رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التلبيس هو إدخال الأشياء المتباعدة في بعضها جهلاً بالحقيقة الكبرى وإن أدرك المُلبِّس بعض تفاصيلها، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: "وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة:42)، ومن ذلك جدالهم حول ذبح البقرة، وتكرار الأسئلة الموهمة، فصغار الأطفال يعرفون ما هي البقرة لكنهم سألوا أولا: ما هي البقرة؟ ثم ما لونها ثم ما هي؟ مرة أخرى ليعودوا بالتلبيس إلى السؤال الأول، وهو ما يجري الآن مع الفلسطينيين في السُلطة الذين خاصموا شعوبهم وصالحوا أعداءهم، وصاروا أشداء على الفلسطينيين المجاهدين رحماء على الصهاينة المعتدين، أعزاء على حماس والمقاومين أذلاء لنتنياهو وأوباما!، فالتلبيس اختصارًا هو: استعمال الحق مع الباطل معا لتشويه الحقيقة، أما التدليس فهو: العلم بالحقائق الكبرى وتعمد قلب الحق باطلا بالتغيير والتحريف والتبديل والتزييف، وقد كان بنو إسرائيل ولا يزالون أساتذة التدليس بلا منازع، فقد قالوا عن الله تعالى: "يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ" (المائدة:64) - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وهم موقنون من بسط الله الأرزاق بالليل والنهار، وعبدوا العجل وقد علموا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لسيدنا موسى: "اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ" (الأعراف:138)، وقد علموا أن الله واحد أحد فرد صمد لكنهم دلَّسوا عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد، وطلبوا طعاما غير ما يرزقون فقالوا: "فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا" (البقرة:61)، وقالوا لسيدنا عيسى: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ " (المائدة:112)، إن أنبياء الله تحولوا إلى رجال أعمال في فتح المطاعم فيطلبون طلبات مخصوصة، وموائد ممدودة، وهو قمة التدليس والتلبيس معا!، فلما طلب منهم أن يقولوا: "حطة" أي: يا رب حط عنا خطايانا، دلسوا تدليسًا مبينًا وقالوا سخرية من الله ورسله: "حنطة" أي: قمحًا!، كأنهم طلبوا الحنطة بدلا من المغفرة، وطلب من اليهود ألا يصطادوا يوم السبت فنصبوا الشباك يوم الجمعة ليلا ليصيدوا الأسماك التي تأتي شُرَعا يوم السبت ابتلاء لهم فرسبوا بقوة في الامتحان ومارسوا التدليس بالاصطياد غير المباشر يوم السبت بهذه الحيل الرهيبة، وصاروا بهذا في أعلى سلم التدليس على الله تعالى! وأساتذة لعلماء الانقلاب الذين سوَّغوا للانقلابيين من العسكريين جريمتهم وألبسوا الانقلاب ثوبا قال فيه الشاعر أبو ذؤيب:
ثوب الرياء يشفُّ عما تحته فإذا التحفت به فإنك عار
وهؤلاء لا تعرف لهم مواقف حاسمة في السخرية من الله علنًا في الفضائيات والمطبوعات، ولا من هتك الأعراض في السجون والمعتقلات، ولم تتحرك الدماء في عروقهم حمية على جرائم سفاح سوريا، ولم تشغلهم قضية فلسطين، أسرى ولاجئين، وقتلى وجرحي على مر السنين، ومسجدنا الأقصى الأسير الذي أُغلق وحُرق، ودُنس بقطعان اليهود، ولم يثوروا يوما لانهيار الأخلاق والقيم والعفة والمروءة في الفضائيات، بل الأهم عند علماء الانقلاب المدلسين هو الوصول إلى المناصب، والاستماتة أن يأتي ملك الموت وهم يفترشون الكرسي، وجمع مالا وعدده من المكافآت المادية التي تتوازى مع حجم التدليس والتلبيس والتسويغ والتحريف في دين الله تعالى، وقد وُجد عبر التاريخ من أمثال هؤلاء الكثير، ويُذكرون في هوامش كتب التاريخ كنخالة للأمة، ونفاية للحق، وزراية بالرجال.
لابد من موقف من كل مصري أو إنسان أمام جملة الأكاذيب وليس بالقطاعي من الصهاينة المعتدين والانقلابيين المجرمين، أما وقاحة الكذب عندهم فهو كما قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يزالُ الرَّجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِبَ حتَّى يُكتبَ عند اللهِ كذَّابًا) (رواه مسلم)، وهؤلاء يكذبون بالجملة وليس بالقطاعي، ويكذبون بشكل مؤسسي وليس فرديا، فما يقوله "السيسي" كبير الانقلابيين من أكاذيب أو يشير به يصبح أغنية الفنانين، ومقالات الصحفيين، وأخبار المذيعين، وتحليلات السياسيين، وحلول المبدعين، ومحلول الشاربين، وهواء المتنفسين، ويا ليتنا نتعامل مع رجال الجاهلية الذين كانوا يستنكفون من الكذب ولو فلتة واحدة في تاريخ حياتهم، ونحن عندنا منهج عكسي لدى المنتسبين للإسلام من الانقلابيين العسكريين والعلمانيين وعلماء الانقلاب، وهو:"أخشى أن تؤثر عني العرب والغرب أني صدقت مرة"، ولهذا قال الله تعالى: "وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ" (المرسلات:15و19و24و28و34و37و40و45و47و49) عشر مرات في سورة من قصار المفصل "المرسلات" فضلا عن تكرارها الوفير في القرآن الكريم.
يا قوم: إن سيدنا يعقوب كذَّب أولاده في أخذ بنيامين أخي يوسف، وقال: "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا" (يوسف: من الآية83)، وكانوا صادقين في المرة الثانية لأنهم كذبوا منذ أكثر من أربعين عاما مرة، فمتى يتوقف العقلاء عن تصديق من يكذبون ويلبسون ويدلسون كل يوم بل كل ساعة، ويبالغون في الكذب "المنحكش" ويمضون بقلب بارد كأنهم تنفسوا هواء أو شربوا ماء أو تناولوا غذاء، وهم بحق كما قال الله تعالى: "وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ" (إبراهيم: من الآية43).
فيا شعب مصر العظيم: توقفوا عن تصديق الكذابين المدلسين، بل الوقحين في الكذب والتدليس، وانفضوا أيديكم من عمالقة التلبيس والتدليس، فمتى يا قوم تأخذون بمنهج العرب أو المسلمين، أو بعض نبلاء الغرب الذين يفضلون الموت على الكذب، لكن قادة الانقلابيين أصبحوا أساتذة التدليس والكذب فأهدروا كل ما جاء من ناحيتهم ولو أقسموا بالأيمان المغلظة لقوله تعالى: "وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ" (القلم: 10-16)، وهذا أصدق وصف للانقلابيين اليوم، والمصيبة فينا عندما نمتطي الكذب مطية في كل شارع ودار، فيا رب أعد لنا رئيسنا الشرعي محمد مرسي الصادق قولا، الصابر فعلا، القائد حقًاً، المعزول ظلمًا، العائد أملا في رب العزة سبحانه، "وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" (الإسراء: من الآية51).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2622
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2127
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1200
| 01 مارس 2026