رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
النظام وأدواته يديران وسائل الإعلام الحكومية في العالم العربي! الهاتف النقال ومواقع التواصل الاجتماعي شرارة الثورة العربية وسائل إعلام عربية لا تتخذ مواقف حازمة من الثورات الشعبية
من بركة الثورات العربية وتأثيرها الدولي هو السقوط المدوي الفاضح لأجهزة الإعلام الفاسدة سواء التي تسيطر عليها المصالح والمنافع الشخصية مثل جريدة «أخبار العالم» — News of the World البريطانية أو تلك الملحقة بالأنظمة العربية الاستبدادية، ورموزها والأجهزة التابعة لها من خلال الصحافة والإذاعة والتلفزيون، حتى المحاولة في السيطرة والتحكم والرقابة على وسائل الإعلام الجديد فشلت فشلا ذريعا، وكان الهاتف النقال ومواقع التواصل الاجتماعي هي شرارة الثورة العربية ووقودها الذي يمدها بالحياة والاستمرارية من خلال الأفلام والفيديوهات التي تخرج من عمق المدن والشوارع العربية المحاصرة بالدبابات والجيش والشبيحة تعرض للعالم ما يجري ويدور فاضحة الصمت العربي الدولي الذي لا يزال يقف متفرجا على ما يجري خصوصا في سوريا.
(1)
على غير العادة صحوت باكرا يوم الأحد لكي احصل على العدد الأخير من نسخة الأحد لجريدة الصن (نيوز أوف ذي ويرلد) البريطانية، كذكرى على طي صفحة في التاريخ شكلت ملامح مرحلة إعلامية تراجيدية، ولكن لم افلح في الحصول على العدد، (لقد سبق بها عكاشة) حيث كان الكثير من القراء ينتظر على أحر من الجمر من الصباح الباكر في طوابير للحصول على النسخة الأخيرة! صحيفة «أخبار العالم» تعد واحدة من أقدم الصحف البريطانية وأوسعها انتشاراً، وظهرت للمرة الأولى قبل 168 سنة، ويتابعها أكثر من 7،5 مليون قارئ، وتم إصدار 8674 عددا منها، ويتم توزيعها في العالم كله، وعددها الأسبوعي يصدر نهاية كل أسبوع لكن الأحد الماضي جاء مختلفا ويحمل في غلافه تحت عنوان "شكرا ووداعا" الدموع والخجل والفضيحة. وقد اكتسبت شعبية كبيرة بفضل تخصصها في نشر قصص وفضائح المشاهير والعلاقات والفضائح الجنسية والمالية والجرائم المختلفة التي تحدث في المجتمع. مالك الصحيفة "روبيرت موردوخ" (Rupert Murdoch) قرر إغلاقها نهائياً وبقرار جماعي من مجلس الإدارة بعد أن أثيرت حولها موجة من الاشمئزاز في العالم كله، وتخلت الشركات الإعلانية على نطاق واسع عن النشر في الصحيفة في أعقاب الفضيحة المدوية التي أحاطت بها.
(2)
فضيحة صحيفة التابلويد الشعبية تمثلت في تنصتها على عدد كبير من أقارب الضحايا سواء في جرائم عادية أو في عمليات إرهابية، وأنها تقوم بالاستعانة بعدد من رجال الشرطة والمخبرين والمجرمين أيضا للحصول على معلوماتها عن طريق دفع الرشاوى والأموال من تحت الطاولة في سبيل الانفراد بالاخبار الحصرية. ورغم انكشاف الفضيحة قبل سنوات فإن الصحيفة لم تتوقف عن أفعالها المشينة في اتباع عمليات التنصت على المكالمات الهاتفية لعدد من مشاهير الفن والرياضة والسياسة ونجوم المجتمع، رغم أنها خصصت ميزانية تراوحت بين 20 و30 مليون جنيه (حوالى 33 إلى 50 مليون دولار) من أجل تعويض الشخصيات المتضررة! وجاءت الضربة الكبرى حينما كشفت صحيفة «غارديان» (The Guardian) قبل مدة أن شرطة البريطانية توصلت إلى أن هاتف الفتاة ميلي داولَر (13 عاما)، التي اختطفت وعثر على جثتها في عام 2002، تعرض لمحو رسائله الصوتية على يد صحفيين عاملين في (نيوز اوف ذي ويرلد)، وأن ضمن ما مُسح أدلة جنائية كان بوسعها إلقاء الضوء على جريمة قتلها. وأعلن والدا الفتاة القتيلة أنهما بصدد رفع دعوى قضائية