رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية لابد من وضع النقاط على الحروف، بعيداً عن القيل والقال، وبعيداً عن أي تأويل، فقضية دعم المقاومة الشريفة والنظيفة، التي تواجه المحتل، لا خلاف عليها، بل إنه شرف لأي طرف الوقوف معها، عندما تكون حاملة هم الأمة في صراعها، وبندقيتها موجهة للعدو المحتل، وليس إلى صدور الشعوب.
بالأمس اعتدت "إسرائيل" على الأراضي السورية، وليست هي المرة الأولى، مستهدفة مجموعة من المقاتلين لحزب الله وإيران، وأوقعت فيهم قتلى، من بينهم قادة ميدانيون حسب رواية الحزب، وإن اختلفت مع رواية أخرى تحدثت بها جبهة النصرة "تدعي" أنها هي من اسقطت طائرة "يوشن" تحمل على متنها 37 عسكرياً للنظام باعتراف وزير إعلام النظام السوري ومواقع موالية للنظام، قالت إنه أسقطت طائرة عسكرية وعلى متنها 30 جندياً، وكان من بينهم قتلى الحزب وإيران.
أنا اعتمد رواية حزب الله، ولن أتحدث عن الرواية الأخرى، لكني اسأل: ما الذي يفعله حزب الله في سوريا؟ ما الذي يفعله الحزب هناك منذ أكثر من 3 سنوات؟.
هو حزب مقاوم، وبندقيته موجهة باتجاه العدو "الصهيوني" هكذا في أدبياته وشعاراته، يعمل على تحرير الأرض والدفاع عن لبنان، والعمل على تحرير القدس، هكذا كانت الشعارات ومازالت التي يرفعها الحزب الى ما قبل نحو 3 سنوات، عندما انخرط في الدفاع عن نظام ثار عليه شعبه طلباً للحرية والكرامة، فتغير اتجاه البندقية إلى صدر الشعب السوري، وتغير تموضع المكان، فبدلاً من الحدود المتاخمة لفلسطين، كان التدفق على الأراضي السورية.
احترمنا كثيراً حزب الله وبندقيته عندما كانت موجهة للعدو الحقيقي، وكلنا يتذكر حرب 2006، وكيف وقفت الشعوب العربية إلى جانب الحزب في حربه أمام "إسرائيل"، وكيف أصبحت هذه الشعوب حاضنة حقيقية للحزب وكوادره، ووقفت داعمة بكل ما تستطيع.
تغنينا كثيراً ببطولات الحزب، وكتبنا ودافعنا عن حزب الله عندما كان مقاوما لـ "إسرائيل"، ويتصدى للغطرسة الصهيوينة، ورأينا فيه بارقة أمل نحو مستقبل عربي يقاوم العدو، ويسعى لتحرير الأرض والمقدسات، لكن هذه الصورة "انكسرت" بما أقدم عليه منذ الثورة السورية، وانحيازه إلى جانب النظام الظالم الذي يقتل شعبه، وغرق الحزب بمستنقع دماء الشعب السوري المظلوم، وأمعن في قتل الشعب، مشاركاً في الجرائم التي يرتكبها النظام بحق هذا الشعب الأعزل، الذي خرج مطالباً بالإصلاح، وظل كذلك لأكثر من 6 أشهر في مسيرات سلمية، إلا أن النظام اختار الخيار الامني ليواجه مطالب الشعب السلمية.
قد يقول البعض إنك تتحدث عن قتال حزب الله وإيران الى جانب النظام، وتنسى إعداد المقاتلين الذين يقاتلون الى جوار الفصائل السورية المختلفة.
نعم صحيح هناك مقاتلون لكن كم تبلغ اعدادهم، في أكثر الأرقام التقديرية لا تتجاوز 10 % من نسبة الفصائل، ثم إن هؤلاء أتوا افرادا دون تنظيم او يكونون منظمين، ودون أن تقف خلفهم جهات تدعمهم، لكن حزب الله وإيران فمعلن قتالهم الى جنب النظام السوري، بل أكثر من ذلك، الطرفان (ايران وحزب الله) يعلنان أنه لو لاهما لسقط النظام، وهذا صحيح.
