رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة رواية بهذا الاسم للمفكر والأديب والكاتب الراحل الدكتور طه حسين ,جسدت مبكرا نزوعه الإنسانى من خلال تناوله لمكابدات نفر من أبناء الشعب فى الحقبة الليبرالية التي سبقت ثورة الثالث والعشرين من يوليو من العام 1952والتى ما فتئت أصوات تتغنى بمباهجها وتعتبرها الحقبة الأهم في تاريخ المحروسة في حين أنها كانت زاخرة بالآلام والمخاضات التي عبرت عنها رواية المعذبون في الأرض وغيرها من أعمال لكتاب ومبدعين فضلا عن تجليات الواقع التي كانت تشير إلى أن 5ر2 في المائة من السكان يمتلكون الثروة والسلطة في حين أن أغلبية الشعب تعاني الجوع والعراء والأمراض فضلا عن الجهل , بيد أن ثورة يوليو أنهت نسبيا هذه المكابدات وأدخلت المحروسة في منحى يعلى من البعد الاجتماعي , ويؤكد الانحياز للأغلبية حتى على الرغم مما يراه البعض من عدم تطبيق الديمقراطية بمحدداتها الغربية, ومع ذلك نجحت الثورة في تطبيق حقيقي لما يكمن وصفه بالديمقراطية الاجتماعية .
يكاد هذا المنحى يأخذني بعيدا عن "المعذبين الجدد في الأرض" ,وأقصد بهم الأسرى الفلسطينيين ,بمناسبة يوم الأسير والذي وافق يوم الجمعة الفائت , وألقى بقدر من الضوء على مكابدات وعذابات وآلام أكثر من ستة آلاف و500 فلسطيني قابعين في سجون الاحتلال الصهيوني ,ويتعرضون لأسوأ الممارسات قمعا في التاريخ الإنساني , من دون أن يمتلك أحد القدرة على ردع قادة الكيان, ووضع حدود لتجاوزاتهم التي تمددت شططا وعدوانية في كل اتجاه, خاصة من قبل التنظيم الدولي القائم متجسدا في مجلس الأمن الدولي ,والذي لم يتحرك على الرغم من كافة التقارير الفلسطينية والعربية والإقليمية, فضلا عن تلك التي تقدمها منظمات متخصصة ليوقف عذابات هؤلاء الأسرى .
ولديَّ جملة من الملاحظات في هذا الشأن
أولاها :إن قضية الأسرى ,على الرغم من وجود هيئة ووزارة مستقلة لمتابعة شؤونهم لدى السلطة الوطنية, فإن دورها يظل قاصرا لأنها تفتقرإلى الإسناد العربي بالدرجة الأولى , والمتمثل في تقديم المساعدات المالية , لتكون أكثر قدرة على التحرك النشط وتوفير متطلبات أهالي الأسرى والقيام بأعباء مرحلة ما بعد الإفراج عن الأسرى ,فضلا عن الدفاع عنهم أمام القضاء الصهيوني الذي ثبت تواطؤه مع النخبة السياسية والعسكرية الحاكمة ,والتي تلتزم بأكثر الأفكار تطرفا وغلوا مما جعلها في حالة عداء مستحكم لكل ماهو عربي وفلسطيني وهو ما ينعكس بوضوح على أوضاع الأسرى الفلسطينيين والذين يزاملهم بالمناسبة أسرى من دول عربية أخرى , صحيح أن المؤتمر الدولي للأسرى والمحررين الذي عقد في بغداد 2012 بتنظيم من قبل الجامعة العربية بالتنسيق مع الحكومة العراقية أصدر قرارا بإنشاء الصندوق العربي لدعم الأسرى الفلسطينيين والعرب وتأهيل المحررين منهم والذي تبناه القادة العرب في قمتهم بالدوحة عام 2013 , إلا أن المبالغ التي دفعت لهذا الصندوق غير كافية بالمرة وهى لم تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات ,ولعل ذلك يعكس حالة النكوص العربي العام في الالتزام بالاستحقاقات , التي يقرها القادة العرب بالذات ,فيما يتعلق بالتعاطي المالي مع القضية الفلسطينية , والتي لاتبلغ مطلقا المستوى المطلوب, إلا من بعض دول عربية ما زالت تحرص على الوفاء بهذه الاستحقاقات , وفي مقدمتها قطر والسعودية والكويت والإمارات والجزائر , الأمر الذي بات يتطلب وقف هذه المنهجية السائدة ,والتحرك ليس لدعم قضية الأسرى ,وإنما للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة تداعيات سياسة الحصار المالي, التي تمارسها النخبة الحاكمة الموغلة في تطرفها بقيادة بنيامين نتنياهو ,والتي من المتوقع أن تشهد المزيد من التفاقم عندما يعود ليقود الحكومة المقبلة ,مع تكونها من عتاة التطرف والمستوطنين والدمويين الصهاينة .
