رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

243

الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني

قطر.. العروبة والشموخ

20 يوليو 2026 , 03:00ص

هناك قادة مُلهمون، وشخصيات استثنائية، ورجال أفذاذ، لا تقاس مكانتهم بطول سنوات الحكم، ولا بعدد المناصب التي تقلدوها، وإنما بما يتركونه من أثرٍ في أوطانهم، وبما يغرسونه في وجدان شعوبهم، وبما يصنعونه من تحولاتٍ تُغيّر مجرى التاريخ. 

هؤلاء لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يؤسسون للمستقبل، ويمنحون أوطانهم مكانةً تستحقها بين الأمم، فتغدو إنجازاتهم جزءاً من هوية الدولة، وذاكرة الشعب، ورواية الوطن للأجيال.

ومن بين هذه الشخصيات الاستثنائية، يبرز المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي ارتبط اسمه بمرحلةٍ مفصلية في تاريخ دولة قطر، شهدت انتقالها من دولة محدودة الإمكانات والحضور إلى دولة تمتلك مشروعًا وطنيًا متكاملاً، ورؤية استراتيجية جعلتها حاضرة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم والإعلام والدبلوماسية، ومؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي.

ولم يكن هذا المشروع منفصلاً عن الإنسان القطري، بل كان الإنسان محورَه الأول وغايتَه الكبرى، وهو ما عبّر عنه سموه في أكثر من مناسبة، حين قال: «سيظل قلبي نابضاً بحب هذه الأرض وأهلها، فهي أول ما وقعت عليه العين، وأول ما التصق بالخيال». 

كما لخّص رؤيته في الحكم بقوله: «أشكر أهل قطر الذين كانوا معي طوال المسيرة، وساندوني، وكانوا خير عونٍ لي في مواجهة التحديات، وكان كل هدفي أن ينعموا بالرفاهية والخير والاستقرار والأمن».

تكشف هاتان العبارتان أن العلاقة بين القائد والوطن لم تكن علاقة سلطةٍ وشعب، وإنما علاقة انتماء ومسؤولية، وحب متبادل، ورؤية جعلت رفاه الإنسان وكرامته وأمنه أساساً لكل مشروع تنموي.

وعندما تسلّم سموه مقاليد الحكم عام 1995، كانت دولة قطر تمتلك مقومات واعدة، إلا أن كثيرًا من إمكاناتها لم يكن قد استُثمر بالصورة التي تليق بطموحاتها. ومنذ اللحظة الأولى، أدرك أن بناء الدولة لا يتحقق بإدارة الواقع كما هو، بل بصناعة واقع جديد، يستند إلى رؤية بعيدة المدى، ويؤمن بأن المستقبل يُبنى بالإرادة والعمل والتخطيط.

ومن هذا المنطلق، لم ينظر سموه إلى القيادة بوصفها ممارسةً للسلطة، بل باعتبارها مسؤوليةً تاريخية وأمانةً وطنية، تُحتّم بناء اقتصادٍ قوي، وتعليم متطور، ومنظومة صحية متقدمة، ومؤسساتٍ حديثة، وبنية تحتية قادرة على استيعاب طموحات الأجيال المقبلة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية، وترسيخ قيم الانتماء والعروبة.

وبفضل ما امتلكه من فكر استراتيجي ورؤية استشرافية، استطاع خلال سنوات قليلة أن يضع الأسس الصلبة لنهضةٍ شاملة، امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات، حتى أصبحت قطر نموذجًا في التنمية المستدامة، ودولة تمتلك حضوراً سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً يتجاوز مساحتها الجغرافية، ويمنحها مكانةً متقدمة بين دول العالم.

ولم تقتصر هذه النهضة على الداخل، بل امتدت إلى صياغة دورٍ خارجي فاعل، عزّز مكانة قطر في القضايا الإقليمية والدولية، ورسّخ حضورها بوصفها دولةً تؤمن بالحوار والوساطة وصناعة السلام، إلى جانب إسهاماتها في دعم التعليم والثقافة والعمل الإنساني، وهو ما منح التجربة القطرية بُعدًا حضاريًا تجاوز حدود التنمية التقليدية.

وفي السياق ذاته، شكّل تأسيس قناة الجزيرة ودعمها محطةً مفصلية في تاريخ الإعلام العربي؛ إذ لم يكن المشروع الإعلامي مجرد إنشاء مؤسسة إعلامية، بل كان رؤيةً هدفت إلى توسيع فضاء حرية الرأي، وإيجاد منبر عربي قادر على نقل الرواية العربية إلى العالم، وتعزيز حضور قضايا الأمة في المشهد الإعلامي الدولي، لتصبح الجزيرة واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية وأكثرها تأثيراً.

لقد كانت نهضة قطر، في جوهرها، مشروعاً متكاملاً لبناء الدولة الحديثة، ارتكز على الاستثمار في الإنسان، والإيمان بالعلم، والانفتاح على العالم، والتمسك بالهوية الوطنية والعربية، وهي المبادئ التي صنعت التحول الكبير الذي شهدته البلاد، وأرست دعائم مسيرة واصلت تقدمها بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي استكمل المشروع الوطني، وحافظ على مساره، وعزّز حضوره وإنجازاته.

رحل القائد المؤسس… ورحل رجل الدولة الذي ارتبط اسمه بمرحلةٍ فارقة من تاريخ الوطن، لكنه ترك إرثاً لا يقاس بالمباني والمشروعات وحدها، وإنما بما رسخه من قيمٍ في القيادة، وما زرعه من ثقةٍ في الإنسان، وما بناه من مؤسسات، وما صنعه من مكانةٍ لدولة قطر بين الأمم.

لقد غرس فأثمرت الأجيال، وأسس فاكتمل البنيان، وأثبت أن الأوطان تُبنى بالإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب، والإيمان بالإنسان قبل كل شيء.

ولذلك، فإن من يترك وطناً شامخاً، وشعباً يعتز بمنجزاته، وإرثاً وطنياً وحضارياً ممتداً، لا يغيب أثره برحيله، بل يبقى حاضراً في ذاكرة الوطن، وفي مسيرة الدولة، وفي وجدان كل من شهد تلك المرحلة أو عاش ثمارها.

رحل الأب الحنون، ورحل باني نهضة قطر، وبقيت النهضة شاهدةً على رجلٍ جعل من العروبة شموخًا، ومن الوطن رسالةً، ومن خدمة الإنسان غايةً لا تنتهي.

اقرأ المزيد

وما نحن إلا ضيوف وما نحن إلا ضيوف

ما إن تخرج من بطن أمك- جزاها الله الكريم خيرا على حملها وصبرها واستبشارها بقدومك كضيف حبيب عليها-... اقرأ المزيد

57

| 22 يوليو 2026

الظاهرة والتحدي القادم الظاهرة والتحدي القادم

إن المشهد المتكرر لظاهرة الكلاب الضالة التي بدأت تتجلى بوضوح في عدد من مناطقنا الراقية والمجهزة بأفضل الخدمات،... اقرأ المزيد

114

| 22 يوليو 2026

حين تسرق المجاملات أوقاتنا حين تسرق المجاملات أوقاتنا

يقول أحد الفلاسفة الرومانيين «ليست المشكلة أن وقت حياتنا قصير، بل إننا نهدر جزءا كبيرا منه». ولعل أكبر... اقرأ المزيد

144

| 22 يوليو 2026

مساحة إعلانية