رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستغرب كثيرا الهجوم المكثف على الإعلام المصري في الآونة الأخيرة. ووجه الاستغراب لا يتمثل في مبدأ انتقاده وتجريح أدائه، لأنني أتفق كثيرا مع ما قيل بحقه، ولكنه ينصب على تشخيص مشكلته وأزمته، الذي أزعم أنه جاء منقوصا ومبتسرا. ولأن التشخيص كان خطأ فلم يكن مستغربا أن يقع الخطأ في العلاج، لذلك أثار دهشتي أن بعض الناقدين اعتبروا أن حل المشكلة يكمن في إصدار ميثاق شرف إعلامي، أو إنجاز القوانين المنظمة للمهنة أو إحداث آلية لمحاسبة الإعلاميين أو أية إجراءات أخرى لضبط الأداء الإعلامي.
لا أختلف مع من يقول بأن لدينا مشكلة في الإعلام. وليس لدي أي اعتراض على المقترحات التنظيمية التي يراد بها الحفاظ على المهنة وحماية العاملين بها، لكن خلافي الوحيد يكمن في اعتبار الإعلام هو المسؤول الأول عن المشكلة أو أنه مصدرها الحقيقي. ذلك أنني أزعم أن مشكلتنا هي في السياسة وليس في الإعلام. الذي هو في حقيقته صدى للسياسة وليس مستقلا عنها. ذلك أن الإعلام إما أن يكون مرآة للمجتمع أو يصبح مرآة للسلطة والسياسة. أعنى أن دوره يختلف باختلاف الحالة الديمقراطية في كل بلد، فإذا كان مجتمع المواطنين هو الذي ينتخب السلطة ويراقبها فالإعلام حينئذ سيكون مرآة له باعتباره الطرف الأقوى في المعادلة. أما إذا كانت السلطة هي الطرف الأقوى الذي يشكل المجتمع ويمارس وصايته عليه من خلال أجهزتها ومؤسساتها التقليدية فالإعلام سيعبر عن تلك الحقيقة تلقائيا.
بكلام آخر، فإننا لا نستطيع أن نعزل الإعلام عن البيئة الاجتماعية والسياسية التي يتحرك فيها. فهو لا ينطلق في فراغ ولا يخاطب المطلق. لذلك فقبل أي حديث عن الإعلام في المجتمعات التي لم تتمكن فيها الديمقراطية ــ ونحن منها ــ لابد أن نبدأ بالسؤال عن السياسة.
إن كل المهتمين بالإعلام والعاملين في ميادينه المختلفة لا يختلفون على أنه ينتعش ويرتقي في أجواء الحرية والديمقراطية، التي تتفتح فيها آفاق التعبير وتعلو سقوفه. وتحترم فيها كرامة الإنسان وحقوقه. وكل انتقاص من تلك القيم والعناوين ينعكس بالسلب بصورة مباشرة على أداء الإعلام مهنيا وأخلاقيا. لذلك فإن تدهور مستوى الإعلام الذي يشكو منه الجميع إذا أردنا أن نعالجه بشجاعة ونجاعة، فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يدور حوله البحث يجب أن ينصب على حدود الحرية التي يتمتع بها المجتمع الذي يحيط به ويخاطب ناسه.
إذا حاولنا تنزيل هذه الخلفية على الواقع في مصر، فسنجد أن وضعا سياسيا جديدا نشأ في البلد في الثالث من يوليو عام ٢٠١٣. ولحسم الصراع السياسي وطي صفحة النظام السابق، فإن الإرهاب صار عنوانا لتلك المواجهة التي وصفت بأنها حرب لا هوادة فيها، أججتها وساعدت على استمرارها التظاهرات التي خرجت في أعقاب التغيير الذي تم. ولأنها «حرب» فإن المواجهة تمت على صعيدين، في الشوارع والجامعات وغيرها وهذه مواجهة تكفلت بها أجهزة الشرطة والقوات المسلحة، كما للإعلام نصيبه في تلك المواجهة، باعتباره الأكثر انتشارا والأقوى تأثيرا، ثم رسالته تصل إلى الكافة بمختلف أطيافهم. وفي غيبة منابر أو مؤسسات تعبر عن المجتمع. فإن الإعلام ظل المنبر الوحيد الذي يخاطب الرأي العام ليل نهار. ولأنه كذلك فقد أريد له أن يظل تعبويا طول الوقت. يستوي في ذلك الإعلام الحكومي أو التابع للقطاع الخاص. ولإنجاز مهمته تلك فإن الإعلام انحاز إلى الرأي الواحد. وأصبح ضائق الصدر بالرأي الآخر، في الوقت ذاته فإنه أصبح في خطابه الأساسي معبرا عن إدارات التوجيه المعنوي الناطقة باسم مؤسسات السلطة بأكثر من تعبيره عن ضمير المجتمع وأشواقه.
هذا المسار رتب ثلاث نتائج لها أهميتها البالغة. الأولى أن الرأي الآخر صار منبوذا سياسيا ومقصيا إعلاميا كحد أدنى ومتهما ومطعونا في ولائه ووطنيته كحد أقصى. الثانية أن المهمة التي ألقيت على كاهل الإعلام أفرزت شريحة معينة من الإعلاميين كما استبعدت شريحة أخرى. والأولون الذين تقدموا الصفوف وأصبحوا من أصحاب الحظوة كانوا الأقدر على الانصياع والقيام بدور «البوق» والأكثر جرأة على التشهير بالمخالفين والنيل من كراماتهم. النتيجة الثالثة التي لا تقل خطورة وهي أن الخطاب التعبوي أحدث تشوهات في المجتمع أدت إلى انقسامه وأشاعت في شرائحه المختلفة مشاعر الكراهية والانتقام التي وصلت إلى حد التكفير السياسي لكل صاحب رأي مغاير. وهو ما لم ينج منه الوطنيون المستقلون الذين سعوا إلى رأب التصدعات وتحقيق المصالحة الوطنية. كما لم ينج منه الحقوقيون الذين كرسوا أنفسهم للدفاع عن كرامات المظلومين وإنسانيتهم.
الرسالة التعبوية التي أريد للإعلام أن ينهض بها لحسم الصراع السياسي وشيطنة الآخر تحولت إلى عامل طارد لنماذج من الإعلاميين المستقلين الغيورين على بلدهم ومهنتهم. فخرج حمدي قنديل من الحلبة مبكرا، وخرج باسم يوسف ويسري فودة وحافظ الميرازي، وريم ماجد التي منع برنامجها أخيرا وثار لغط حول التي قررت ذلك، ثم سكت اللغط وقيد المنع ضد مجهول! ومع اختفاء هؤلاء الإعلاميين المحترمين اختفى معهم تلقائيا صنف من الضيوف المحترمين أيضا. وحين حدث ذلك تقدمت الصفوف شريحة أخرى من الإعلاميين والضيوف أصبحت شهادة دامغة على تدهور الإعلام وانحطاط مستواه وسببا وجيها لطرد المشاهدين وليس جذبهم.
للقضية جوانب أخرى لا ريب، يتصل بعضها بالدور الذي قام به القطاع الخاص في إحداث التدهور. ويتصل البعض الآخر بالحاصل في الإعلام المقروء، وهو ما أرجو أن أناقشه في مرة لاحقة، لكن أكثر ما همَّني في الوقت الراهن أن أدلل على أن الإعلام إذا كان ظالما فهو مظلوم أيضا، وإذا كان قد افترى فهو ضحية ومفترى عليه أيضا.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3162
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026