رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقيت من الأستاذ وليد الراشد أحد مؤسسي حركة السادس من أبريل المصرية والتي شكلت إلى جانب كيانات أخرى أحد المرتكزات المهمة والحيوية في إنجاز ثورة الخامس والعشرين من يناير مقالا مهما يعلق فيه على مقالي الذي نشر في هذه الزاوية الاثنين الماضي بعنوان "في المسألة المصرية الأمريكية "ولأنه يحتوي على رؤية أخرى رأيت نشر بعض من محتوياته إيمانا بمنظور الرأي والرأي الآخر خاصة أنه دارس للعلوم السياسية ويقوم بتحضير لأطروحة الماجستير فيها - كما أبلغني في رسالته الإلكترونية - فليشاركني القارئ المحترم في قراءة أهم ما في هذا التعليق نظرا لمقتضيات المساحة.
يقول وليد: لا الذي رفض ديمقراطية العالم حين صوتوا لصالح عضوية كاملة لفلسطين في اليونسكو وعلى أساسها عاقب دول العالم الفقيرة بوقف تمويله مشروعات اليونسكو الإنسانية يشجع حقوق الإنسان ويدعم الديمقراطية.... ولا الذي يتلقى تمويلا سنويا معلنا منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد وقبل 30 عاما من أمريكا وقدرة 2.1 مليار دولار لمصر، (منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية) يخشى تدخلها في الشؤون الداخلية لمصر. فمن السذاجة بمكان أن تخيل لنفسك ولشعبك أن المساعدات والمعونات الاقتصادية التي تتلقاها ليست مرتبطة بقرارات ومواقفك السياسية
لا الذي رفض ديمقراطية أتت بحماس على رأس السلطة في فلسطين يشجع الديمقراطية ويدعمها ولا الذي يتسول المساعدات الاقتصادية من البنك الدولي والدول الثماني العظمي ودول الخليج العربي يحق له أن يستخدم كلمات رنانة طال عليها الزمن وعفى من نوعية لن نركع ولن نستسلم ونرفض التدخل الاجنبي فلم تعد علاقات الدول ببعضها تقوم على غير المصالح المتبادلة والمشتركة.
تعريف الديمقراطية في أعين الإدارة الأمريكية لخصها (دينيس روس) - الذي كان مبعوثا خاصا للسلام الشرق الأوسط – بقوله بعدما فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية " من حق الناخبين (في الشرق الأوسط) أن يختاروا من يشاءون، ومن حقنا أن نتعامل مع من نشاء، فالانتخابات لا تصنع ديمقراطية، وليس علينا أن ندعم من يرفضون معتقداتنا "
ديمقراطية أمريكا نعرفها نحن من تهديدها أناء الليل وأطراف النهار باستخدام الفيتو حال صوتت دول الأمم المتحدة لصالح عضوية كاملة لفلسطين في مجلسهم الموقر... فكيف لهم أن يتحدثوا عن دعم الديمقراطية؟
وهل يعني المجلس العسكري أن تدين دول أجنبية اعتداءات وحشية مصورة صوت وصورة لجنوده البواسل على مواطنين عزل أم يعني أن تتوقف بالأساس تلك الممارسات ولا تسمع شجبا ولا إدانة؟
لا الذي دعم ومازال يدعم أعتى الأنظمة الديكتاتورية والشمولية في العالم وآخرها نظام مبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح وإلى آخر القائمة المفتوحة يشجع الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا المجلس العسكري الذي يمتاز بعلاقات تاريخية مديدة وقوية مع الإدارة الأمريكية زينتها صور لقاء المشير طنطاوي مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مارتن ديمبسي قبل أيام بالقاهرة تعكس مدى التقارب والود.. جاد في اتهامه لأمريكا بأنها تسعى لأعمال تخريبية في مصر.
كلاهما ببساطة وبصراحة مطلقة محتال بامتياز ويخدع شعبه.. وكلاهما يريد لنا دائما أن نفهم غير الذي نرى وأن نصدق غير الذي نسمع. فعلى أمريكا أن تفهم وعلى المجلس العسكري أيضاً أن يفهم أنه ولد في مصر جيل جديد يفهم ويقرأ ويفكر ويحلل... يسمع ويرى... حقق ثورة حين كانت الإدارة الأمريكية ومعها المجلس العسكري يدعمان مبارك ويشجعانه على فساده وانتهاكه لأبسط معاني حقوق الإنسان
إذا كانت أمريكا حقا تدعم الديمقراطية ويشغلها الإنسان وحقوقه في مصر فإنه يتعين عليها فورا وقف تصدير شحنات القنابل المسيلة للدموع التي خنقت وقتلت ومازالت تقتل المتظاهرين السلميين في مصر وغيرها من الدول.
وإذا كان المجلس العسكري بحق يرى في تدخل أمريكا وزرعها منظمات مجتمع مدني يرى في أعمالها شبهات تصل إلى حد التجسس وتخريب البلد كما ينشرون في أبواق إعلامهم صباحا ومساء فهل هذه اتهامات تعالجها حوارات السياسة واللقاءات المشتركة والصور الودودة؟ ما هي قرارتك التي اتخذتها ضد أمريكا أيها المجلس الوطني العظيم؟ هل سحبت سفيرنا في واشنطن مثلا؟ هل استدعيت السفيرة الأمريكية في مصر لإبلاغها تهديد شديد اللهجة بانتهاك إدارتها لسيادة الدولة المصرية؟ هل مثلا حتى عدلت في قوانين منظمات المجتمع المدني داخليا وأعلنت أنه لا تمويل خارجيا بعد اليوم في مصر؟ الإجابة على كل الأسئلة (لاشيء) لم تفعل ولن تفعل شيئا.
