رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه بالحكايات التاريخية الجميلة
- سمو الأمير يواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة وصمود أمام كل التحديات
- الأمير الوالد أمر بتحويل المؤسسات الربحية لشركات مساهمة باكتتابات عامة للناس
- بنى السياسة الخارجية على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب
- تطوير مشاريع الغاز كان من أولى أولوياته لامتلاك قوة اقتصادية ووفرة مالية
- حوَّل قطر لورشة عمل كبيرة فأثمرت الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً
- كان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها
في البدء
إن القادة العظام في التاريخ يحلمون برؤى عظيمة وطموحات لا سقف لها، ويتميزون بامتلاك القدرة الكاملة على تحويل هذا الحلم الجميل إلى واقع في حياة الناس، وقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من هذا النوع النادر والاستثنائي من القادة، ولأن أولى خطوات النجاح دائماً تبدأ بترتيب الأولويات فكان من أوائل قراراته بعدما تسلم الحكم 27 يونيو 1995 وترتيب مؤسسات الدولة، اطلاق العمل على تطوير مشاريع الغاز والتعاقد مع كبرى الشركات العالمية في هذا المجال وكانت وقتها خطوة جريئة محفوفة بالمخاطر وتحتاج لشخصية شجاعة وعندها القدرة على اتخاذ القرار، وكان يعلم رحمه الله بحكمته أن الدولة التي لا تملك قوة اقتصادية ولا وفرة مالية لا يمكنها الوصول لأهدافها وإنجاز ما تحلم بتحقيقه من طموحات.
جهوده في التنمية الداخلية
بعد نجاح استثمارات الغاز في توفير الموارد المالية الكافية انطلقت عجلة التنمية في العمل على إعادة بناء قطر لتكون في الواقع مطابقة للصورة الذي طالما حلم بها أميرها وتمناها لها، فوجّه اجزاء ضخمة من الواردات المالية في مشاريع البنية التحتية فتحولت قطر لورشة عمل كبيرة في شتى النواحي، فأثمرت كل هذه الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً تمتلك شبكة طرق حديثة تضاهي أفضل شبكات الطرق العالمية، ومطارا من الأفضل عالمياً إن لم يكن هو الأفضل، وأسس العمل لميناء بحري بُني وفق أحدث المواصفات والمعايير العالمية، حتى اصبح كل زائر تتملكه الدهشة والإعجاب من تطور البلاد وما يشاهده من إنجازات فيها وعمران حيثما نظر أو التفت.
وكان رحمه الله يؤمن أشد الإيمان بالإنسان وقدراته ويرى أن واجب الدولة الأول هو تأهيله وتمكينه وإزالة العوائق من طريقه ليقوم بدوره في عمارة الوطن وبناء مستقبله حيث يقول في هذا:
«إن الثروة الحقيقية ليست في الموارد بل في الإنسان، وإن الاستثمار في العلم والمعرفة هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان وصناعة المستقبل» وكان يقدم بفعله القدوة الحسنة والنموذج الصادق في اتباع القول الفعل، فوجه الدعم الضخم لمجالات الصحة والتعليم واستضافة الجامعات العالمية المتميزة، ما جعل مستوى التعليم والصحة في الدولة من الأعلى وفق المعايير العالمية.
دوره في تعزيز الهوية القطرية
كان رحمه الله يحرص اشد الحرص على زرع حب الهوية والتمسك بها في نفوس الاجيال الجديدة، فكان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها، كما كان يحث على لبس الزي الوطني من الثوب والغترة والعقال والتمسك به في حين كثير من الشعوب الخليجية ضعف التزامها بزيها الوطني حتى أصبحت هذه ميزة قطرية تثير الاعجاب، كما أمر بإعادة إعمار سوق واقف بعدما كان متهالكاً يقرب من الاندثار فوجه بتجديده وفق تصاميمه القديمة والتراثية حتى غدا من أهم المعالم السياحية التي يحرص الزوار والضيوف على زيارته والاستمتاع بالأجواء فيه، ووجه للحفاظ على المباني القديمة والحفاظ عليها وصيانتها كجزء من الذاكرة التاريخية لقطر مثل القلعة وقصر الشيخ عبد الله بن جاسم في الريان وقصور الحكم القديمة في الريان وقرب الكورنيش كقصر المرمر وغيرها.
