. تعيش هذه الشريحة قطيعةً تامّة بأصولها الثقافية والتاريخية العربية، ويقتصر انتماؤها على شكليات المراسيم الاجتماعية. بل إن علاقتها بعمقها العربي أصبحن مرتبكات، ومُسامَةً بأشكال الخجل والاضطراب. تبرز هذه الشريحة أيّما بروز في الأماكن المفتوحة ونجدها تحديدًا لدى بعض الأمهات اللائي يخاطبن أبناءهن وبناتهن باللغة الإنجليزية، اعتقادًا منهن -ربما- بتفوّق الجرس الموسيقي الإنجليزي. أو بسبب تفضيلهن لنوع من اللطافة الذوقية الكائنة في لغة الإنجليز، وكيف أن صغارهن حين يعبّرون بالأحرف والمفردات الإنجليزية فإن ذلك يكون آسرًا وساحرًا ومعُزّزًا لشعور الأمومة، المتخيّلة، ويا لها من أمومة مقلوبة.
أما الآباء المنتمون إلى هذه الشريحة، فهم إما يلقون عبء التربية على الأمهات. أو ينساقون إلى تعزيز هذه البنية الثقافية الدخيلة على حساب البنية الثقافية الطبيعية لأن شروط العصر وأحواله قد حتّمت هذا الانسياق. أو ينخرطون نحو تعزيزها بما هي الثقافة الوحيدة الضامنة للتفوق والتقدم والنجاح؛ وهذه مأساة أخرى.
إن التقسيم الآنف، لا يعكس المشهد الأدق للتحول الثقافي داخل الأسر القطرية (ولاسيّما موقفها من المعرفة واللغة) في العقود الثلاثة الأخيرة؛ بقدر ما يعكس المشهد العام الجامع للاتجاهات القائمة داخل هذا التحول.
يعني ذلك أن عملية التأطير الرباعية للشرائح الاجتماعية بحاجة إلى المزيد من التتبع الإحصائي والفحص التجريبي والتوثّق المتمهّل، رغم حالة الركض التي نعيشها وحالة التباعد التي نعمّقها، وحالة الانفلات الاجتماعي التي بدأت تلوح بعضُ إرهاصاتها.
ثنيُ الزمان على مسألة السُكّان
تحتل المسألةُ السكانية موقعًا متعاظمًا في هواجس المثقفين والمختصين بالشؤون التنموية الوطنية في بلدان الخليج العربي. وهي مسألةٌ... اقرأ المزيد
1959
| 19 سبتمبر 2022
لمَ هذا الجفاء بين الظاهرة والمنظور؟
يسري في الأذهان العربية، وبأثرٍ من القضايا السياسية الملتهبة التي ألمَّتَ بجسد الإنسان العربي المثخن ولا تزال، أن... اقرأ المزيد
1772
| 31 أغسطس 2022
لماذا يحب القطريون اللاندكروزر؟
قد لا تظهر هناك علاقة مباشرة بين الوضعية الثقافية لدى شعبٍ ما، ونوع السيّارة المفضّلة لديه أو المُستخدَمة... اقرأ المزيد
10410
| 16 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2286
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1188
| 11 أكتوبر 2026