رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في مذكراتها التي أصدرتها تحت عنوان خيارات صعبة، حرصت هيلاري كلينتون على إظهار سعيها إلى إحداث تغييرات في الشرق الأوسط من قبل نشوب ثورات الربيع العربي، وصدرت فصلها عن الربيع العربي بعبارة تقول فيها، إن الحكام العرب يجلسون على برميل من البارود، وإذا لم يتغيروا فإنها سرعان ما ستنفجر بهم.
ويظهر من خلال أسلوبها محاولة إضفاء الطابع البطولي، والبروز بمظهر المرأة التي تسير عكس التيار، والقادرة على اتخاذ القرارات غير الاعتيادية، أو التي لا تتهيب من مواجهة الآخرين بعيوبهم وتوجيه النقد المباشر لسياساتهم، حتى إنها تصف دهشة الصحافيين الأمريكيين الذين كانوا يرافقونها في رحلاتها للشرق الأوسط من جرأتها وصراحتها.
وقد حاولت كلينتون على مدار صفحات مذكراتها أن تنأى بنفسها وبحكومتها عن التاريخ الأسود للاستبداد فتشير إلى استخدام قانون الطواريء بنوع من الأسى، كما تنعى على دول المنطقة رزوحها تحت كافة أنواع الفساد، كما تتحدث عن غياب التعددية، وضعف المشاركة السياسية، وعدم السماح بتكوين الأحزاب، والتضييق على المجتمع المدني، وتسييس القضاء، وبعده عن الاستقلال والنزاهة، وتزوير الانتخابات أو عدم إجرائها بالكلية، والتنكيل بالمعارضين، كأمثلة على بعض ما كانت تأخذه على أنظمة المنطقة. وأخيرا فإنها تنعى على زعماء المنطقة استمرارهم في الحكم على الرغم من كل هذه المآسي.
ورغبة منها في أن تبدو كصاحبة موقف متوازن فإنها تتوجه أيضا بقدر من اللوم للإدارات الأمريكية المتعاقبة التي رغم حسن نواياها تجاه المنطقة (كما تزعم)، فإنها مدفوعة بالاعتبارات الاستراتيجية، مثل مكافحة الإرهاب، ودعم إسرائيل، ومواجهة الطموحات الإيرانية النووية، لم تمارس ضغوطا كافية على حلفائها من أجل ممارسة إصلاحات سياسية، ظنا منها أن هذا يخدم أغراضها في حماية الاستقرار، كما تعترف أن الإدارات الأمريكية قد استمرت في التنسيق مع هذه الأنظمة لمواجهة المخاطر الأمنية ولم تفكر مطلقا في قطع العلاقات العسكرية معها، على الرغم من سوء أدائها في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات.
تعترف كلينتون أن هذا التناقض مثل معضلة أمام أجيال متتابعة من صانعي القرار الأمريكيين؛ التناقض بين القيم الديموقراطية والمصالح الاستراتيجية. وأنه على الرغم من وقوف المسؤولين الأمريكيين في الجانب الصحيح في الكثير من الأوقات إلا أنهم يندمون كذلك على الكثير من المواقف التي لم يتخذوها، والتداعيات التي لم يتوقعوها، والبدائل التي لم يختاروها. وكانت أبرز المناسبات التي ظهر فيها مثل هذا التناقض "اندلاع ثورات الربيع العربي"، حينما وقفت وزيرة الخارجية والإدارة الأمريكية في مجملها إزاء قرارات صعبة، كانت تستدعي اتخاذ مواقف محددة، إلا أن هذا بالضبط ما لم يحدث على أرض الواقع.
