رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد الكبيسي

طالب ماجستير في جامعة حمد بن خليفة

مساحة إعلانية

مقالات

303

أحمد الكبيسي

بين ناعس الطرف وحافظ الهوى

20 أغسطس 2026 , 11:40م

جرّ قلمي إلى كتابة هذا المقال كومةٌ من الآلام المتراكمة، والأحزان المتوالية، كل واحد منها يبعث الأهوال في هذه النفس، فارتأيت أن أودع هذه الورقة جميعَ خَلَجات فؤادي، وشوارد أفكاري، وهممت على التعبير عن هذه الآلام بلغة نسجتها خواطري، وأملتها عليّ زوبعةٌ من المشاعر، يعتلجها الأنس والحنين وكثير من الأسى، لأن التعبير عن الحزن وسيلةٌ لوضع المسافة بيننا وبينه، والألم إن لم نعبر عنه، استبطنته ذواتنا، ويصبح عندئذ مقيمًا دائما، بدلا من ضيف مؤقت.

أولا: في كيمياء الحزن وجذوره

أكبر مهدد للتوازن الداخلي لدى الإنسان هو الفقد، إذ الفقد لا يستقبله دماغ الإنسان كمعلومة يجب معالجتها، بل كتهديد لتوازنه الداخلي، فكما يؤثر لقاء الإنسان بمن يحب بنسيجه العاطفي، فهو أيضا يؤثر في تركيبته الفسيولوجية، وحين يلتقي الحبيب بمحبوبه ينشط لديه هرمونا الأوكسيوتسين والدوبامين، وما شعور الإنسان بالحنين إلا تعبير عن محاولته العثور على من كان يزوده بهذه السعادة وهذا الأمان الذي يؤثر في شقه العاطفي والفسيولوجي، وإذا كان التعبير العاطفي للحزن يتجلى بالدموع، فإن التعبير الفسيولوجي للحزن هو في انخفاض هرمونات السعادة والدافعية، اتحدا في الشعور، واختلفا في التعبير عنه، والتجلي به.

ولكن لماذا تتغير فيسيولوجيا الإنسان مع الفقد؟

يخبرنا أطبّاء النفس أن لدماغ الإنسان جُسيمًا يشبه اللوزة، هي جرس الإنذار، ومركز اكتشاف الأخطار، وتوليد المخاوف، وعند الفقد، تنشط هذه اللوزة، فتبدأ مشاعر الخوف والانفعال السريع تتدفق في نفس الإنسان وتتوالى.

والآن أنت تريد أن تسأل عن الحزن: أَمَرضٌ هو؟ أقول لك لا: بل هو الثمن الذي ندفعه نتيجة الحب، هي الضريبة التي ندفعها لشعور إذا داهم نفوسنا غيّرها.

على الرغم من ذلك، تظهر للحزن، لاسيّما إذا طال به الأمد، آثاره المرَضية، المتمثلة بانخفاض الانتباه، وضعف الذاكرة، لأن الدماغ حينها يحشد معظم طاقاته وموارده لمعالجة الفقد، والدماغ إذا اتسع نشاطه في مجال، ضاق نشاطه في مجال آخر. ومن هنا قال أبو حامد الغزالي: الصبر ليس ألا يجد الإنسان الألم، بل أن يحسن حمله، أي أن الحل لا يتمثل في اقتلاع الألم من نفوسنا، فهذا مُحال، ولكن أن نحسن التعامل معه حتى لا يقضي علينا، ولذلك قيل التعافي من الألم لا يعني التخلص منه، بل التكيّف معه، وذلك حين يحاول الإنسان ألا يطيل المدى في الحزن، حتى يحافظ على استمراريته في الحياة الدنيا، ولكن!

حين يحاول الإنسان أن يحسن حمل تلك الآلام، فهو يتذبذب ما بين الرجوع إلى الفقد، واستدعاء التجارب الحلوة التي استحالت إلى خناجر في صدره، وما بين التوجه نحو استمراريته في هذه الحياة، ومعاناة التذبذب هذه لا حل لها ولا علاج سوى احتساب الأجر عند الله، وكفى بالله سندا وعونًا، كما هي تذكرة للإنسان أن النعيم الذي لا تشوبه الآلام لن يناله إلا في جنان الخلد.

ذكرنا اسم الغزالي، وهذا جدير بنا أن يحفّزنا للحديث عن الحزن بمنظاره الشرعي وربما الوجداني.

في الإسلام، لا ينقطع الاتصال بالإنسان بعد الموت، وإنما يتغير شكله، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا مات ابن آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: إحداها "ولد صالح يدعو له".

هذه المعاناة الهائلة، وهذا العواطف المرّة، توجهها الشريعة بنشاط موجّه، وبعبادة كبرى هي الدعاء: الترجمان الحقيقي، والتعبير العملي عن الحب.

وأنت إذا نظرت للحب بهذا المعنى، تضاعفت عندك الآلام، وتكاثرت لديك الهموم، وارتفعت الضريبة، فالقوم يرون أن الحب لا يصل مرتبته العليا إلا بالفناء، وذلك حين يسلّم المحب جميع زمام أمره إلى محبوبه، فلا يرضى بشيء لا يرتضيه له محبوبه، ولا يذوق العذوبة إلا فيما استعذبه عشيقه، وذلك لأن فناء الذات بالذات يجعل الرغبات تتحد، والأمزجة تنسجم، والنفوس تأتلف، ومن هذا المنطلق قال شاعرهم:

تِهْ دَلاَلاً فأَنْتَ أهْلٌ لِذَاكا

وتحَكّمْ فالحُسْنُ قد أعطاكا

ولكَ الأمرُ فاقضِ ما أنتَ قاض

فَعَلَيَّ الجَمَالُ قد وَلاّكَا

وتَلافي إن كان فيه ائتلافي

بكَ عَجّلْ به جُعِلْتُ فِداكا

وبِمَا شِئْتَ في هَواكَ اختَبِرْنِي

فاختياري ما كان فيِه رِضَاكَا

وانطلاقًا من هذا المعنى قالوا: أصل كلمة الحب باءان، باء المُحِب، وباءُ المُحَب، ولكن أصبح الحب بباء واحدة نتيجة استغراق باء المُحِب بباء المُحَب، وفناءها فيها وامتزاجها بها.

فلك أن تتخيل إذا وصل الحب لهذا المقام، فكم هي ضريبة الفقد، وكم هو حجم الشعور بالأسى.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية