رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة رواية بهذا الاسم للمفكر والأديب والكاتب الراحل الدكتور طه حسين ,جسدت مبكرا نزوعه الإنسانى من خلال تناوله لمكابدات نفر من أبناء الشعب فى الحقبة الليبرالية التي سبقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو من العام 1952والتى ما فتئت أصوات تتغنى بمباهجها وتعتبرها الحقبة الأهم في تاريخ المحروسة في حين أنها كانت زاخرة بالآلام والمخاضات التي عبرت عنها رواية المعذبون في الأرض وغيرها من أعمال لكتاب ومبدعين فضلا عن تجليات الواقع التي كانت تشير إلى أن 5ر2 في المائة من السكان يمتلكون الثروة والسلطة في حين أن أغلبية الشعب تعاني الجوع والعراء والأمراض فضلا عن الجهل , بيد أن ثورة يوليو أنهت نسبيا هذه المكابدات وأدخلت المحروسة في منحى يعلى من البعد الاجتماعي , ويؤكد الانحياز للأغلبية حتى على الرغم مما يراه البعض من عدم تطبيق الديمقراطية بمحدداتها الغربية, ومع ذلك نجحت الثورة في تطبيق حقيقي لما يكمن وصفه بالديمقراطية الاجتماعية .
يكاد هذا المنحى يأخذني بعيدا عن "المعذبين الجدد في الأرض" ,وأقصد بهم الأسرى الفلسطينيين ,بمناسبة يوم الأسير والذي وافق يوم الجمعة الفائت , وألقى بقدر من الضوء على مكابدات وعذابات وآلام أكثر من ستة آلاف و500 فلسطيني قابعين في سجون الاحتلال الصهيوني ,ويتعرضون لأسوأ الممارسات قمعا في التاريخ الإنساني , من دون أن يمتلك أحد القدرة على ردع قادة الكيان, ووضع حدود لتجاوزاتهم التي تمددت شططا وعدوانية في كل اتجاه, خاصة من قبل التنظيم الدولي القائم متجسدا في مجلس الأمن الدولي ,والذي لم يتحرك على الرغم من كافة التقارير الفلسطينية والعربية والإقليمية, فضلا عن تلك التي تقدمها منظمات متخصصة ليوقف عذابات هؤلاء الأسرى .
ولديَّ جملة من الملاحظات في هذا الشأن
أولاها :إن قضية الأسرى ,على الرغم من وجود هيئة ووزارة مستقلة لمتابعة شؤونهم لدى السلطة الوطنية, فإن دورها يظل قاصرا لأنها تفتقرإلى الإسناد العربي بالدرجة الأولى , والمتمثل في تقديم المساعدات المالية , لتكون أكثر قدرة على التحرك النشط وتوفير متطلبات أهالي الأسرى والقيام بأعباء مرحلة ما بعد الإفراج عن الأسرى ,فضلا عن الدفاع عنهم أمام القضاء الصهيوني الذي ثبت تواطؤه مع النخبة السياسية والعسكرية الحاكمة ,والتي تلتزم بأكثر الأفكار تطرفا وغلوا مما جعلها في حالة عداء مستحكم لكل ماهو عربي وفلسطيني وهو ما ينعكس بوضوح على أوضاع الأسرى الفلسطينيين والذين يزاملهم بالمناسبة أسرى من دول عربية أخرى , صحيح أن المؤتمر الدولي للأسرى والمحررين الذي عقد في بغداد 2012 بتنظيم من قبل الجامعة العربية بالتنسيق مع الحكومة العراقية أصدر قرارا بإنشاء الصندوق العربي لدعم الأسرى الفلسطينيين والعرب وتأهيل المحررين منهم والذي تبناه القادة العرب في قمتهم بالدوحة عام 2013 , إلا أن المبالغ التي دفعت لهذا الصندوق غير كافية بالمرة وهى لم تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات ,ولعل ذلك يعكس حالة النكوص العربي العام في الالتزام بالاستحقاقات , التي يقرها القادة العرب بالذات ,فيما يتعلق بالتعاطي المالي مع القضية الفلسطينية , والتي لاتبلغ مطلقا المستوى المطلوب, إلا من بعض دول عربية ما زالت تحرص على الوفاء بهذه الاستحقاقات , وفي مقدمتها قطر والسعودية والكويت والإمارات والجزائر , الأمر الذي بات يتطلب وقف هذه المنهجية السائدة ,والتحرك ليس لدعم قضية الأسرى ,وإنما للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة تداعيات سياسة الحصار المالي, التي تمارسها النخبة الحاكمة الموغلة في تطرفها بقيادة بنيامين نتنياهو ,والتي من المتوقع أن تشهد المزيد من التفاقم عندما يعود ليقود الحكومة المقبلة ,مع تكونها من عتاة التطرف والمستوطنين والدمويين الصهاينة .
ثانيا : إن الاهتمام بدفتر أحوال الأسرى وذويهم لاينبغي أن يكون موسميا أو عبر المناسبات ,ولكن يتعين أن يتجذر في الواقع الفلسطيني والعربي اليومي ,على نحو يقض من مضاجع قادة الكيان ويحرك بعضا من عقلائه, إن كان لديه عقلاء ,ليصحو ضميرهم الإنساني وذلك يتطلب تحركا فلسطينيا وعربيا يوميا على الصعيد السياسي والإعلامي , لإحداث هزة في الضمير العالمي ,الذي يراه المرء مجمدا وغير فاعل , باتجاه كل مايتعلق بفلسطين وشعبها وبالطبع أسراها, فليس ثمة هذا الكم من الأسرى من شعب محتل لدى السلطة المحتلة بل والمغتصبة نراه في أي بقعة أخرى من العالم , فهل يعكس ذلك خوفا من الكيان الصهيوني وما يمثله من نفوذ أو بالأحرى الرعب لمن يناهضه أو يعادى مايطلق عليه السامية؟ أم يعد قصورا في الفهم والتعاطي السياسي من دول تفخر بانتمائها للحضارة الحديثة, لكنها تبدي عجزا غير مبرر تجاه كل ما يتعلق بمعاقبة الكيان على كل تجاوزاته ضد الفلسطينيين وضد العرب عموما, لدرجة أن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة ,والتي توصف بأنها القطب الأوحد في النظام العالمي الراهن , تضع الفيتو دوما في جيب من يمثلها في الأمم المتحدة لاستخدامه في أي لحظة لحماية الكيان من أي قرار يقدم لمجلس الأمن ينطوي على أي محاولة للنيل منه , أو يحقق بعضا من المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني , بينما يراها قادة الكيان خصما من رصيده الوجودي والقوي والمهيمن في المنطقة .
ثالثا : وفي ضوء ذلك فإن المجتمع الدولي بهيئاته ومؤسساته ذات العلاقة,بات مطالبا - وفق منظور قطاع فلسطين والأراضي المحتلة بالجامعة العربية الذي يرأسه السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة – بالضغط على الكيان الصهيوني للكف عن ممارساته القمعية تجاه الأسرى الفلسطينيين في السجون من عزل وإبعاد وتعذيب، وإلزامه باحترام حقوقهم الإنسانية الأساسية وتنفيذ بنود القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة وقرارات الشرعية الدولية وذلك من خلال المسارعة ، بقيام مجلس الأمن بإرسال لجان تقصي حقائق للاطلاع عن كثب على الأوضاع اللا إنسانية التي تشهدها سجون الاحتلال من معاناة قاسية ومستمرة , خاصة في ظل الحقائق التي تؤكد ممارسة سلطات الاحتلال لأقسى وسائل التعذيب الجسدية والنفسية ضد الأسرى المنتشرين في 22 سجنا ومركز اعتقال , فضلا عن الإهمال الطبي المتعمد للمرضى منهم لكسر إرادتهم وصمودهم ومنهم النساء والشيوخ، والأطفال الذين تتم معظم عمليات اعتقالهم في ساعات متأخرة من الليل وبصورة وحشية لبث الرعب في قلوبهم لانتزاع اعترافات منهم، وعند نقلهم إلى مركز شرطة يتم الاعتداء عليهم في مراكز الاعتقال ويتركون ساعات طويلة في البرد وهم مقيدو الأيدي والأرجل ومعصوبو العينين، كما أصبحت أوضاع الأسرى المرضى في سجون الاحتلال مقلقة وخطيرة جعلت حياة معظمهم مهددة ؛ نتيجة إهمال متعمد من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدف قتلهم بصورة بطيئة، ويعاني ما يقرب من 1500 أسير مريض 85 منهم في حالة خطيرة لإصابتهم بأمراض السرطان والأمراض المستعصية والشلل والإعاقة وغيرها , وتنتهج سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاعتقال الإداري لأبناء الشعب الفلسطيني والذي يتمثل باعتقال دون محاكمة يتم تجديده ليصل لعدة سنوات، وهناك ما يقرب من 480 معتقلا إداريا، إضافة إلى اعتقال 16 نائبا ووزيرين سابقين في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية دولية، وتعتبر إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) الوحيدة في العالم التي تنتهج هذا الأسلوب دون محاسبة دولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
22821
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17637
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8562
| 14 يونيو 2026