على الصحيفة وشركتها الأم. وأدى النبأ إلى حالة من الهياج الشعبي والإعلامي وأثار جدلا حول المضامين الأخلاقية التي ينطوي عليها وحرية الصحافة والحدود التي يجب ألا تتخطاها. وتستمر الفضائح في الخروج بعدها حين كشف أن الصحيفة نفسها تنصتت على هواتف عدد غير معروف من أقارب الضحايا في الهجوم الإرهابي على شبكة المواصلات اللندنية في عام 2005، وتنصتت أيضا على عدد كبير من أقارب الجنود الذين قتلوا في حرب أفغانستان، ويتم التحقق في الولايات المتحدة لوسائل الإعلام التي تتبع إمبراطورية مردوخ للكشف عن اتباع الاسلوب نفسه في التنصت على أقارب ضحايا مركز التجارة العالمي. كانت الإدارة التحريرية العليا للصحيفة متورطة في تشجيع المراسلين على اتباع أساليب غير قانونية لجلب الاخبار والتقارير، كما طالبت المراسلين بالحصول على أخبار خاصة لمصلحة الصحيفة "مهما كان الثمن المدفوع مقابل ذلك".
(3)
الإدارة التحريرية في العالم العربي تمثل النظام والسلطة وأدواتها الفاسدة والمضللة وهي لا تحتاج ان تتنصت على المشاهير والمعارضين فالبلد كله مراقب والشعب كله محاصر، إلا أن النتيجة مشابهة في الشرق أو الغرب فما بني على باطل مصيره الانكشاف والزوال والسقوط المروع والمدوي. الإعلام العربي القومي المناصر الصمودي يرتزق اليوم بدماء الشعب، يحرف الحقائق، وينشر الأكاذيب والافتراءات. أما الإعلام الحكومي وخصوصا الخليجي فهو يتجاهل ما يدور من حراك تغيري حقيقي للمنطقة، وقد لا ينشر ولا يتفاعل ولا يتخذ مواقف حازمة وصارمة من الثورات الشعبية والمطالب العربية التي تطالب بالديمقراطية والإصلاحات السياسية من فوقه ومن تحته وعن يمينه وشماله! يحكى انه لما قامت الثورة البلشفية في موسكو، احتارت الصحف العثمانية كيف تورد الخبر وأين تضعه على الصفحة الأولى أو في الداخل. فقائمة الممنوعات التي وضعها الرقيب للباب العالي العثماني كثيرة كما أنها تحرم استخدام كلمات مثل ثورة، إرادة شعب، شيوعية، إسقاط القيصر. فخرجت صحف السلطان عبد الحميد بالعنوان التالي: مشاجرة في موسكو، وهو حال تغطية الكثير من وسائل الإعلام العربية الحكومية لما يجري في العالم العربي.
(4)
العديد من البلدان العربية تجني اليوم ما صنعت يداها الإعلامية القذرة التي مارست التزييف والتضليل وتسترت على الكبت والاستبداد والظلم وتغييب الحريات والدفاع والمنافحة عن حالة الطوارئ والانسداد السياسي والفساد والاستغلال الاقتصادي، وتكميم الأفواه، وهاجمت كل الآراء المغايرة والحرة وصفقت وهللت وباركت بزج المعارضين والاصلاحيين في السجون والمعتقلات. ها هي تدفع الثمن من تونس ومصر إلى ليبيا وسوريا واليمن والبقية على الطريق من خلال الشعب الثائر الذي خرج من غياهب النسيان، يطالب بإسقاط النظام الفاسد والإعلام الكاسد.
فاصلة أخيرة:
أحضر سلة
ضع فيها (أربع تسعات).. ضع صحفا منحلة
ضع مذياعا.. ضع بوقا.. ضع طبلة
ضع شمعا أحمر.. ضع حبلا.. ضع سكينا
ضع قفلا.. وتذكر قفله
ضع كلبا يعقر بالجملة.. يسبق ظله
يلمح حتى اللا أشياء.. ويسمع ضحك النملة
واخلط هذا كله.. وتأكد من غلق السلة
ثم اسحب كرسيا واقعد
فلقد صارت عندك
دولة
* أحمد مطر
Aljaberzoon.blogspot.com
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
858
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
669
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
648
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1329
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026