دعونا من "هراء" المؤامرة الكونية التي يتحدث عنها النظام السوري وشبيحته واتباعه ومناصروه، هي ثورة شعب أراد الإصلاح، فقوبل بالقتل، ولم يجد مفراً من مواجهة ذلك بما يستطيع وبما يقع تحت يديه، بعد أن عاش عقوداً تحت نظام القمع والاستبداد وسياسة الفرد، فلماذا الاستكثار على هذا الشعب الحصول على حريته، بعد أن أيد حزب الله الثورة التونسية والمصرية واليمنية، التي بات له فرع بها، وذراع يتحرك من خلالها، تحت مسمى "أنصار الله".
حزب الله وجه بندقيته الى الشعب السوري، لينغمس في قتل هذا الشعب الذي فتح له الابواب في 2006، ويشارك اليوم بواحدة من أكبر الجرائم التي تعرض لها شعب في العصر الحديث، مشاركا بذلك جنباً الى جنب مع النظام السوري، فيدا الحزب باتتا ملطختين بدم الشعب السوري.
كان بإمكان الحزب أن يلعب دوراً وسيطاً نزيهاً بين النظام والشعب، لإقناع الأول بمطالب الثاني العادلة، لكن حزب الله كان له رأي آخر، بل دور "دموي" آخر، وهو ما لم تتوقعه الشعوب العربية من هذا الحزب، الذي طالما رأت فيه صورة المقاومة التي تنشدها وتراهن على دورها في الدفاع عن قضايا الأمة.
أنا على ثقة لو أن هذه الجريمة الصهيونية قد ارتكبت وحزب الله أياديه لم تتلطخ بالدم السوري، لرأينا الشعوب العربية تنتفض دفاعاً عن الحزب، ولرأينا وقفة شعبية عربيا، دعونا من الانظمة مع الحزب، لكن اليوم بعدما غاصت ركب الحزب في دماء الشعب السوري المظلوم مرت هذه الجريمة الصهيونية دون أن نجد لها صدى للاسف الشديد.
حزب الله فقد حاضنته السنية في العالم العربي والإسلامي، بل حتى طيف من الاخوة الشيعة يرفضون وجود الحزب في سوريا وما يقوم به من أعمال تخدم الصهاينة في زرع الفتنة بين السنة والشيعة.
وليس هذا فقط، بل جر لبنان أيضا إلى مستنقع الأزمة السورية، ورأينا كيف وصلت "النيران" إلى الأراضي اللبنانية، رداً على تدخل الحزب في سوريا، فلم تقع أحداث لها علاقة بالأزمة السورية قبل تدخل حزب الله في سوريا، إنما أتى ذلك بعد قرار الحزب بتغيير وجهة بندقيته صوب الشعب السوري.
لا يعتقد حزب الله انه سيخرج سالماً من سوريا، ولو بقي نظام الاسد، الذي يعيش اليوم على "اكسيجين" إيران وروسيا وحزب الله، فالشعوب في نهاية المطاف هي المنتصرة، حتى ولو رضخت اليوم وقبلت باستمرار الوضع ضمن مقايضة سياسية، إلا أن الشعب السوري لن يغفر لكل من شارك في قتله، وكل من وقف داعماً لنظام مارس ابشع أنواع الظلم والقمع والقتل والاستبداد..، واستخدم كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة من أجل إبادته.
حزب الله يوجد في المكان الخطأ، وسيدفع ثمن هذا غالياً إن لم يسارع بتصحيح هذا الخطأ الشنيع الذي ارتكبه بالمشاركة في قتل الشعب السوري.
أي تنظيم مقاوم إن لم تكن له حاضنة شعبية، فعمره قصير، وحزب الله باع هذه الحاضنة السنية العربية والإسلامية، وهو ما يجعل ظهره مكشوفاً إذا ما أراد مواجهة العدو الحقيقي، فهل نتوقع أن يعيد الحزب حساباته، ويعالج الأخطاء "الكارثية" التي وقعت فيها بانحيازه إلى نظام ظالم، وهو الحزب الذي يدعي الدفاع عن "المظلومية"؟.
وقفة..
الثورة السورية كشفت الكثير من الوجوه والأحزاب والدول، فهي الثورة بالفعل، كانت الكاشفة والفاضحة، ولو لم تحقق هذه الثورة إلا هذا الأمر لكفى..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
12774
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2514
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2061
| 25 فبراير 2026