السر بين الأمير الوالد وشعبه
أما علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه فكانت علاقة اشبه بالحكايات التاريخية الجميلة التي قرأنا عنها في الكتب، فكانت تنطوي على سر غريب من الترابط فهي علاقة تتسم بالحب والعطف والرحمة والثقة من جانبه، وتتسم بالحب والولاء والطاعة والثقة من طرفهم، وكان يحرص رحمه الله على القرب من الناس والحديث معهم بوجه بشوش وتذاكُر القصص الجميلة والأحاديث المناسبة ومعرفة أخبارهم والسؤال عن اسم من لا يعرفه منهم والتخبّر منه عن أحاول آبائهم وأمهاتهم وتفقد احتياجاتهم، وكان على علم بالعوائل وفروعها والقبائل وتفرعاتها واستيعاب كامل للخريطة الاجتماعية.
ومن محبته للناس ورغبته الكبيرة بتقديم الخير لهم، بادر باتخاذ القرار برفع الرواتب في جميع القطاعات المدنية والعسكرية بنسب عالية تحقق مداخيل مجزية للأسر تفوق احتياجات المعيشة، حتى سمعنا من بعض المواطنين قولهم ان الرواتب بعد ارتفاعها أصبحت للشخص كأنها إيراد عمارة، كما أمر رحمه الله بتحويل المؤسسات الربحية التابعة ملكيتها للدولة إلى شركات مساهمة وأن تطرح للناس باكتتابات عامة وبأسعار اقل من سعرها الحقيقي مع تقييد مقدار تملك الأسهم المتاحة للشخص الواحد حتى تُعم الفائدة اكبر شريحة ممكنة، وقد انعكس ذلك جلياً في ارتفاع مستوى الحالة المادية للمواطنين وزادت ظاهرة شراء السيارات الجديدة بكثرة في تلك الفترة، وبدأ الكثير منهم في توسعة مساكنهم وبناء المجالس الخارجية، ثم أضف إلى ذلك قراره بزيادة رواتب الضمان الاجتماعي للفئات المستفيدة منه، وقد صنع ذلك حالة جميلة من أجمل حالات الفرح التي لا تُنسى في ذهن من عاصرها، كل تلك الإجراءات وغيرها ساهمت في توفير مستوى معيشي مرتفع سهل عليهم تحقيق مستوى معيشة يتوافق مع معايير جودة الحياة الطيبة الكريمة والمرفهة.
إن الأمير الوالد لم يكن يرى الشعب كتلة بشرية واحدة صماء وانما يراهم مجموعة أفراد متمايزين لكل واحد منهم أحلامه الخاصة واهتماماته المختلفة وظروفه الذاتية، وكان يحرص رحمه الله على وضع بصمة خاصة في نفس كل شخص يتعامل معه يُشعره بها بقربه منه وخصوصيته عنده، وهذا شيء يشعر به ويعرفه كل من كان له تعامل معه وهي موهبة تفرّد بها وقدرة استثنائية لا يقدر عليها إلا نوادر الرجال، وكم سمعنا وشاهدنا من هذه الأحوال قصصا وعجائب لا تحصى.
وكان رحمه الله جميل المعشر طلق الوجه هينا لينا مع مهابة من الله له في القلب، إن مفتاح شخصيته رحمه الله في رأيي هو البعد الإنساني الطاغي في شخصيته الذي يتمثل بحبه للناس وقربه منهم والتعامل معهم بتواضع ولطف وعفوية فريدة تخلو من التكلف، جعلت منه رجلا يمتلك سحرا في الشخصية وكاريزما خاصة لا تكاد تجدها، وأكثر ما كان يسعده أنه يوجه بحل مشكلة إنسان أو ينفس كربة عن مكروب، ويفرح إن سمع عن شخص أخبارا طيبة.