بل على العكس تماما فالسيدة فايزة أبو النجا وزيرة التخطيط والتعاون الدولي لا تكف عن ملء آذاننا بأن العلاقات المصرية الأمريكية استراتيجية وأن أزمة منظمات المجتمع المدني لن تؤثر على علاقات البلدين.
نعم هناك أزمة وعدم ارتياح فاحت رائحته بين الإدارتين: المصرية والأمريكية.. لكن الأزمة الحالية المعلنة ما هي إلا غطاء يلعب من خلفه الطرفان سياسة. وستستمر الأزمة هكذا طالما لم يصرح الطرفان بماذا يريد كلاهما من الآخر وستستمر الأزمة طالما لبست أمريكا قناع دعم الديمقراطية ولبس أمامها المجلس العسكري قناع محاربة التدخل الأجنبي... وستنتهي الأزمة في أقرب فرصة وعلى حين فجأة ودون مقدمات أو سابق إنذار حين يأخذ كل طرف من الآخر من يريد... قد تنتهي اليوم أو ربما غدا... هي فقط مسألة وقت.
أمريكا لا تستطيع أن تعيش أو تتنفس دون أن تزرع أنفها في كل شيء يدور حولها ظنا منها أن العالم يتآمر عليها وعليها حماية نفسها وما يعنيها الآن أن تضمن تعاونا وشكلا للعلاقة مع الإدارة المصرية الجديدة لا يختلف كثيرا عن إدارة مبارك.
ولا المجلس العسكري يستطيع أن يعيش دون أن يرسم سيناريوهات ويطلق الفزاعات في أوجه المصريين من قبيل أن مصر مستهدفة وثمة مخططات لتقسيمها وكأننا تلك القطعة التي لا يفكر العالم في شيء غير التآمر عليها. فالمجلس العسكري أضاع على نفسه فرصة تاريخيه في مصر بسوء إدارته التي لم يسبق لها مثيل للفترة الانتقالية منذ رحيل مبارك انعكس مما أدى إلى انخفاض شعبيته لأدنى مستوياتها بدءا من (الجيش والشعب ايد واحدة) ووصلت الآن إلى (يسقط يسقط حكم العسكر) وقالوا قديما إن هاجمك معارضوك فاتهمهم بأنهم أصدقاء الأمريكان حتى وإن كنت أنت نفسك أشد أصدقاء الأمريكان. أسلوب قديم مكرر استهلك يوضح أنه لم يحدث أي تطور في عقول من يحكموننا وأن الفلسفة مازالت هي نفسها
لكن هذه المرة يعتقد المجلس العسكري أنه الطرف الأقوى حاليا في هذه الأزمة ورأيي كذلك – فقد هزم الحليف الاستراتيجي لأمريكا شر هزيمة وعليه فالطبيعي أن تأتي أمريكا لخليفة مبارك لبناء شكل العلاقة الجديدة واعتقاده أيضا مفاده أن أمريكا لا يمكنها الاستغناء عن حليف استراتيجي قوي متمركز في أهم مناطق العالم (الشرق الأوسط) طالما دعمت علاقتها بة منذ 1973.... وهنا يعتقد الطرف الأقوى أن عليه أن يملي شروطه ويفرض حدود وشكل ونوع العلاقة الجديدة.. وهنا أيضا ذهب معظم المحللين السياسيين على أنه (ينبغي على أمريكا أن تفهم أن كنزها الاستراتيجي مبارك لم يعد على رأس السلطة في القاهرة وأن تغير من شكل علاقتها مع النظام الجديد بعد مبارك)... لكن هل المجلس العسكري هو النظام الجديد أو حتى النظام القادم في مصر؟ كلام المجلس نفسه يؤكد عكس ذلك فهو لن يكون في السلطة بعد يونيو القادم. وعليه فالمجلس العسكري سيضغط على الإدارة الأمريكية قدر استطاعته ليحقق أعلى مكاسب تحقق مصلحته وفي أقرب وقت باعتباره سيرحل في يونيو القادم.
أول المكاسب حققها بالفعل داخليا من اكتسابه شعبية محلية بهجومه على أمريكا. وثانيها ستكون مكاسب في منطقة إدارته وعمله - أقصد العسكرية... قد تكون الحصول على صفقات أسلحة جديدة مثلا!! أو ورقة ضغط قد تأخذ شكل أجراء تعديلات في اتفاقية كامب ديفيد يسعى المجلس العسكري من خلالها لتعديل بعض البنود الخاصة بانتشار الجنود المصريين في سيناء؟ كلها بالتأكيد مكاسب.
أو يسعى المجلس العسكري باستبدال المواطنين الأمريكان المعتقلين في مصر على ذمة قضية منظمات المجتمع المدني الغير شرعية مثلما انتهت علية قضية الجاسوس الإسرائيلي من أصل أمريكي آلان جراييل؟ لكن بمن تستبدلهم هذه المرة؟ قد يكون الشيخ عمر عبد الرحمن المعتقل حاليًا بالسجون الأمريكية والصادر في حقه حكما بالسجن مدى الحياة بتهمة التورط في تفجيرات نيويورك عام 1993... وهنا يتحقق مكسب جديد للإسلاميين الذين ينتمي لهم الشيخ عمر عبد الرحمن؟ يجوز... أو مقابل الحصول على عمر عفيفي المعارض المصري والحاصل على حق اللجوء السياسي في أمريكا والذي يرى فيه المجلس العسكري أحد أسباب إشعال الأزمات الأخيرة في مصر؟ ربما... جميعها مكاسب شعبية.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026