ثانيا : إن الاهتمام بدفتر أحوال الأسرى وذويهم لاينبغي أن يكون موسميا أو عبر المناسبات ,ولكن يتعين أن يتجذر في الواقع الفلسطيني والعربي اليومي ,على نحو يقض من مضاجع قادة الكيان ويحرك بعضا من عقلائه, إن كان لديه عقلاء ,ليصحو ضميرهم الإنساني وذلك يتطلب تحركا فلسطينيا وعربيا يوميا على الصعيد السياسي والإعلامي , لإحداث هزة في الضمير العالمي ,الذي يراه المرء مجمدا وغير فاعل , باتجاه كل مايتعلق بفلسطين وشعبها وبالطبع أسراها, فليس ثمة هذا الكم من الأسرى من شعب محتل لدى السلطة المحتلة بل والمغتصبة نراه في أي بقعة أخرى من العالم , فهل يعكس ذلك خوفا من الكيان الصهيوني وما يمثله من نفوذ أو بالأحرى الرعب لمن يناهضه أو يعادى مايطلق عليه السامية؟ أم يعد قصورا في الفهم والتعاطي السياسي من دول تفخر بانتمائها للحضارة الحديثة, لكنها تبدي عجزا غير مبرر تجاه كل ما يتعلق بمعاقبة الكيان على كل تجاوزاته ضد الفلسطينيين وضد العرب عموما, لدرجة أن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة ,والتي توصف بأنها القطب الأوحد في النظام العالمي الراهن , تضع الفيتو دوما في جيب من يمثلها في الأمم المتحدة لاستخدامه في أي لحظة لحماية الكيان من أي قرار يقدم لمجلس الأمن ينطوي على أي محاولة للنيل منه , أو يحقق بعضا من المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني , بينما يراها قادة الكيان خصما من رصيده الوجودي والقوي والمهيمن في المنطقة .
ثالثا : وفي ضوء ذلك فإن المجتمع الدولي بهيئاته ومؤسساته ذات العلاقة,بات مطالبا - وفق منظور قطاع فلسطين والأراضي المحتلة بالجامعة العربية الذي يرأسه السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة – بالضغط على الكيان الصهيوني للكف عن ممارساته القمعية تجاه الأسرى الفلسطينيين في السجون من عزل وإبعاد وتعذيب، وإلزامه باحترام حقوقهم الإنسانية الأساسية وتنفيذ بنود القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة وقرارات الشرعية الدولية وذلك من خلال المسارعة ، بقيام مجلس الأمن بإرسال لجان تقصي حقائق للاطلاع عن كثب على الأوضاع اللا إنسانية التي تشهدها سجون الاحتلال من معاناة قاسية ومستمرة , خاصة في ظل الحقائق التي تؤكد ممارسة سلطات الاحتلال لأقسى وسائل التعذيب الجسدية والنفسية ضد الأسرى المنتشرين في 22 سجنا ومركز اعتقال , فضلا عن الإهمال الطبي المتعمد للمرضى منهم لكسر إرادتهم وصمودهم ومنهم النساء والشيوخ، والأطفال الذين تتم معظم عمليات اعتقالهم في ساعات متأخرة من الليل وبصورة وحشية لبث الرعب في قلوبهم لانتزاع اعترافات منهم، وعند نقلهم إلى مركز شرطة يتم الاعتداء عليهم في مراكز الاعتقال ويتركون ساعات طويلة في البرد وهم مقيدو الأيدي والأرجل ومعصوبو العينين، كما أصبحت أوضاع الأسرى المرضى في سجون الاحتلال مقلقة وخطيرة جعلت حياة معظمهم مهددة ؛ نتيجة إهمال متعمد من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدف قتلهم بصورة بطيئة، ويعاني ما يقرب من 1500 أسير مريض 85 منهم في حالة خطيرة لإصابتهم بأمراض السرطان والأمراض المستعصية والشلل والإعاقة وغيرها , وتنتهج سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاعتقال الإداري لأبناء الشعب الفلسطيني والذي يتمثل باعتقال دون محاكمة يتم تجديده ليصل لعدة سنوات، وهناك ما يقرب من 480 معتقلا إداريا، إضافة إلى اعتقال 16 نائبا ووزيرين سابقين في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية دولية، وتعتبر إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) الوحيدة في العالم التي تنتهج هذا الأسلوب دون محاسبة دولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1512
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026