ومن أخص صفاته رحمه الله الكرم والسخاء وهو في هذا مضمار لا يُبارى فكان يحب أن يكرم الناس ويبادرهم بالعطاء حتى بدون مسألة منهم.
مدرسته في السياسة الخارجية
إن الأمير الوالد رحمه الله صاحب مدرسة متميزة واضحة المعالم في السياسة الخارجية تبنى على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب في تطلعاتها وهمومها والوقوف مع الحق والعدل في وجه الظلم والطغيان، فكانت السياسة القطرية بفضل توجهاته شعلة نشاط في القضايا الدولية تقدم دائماً المبادرات الخلاقة لمعالجة الأزمات الدولية لحل الخلافات وتدعم المساعي الإنسانية الحميدة، ابتداءً من احتضان الفرقاء في السودان من أجل حل أزمة دارفور ومنع عودة الحرب إليها، والوساطة لإيقاف اشتعال الأهلية في لبنان والدعوة للحوار في اليمن وليبيا والمواقف الشجاعة في مناصرة الثورة السورية، واحتضان المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية.
لكن موقفه من قضية فلسطين والوقوف مع غزة والسعي الدائم لوقف الاعتداءات الجائرة عليها قصة أخرى وحكايات تروى أكبر وأظهر من أن تحتاج لبيان، فكان رحمه الله يأمر ببناء المساكن والمستشفيات والتعليم وعلاج الجرحى وتحمل رواتب المؤسسات الحكومية في القطاعات التي توفر للناس لقمة العيش وتسد احتياجاتهم الضرورية لهم بعزة نفس وكرامة، ورغم التحديات والمخاوف والمُعيقات إلا أن أفعاله دائماً كانت تُصدّق أقواله، في زمن قل به الصادقون.
ومن الأشياء التي تفرد بها رحمه الله قراره بإنشاء قناة الجزيرة التي تقوم سياستها على مبدأ تبني هموم الشعوب وطموحاتها واحلامها وتحمل كل الضغوط في سبيل تمكينها من القيام بدورها في نشر الوعي والعلم وثقافة الانفتاح على الآراء المتنوعة والمختلفة، ودعم دورها في فضح الجرائم والانتهاكات والفساد، ووقوفه بشجاعة في وجه كل الضغوط العربية والغربية التي واجهها والتي تعجز عن تحملها دول أكبر وأقوى، لكن همة الأمير الوالد وقوة شخصيته ورباطة جأشه وإيمانه الكامل بقناعته وما يؤمن به جعلت منه الصخرة التي تتحطم عليها كل تلك التحديات، ما فتح الطريق أمامها لنجاح في معركة الوعي ومناصرة المظلومين والانحياز لقضايا الأمة، الأمر الذي مكّن الجزيرة من صنع وحدة شعورية لها مع غالبية الشعوب حتى أصبحت الجزيرة من أهم المنجزات العربية في المئة سنة الأخيرة.
الشيخ تميم وقانون الاستمرارية
إن استمرارية المسيرة وتوريثها للأجيال التالية وجعل النهج الذي رسموه والطريق الذي سلكوه لا ينتهي بانتهاء حياتهم هي من أصعب التحديات التي يواجهها القادة العظام، لذلك قرر الأمير الوالد رحمه الله العمل باكرا على تهيئة رجل المستقبل، فكان قراره بتسليم الحُكم طواعية في حياته وهو في كامل صحته وقوته وتمكنه من الأمور، لِمن رأى به مخايل النجابة وتفرّس فيه الذكاء والكفاءة والمقدرة والشجاعة والضمير الحي فكان الشيخ تميم.
وقد نجح صاحب السمو أمير البلاد المفدى في مواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة، والصمود أمام كل التحديات التي واجهها وتغلب عليها، فنجح الأمير الوالد في تحدي استمرارية الإرث عندما وضع أغلى بلد في يد أكفأ رجل وأجدر من يحمل الأمانة، وازداد سروره رحمه الله وهو يرى بعينيه ما يسره من حكمة رأيه وصواب القرار في الرجل الذي تربى على يديه وتخرج من مدرسته وسار على هديه.