فبشكل عام ظهر من خلال مذكرات هيلاري عدم امتلاكها لموقف محدد من الثورات، التي مثل نشوبها أزمة حقيقة لها كما للإدارة الديموقراطية بشكل عام. فخلال هذه الفترة تبين أن المرشحة الحالية للرئاسة ووزيرة الخارجية وقتها ليست الشخص المناسب لاتخاذ "القرارات الصعبة"، فقد بدت مترددة وغير متيقنة. فمع تصاعد المظاهرات التي انطلقت في تونس، لم تستطع كلينتون أن تتخذ موقفا حاسما إزاء نظام بن على الذي وصفته بطريقة توحي أنه كان من الممكن التغاضي عن عيوبه، بالنظر إلى انفتاحه على القيم الغربية، وحجم الحريات التي كان يمنحها للمرأة التونسية. قبل أن تعود وتؤكد أن قمع نظامه وقسوته دفعا بالمواطنين في النهاية إلى النزول إلى الشوارع رفضا للفقر والإحباط الذي عانوا منه في ظل حكمه.
نفس الأمر فيما يتعلق باليمن إذ تعترف كلينتون بأن الإدارة الأمريكية كانت تقايض نظام عبد الله صالح في إطار نفس العلاقة البراجماتية؛ التغاضي عن الاستبداد والاستمرار في الدعم بالمال والسلاح، في مقابل قيام الأخير بلعب دور الوكيل عن الجانب الأمريكي في التصدي للجماعات التابعة لتنظيم القاعدة في اليمن.
هذا التردد والازدواجية في المواقف وتغليب المصالح البراجماتية على المقولات المبدئية مثَّل مرة أخرى موقف الوزيرة الأمريكية عندما اندلعت الثورة المصرية، ففي وصفها للرئيس السابق، اهتمت بأن تؤكد كيف أن مبارك مثل حليفا استراتيجياً للإدارة الأمريكية، وكيف أنه أظهر قدرة متميزة في مقاومة الإسلاميين، كما حمدت له الضغوط التي مارسها على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من أجل القبول باتفاقية السلام التي كانت برعاية زوجها بيل كلينتون في العام 2000. قبل أن تبرر الثورة عليه بالطبيعة الاستبدادية لنظامه وسوء إدارته للوضع الاقتصادي.
هذه الازدواجية في مواقفها أعاقت قدرتها على الرد على أسئلة الإعلام بشكل محدد وحاسم حول موقف الإدارة الأمريكية مما يجري في مصر، فقد كان من الصعب أن تقدم إجابة تحمل (ما يفترض أنه) المباديء الأمريكية حول الحرية والديموقراطية، وتحفظ لأمريكا في نفس الوقت مصالحها في المنطقة، ولهذا كانت إجاباتها تأتي مائعة، وغير محددة، من نوعية "دعم حق المتظاهرين في التعبير عن الرأي، ودعم حرية التجمع، ورفض استخدام العنف"، ثم التعقيب على كل ذلك بالقول بأن تقديرها "أن الحكومة المصرية مستقرة وتبحث عن طرق للاستجابة للمطالب المشروعة للجماهير".
إن الخيار الصعب الذي أثاره الربيع العربي أمام هيلاري كلينتون، وقت أن كانت أحد صانعي القرار، يتعلق بمدى قدرتها على إدارة التعدد، فالتعامل مع حليف واحد قوي مثل دوما بديلاً أفضل من التعامل مع جماهير غفيرة تمارس حريتها لأول مرة. لذا تحركت وزيرة الخارجية ببطء، وترددت في التجاوب مع حركة الشارع، وكان رأيها أن التزام الإدارة الأمريكية بموقف محدد ربما ينعكس بالسلب على مصالحها، لذا آثرت أن تتعامل مع جميع الاحتمالات، وهو ما تأكد بدرجة أكبر في أعقاب نجاح الموجة الارتدادية، ورجوع ممثلين للأنظمة التي قامت ضدها الثورات إلى الحكم، وقبول الإدارة الأمريكية، ووزيرة الخارجية نفسها، التعامل معهم بأريحية لافتة.
وبناءً على ما سبق يمكن القول إن فوز هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة سيوفر أجواء مثالية أمام أنظمة الوضع الراهن، أو على الأقل لن يمثل عاملا محفزا لاستئناف ثورات الربيع العربي المجهَضة.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2317
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
936
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
831
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3171
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026