نجحت القيادة الجديدة في تحدي أزمة الحصار كما نجحت في استضافة أكبر بطولة رياضية عالمية ونظمتها بصورة أبهرت العالم، ومنذ 25 يونيو 2013 والإنجازات تتوالى وتثبت أن سمو الأمير الشيخ تميم هو الرجل المناسب في المكان المناسب.
يقول المتنبي في بيت جميل معبر كأنما قيل في الأمير الوالد يصدق عليه ويختص به دون الناس:
يَدِلُ بمعنى واحد كُلَّ فاخرٍ
وقد جمع الرحمنُ فيك المعانيا
ويقصد أن كل مادح يفخر بممدوحه بصفة واحدة يتميز بها ويعرف فيها، فهذا يمدح بأنه كريم والاخر يمدح بأنه شجاع والثالث يمدح بأنه وفيّ وهكذا.
أما الأمير الوالد فقد جمع الله فيه الفضائل والمفاخر كلها، أما في الكرم كان دفان الفقر، وفي الشجاعة قد صادم قوى كبيرة ولم يتزعزع، وفي الوفاء ينفذ إذا وعد، ولا يرجع عن كلمة قالها إذا بها نطق، وهو المتسامح والعطوف على الأرملة والمسكين والمتواضع مع الناس وصاحب المروءة، وهو باني الدولة وقائد المسيرة والسياسي المحنك المؤسس الثاني لقطر وغير ذلك مما وهب الله له من مكارم الأخلاق وجميل الفضائل، وفوق ذلك وقبله له من أعمال الخير والبر الكثير التي لا يجازيه عليها إلا رب العالمين.
الختام
إن الشيخ حمد بن خليفة رحمه الله شخصية عظيمة واستثنائية في التاريخ لا يمكن أن يحصى نبل فضائلها وعظيم إنجازاتها في عجالة سريعة، فهو كبحر لا ساحل له وفضاء لا حدود له، وسيرته عطرة جميلة سُطرت في صفحات التاريخ بأحرف من نور، تضيء بالخير لتهتدي بها الأجيال تلو الأجيال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم»
ونحن نُشهد الله سبحانه أن قلوبنا تكُن له خالص المحبة، وألسنتنا تخصه بصالح الدعاء في صلواتنا، ونسأل أن ينزل الله عليه الرحمة والمغفرة من عنده وينير له في قبره مد بصره وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
28941
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
4284
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة وموارد كافية، ثم تتعثر رغم ذلك. وفي مثل هذه الحالات، يتجه اللوم عادةً إلى الإدارة التنفيذية، مع أن الخلل قد لا يكون في كفاءتها، بل في بيئة لا تتيح لها أن تدير فعليًا. يبدأ الأمر بموقف يبدو عابرًا: يتلقى الموظف تعليمات من مديره المباشر، ثم يأتيه توجيه مختلف من عضو في مجلس الإدارة. يعرف الموظف أن مديره يملك الصفة الرسمية، لكن عضو المجلس يملك النفوذ الأعلى، فينفذ التوجيه الأقوى. ومع تكرار ذلك، يتشكل داخل المؤسسة هيكلان: هيكل معلن تحدده اللوائح، وآخر خفي تُتخذ عبره القرارات الحقيقية. وهنا تنشأ «الإدارة الموازية». الأصل أن يحدد مجلس الإدارة وجهة المؤسسة، ويعتمد إستراتيجيتها وميزانيتها، ويراقب المخاطر، ويختار الرئيس التنفيذي ويقيّم أداءه. أما الإدارة التنفيذية، فتتولى إدارة العمل اليومي وتحويل الإستراتيجية إلى نتائج. المجلس يحدد الوجهة ويراقب المسار، والإدارة تقود الرحلة. ومن الضروري التمييز بين الإشراف والإدارة؛ فمجلس الإدارة لا يمثل مستوى تنفيذيًا أعلى من الرئيس التنفيذي، وإنما يؤدي دورًا مختلفًا يقوم على التوجيه والرقابة والمساءلة. كما يقدم المجلس للإدارة الرأي والمشورة، لكن هذا الدور يختل عندما تتحول المشورة إلى تعليمات تنفيذية يصدرها أعضاؤه مباشرة إلى المديرين والموظفين، متجاوزين الرئيس التنفيذي والتسلسل الإداري. ويظهر التداخل بوضوح عندما ينشغل بعض أعضاء المجلس بالتوظيف والمشتريات واختيار الموردين ونقل الموظفين، وهي قرارات تقع في الأصل ضمن مسؤوليات الإدارة التنفيذية. وقد يبدأ ذلك بحسن نية، لتسريع قرار أو معالجة مشكلة، وربما يحقق نتيجة سريعة تعزز الاعتقاد بأنه كان ضروريًا. إلا أن ما يبدو نجاحًا في موقف منفرد قد يكون بداية خلل مؤسسي. فكل قرار يتجاوز القنوات الرسمية يرسل رسالة إلى الموظفين بأن النظام قابل للتعطيل، وأن القرب من صاحب النفوذ قد يكون أكثر فائدة من الالتزام بالتسلسل الإداري. وعندها يصبح بناء العلاقات أهم من جودة الأداء، ويتردد المديرون في اتخاذ قرارات قد يعدلها المجلس أو يلغيها لاحقًا. وقد يقبل بعض الرؤساء التنفيذيين هذا التداخل خوفًا على مناصبهم أو تجنبًا للصدام مع أعضاء المجلس. فيتحملون المسؤولية علنًا، بينما يتنازلون عن صلاحياتهم ضمنيًا. وبذلك يستمر الخلل؛ لأن جميع الأطراف تتكيف معه بدلًا من مواجهته. وهنا تظهر «فجوة المسؤولية»: المسؤول الرسمي لا يملك القرار كاملًا، وصاحب القرار الفعلي لا يظهر عند المحاسبة. فإذا تراجعت النتائج، يُسأل الرئيس التنفيذي عن قرارات ربما عُدلت أو عُطلت أو اتُّخذت نيابة عنه. لا يمكن مطالبة إدارة بتحقيق أهداف محددة، ثم سحب أدوات القرار من يدها. فالمساءلة من دون صلاحية ظلم إداري، والصلاحية من دون مساءلة نفوذ غير منضبط. وكلما اتسعت المسافة بين من يصنع القرار ومن يتحمل نتيجته، أصبحت الأخطاء أكثر تكرارًا والمحاسبة أقل عدالة. ولا يعني استقلال الإدارة منحها حرية بلا حدود. فمن حق المجلس أن يناقش ويعترض ويطلب المعلومات، وأن يحاسب الرئيس التنفيذي أو يستبدله عند الإخفاق. لكنه يفعل ذلك بصفته مجلسًا، ومن خلال قنوات مؤسسية، لا عبر تعليمات فردية إلى الموظفين. فالفرق كبير بين مجلس يراقب الإدارة، ومجلس يتحول إلى إدارة أخرى. ويبدأ الإصلاح بتحديد القرارات المحجوزة للمجلس، وتلك المفوضة إلى الإدارة التنفيذية، ومنع أعضاء المجلس من إصدار أوامر مباشرة إلى الموظفين. غير أن اللوائح وحدها لا تكفي؛ فالفصل الحقيقي يتطلب التزام أعضاء المجلس بحدود دورهم، وتمسك الرئيس التنفيذي بالصلاحيات والمسؤوليات المرتبطة بمنصبه. إن بعض المؤسسات لا تفشل بسبب نقص الكفاءات، بل لأنها تستدعي الكفاءة ثم تمنعها من ممارسة دورها. فحين يتحول المجلس من الرقابة إلى الإدارة، يضعف المدير؛ وحين يضعف المدير، تضيع المسؤولية. والمجلس الأقوى ليس الأكثر تدخلًا، بل الأقدر على بناء إدارة تعمل بكفاءة وتُحاسب بعدالة.
3411
| 29 أغسطس 2026