رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من أجمل ما أعتز به في الشرق أنها وفرت لكتابها (شبابيك) يطلون منها على أوجاع الناس وآلامهم لينقلوها بأمانة، عل تلك الآلام أو الشكاوى تصل لمن بيده التخفيف منها أو علاجها فتطاوع الالتئام، وتخف الشكوى.
في الأسبوع الفائت تناولت شكوى شاب مريض راجع قسم السجلات والتقارير بالعيادات الخارجية ما يقارب ثلاثة أشهر دون حصوله على تقريره الطبي الذي تنتظره المحكمة ويتحدد عليه مصير، وأسعدني جداً تفاعل السادة المسؤولين بوزارة الصحة مع الشكوى، إذ اتصل بي الأخ (حمد الحمر) بالمجلس الأعلى للصحة والذي قدم شكره لـ الشرق لمتابعة شكاوى المهمومين وأبلغني بأن رئيس قسم رضا العملاء (لبيه) ستتصل بك غداً لمدها بأي معلومات عن صاحب الشكوى ليتولوا المتابعة، اتصلت بالفعل الأخت علياء الكواري وأفدتها بأنني لا أعرف المريض ولا أياً من بياناته ووعدتها بالمحاولة، وفعلاً اتصلت بالأخت (منال) بالسجلات التي كان يعاتبها المريض على تأخر إنجاز تقريره، ذكرتها بالحوار الذي دار بينها وبين المريض، فتذكرته.. طلبت منها بياناته، أفادت: صعب جداً فقد راجعني كثيرون واحتاج إلى رقم بطاقته الصحية، ثم أضافت: نفس المريض راجع مديرة القسم منذ أيام، سألتها أن تحولني إليها، تحدثت مع المسؤولة، طلبت منها بيانات المريض الذي راجعها منذ أيام كمحاولة لمساعدته، فأفادت بأن لديها مئات الملفات والمراجعين، مطلوب بطاقته الصحية، ثم أفادت أن تأخر التقرير يعود إلى أسباب كثيرة منها أن يكون المريض منوماً بالمستشفى، أو يكون الملف ضائعاً، ثم في كل الأحوال هي لا تستطيع تقديم أي معلومات، لأنها تعتبر من خصوصية المريض، وأنها تحتاج لكتاب رسمي لإخراج أي بيانات، احترمت كلامها ومسؤوليتها، لكن ظل المريض يدور في نفس مشكلته دون أن أتمكن من مساعدته ولا مساعدة المجلس الأعلى للصحة، المهم اتصلت بالأخت منال مرة أخرى ورجوتها عندما يعود المريض للسؤال عن تقريره أرجوك اعطه رقم هاتفي ليتصل بي فقد تكون هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى المريض، هذا ما حدث، أما ما يستوجب التوقف فهو حكاية (الملفات الضائعة) ملف ضائع يعني ضياع كل تاريخ المريض الصحي بتقاريره، وأشعاته، وتدرجات المرض، وتفصيل حالة المريض الصحية، ملف ضائع يعني (دوخة ما بعدها دوخة) لاسترجاع التاريخ المرضي الذي يصعب استرجاعه أو يستحيل، ملف ضائع يعني تحاليل جديدة، وجهد أطباء، ومواعيد بالمستشفى، وإجهاداً لمريض يحاول أن يبدأ من جديد، وطبيب يحاول تجميع تاريخ مرض طويل، وهنا نرجو إن كان تأخر التقارير مرده لضياع الملفات أن يصار إلى حل يريح الناس من كل هذا الهم، إذ من غير المعقول بمؤسسة رائعة كمؤسسة حمد الطبية بكل ما وفرته الدولة من أطباء وأجهزة يصعب رعاية مريض، أما بالنسبة لكثرة المراجعين السائلين عن تقاريرهم المتأخرة، ليس هناك غير حل واحد وهو حصر كل ما هو متأخر من تقارير بالسجلات وسؤال الأطباء المختصين سؤالاً مباشراً، لماذا لم ينجزوا وينتهوا من هذه التقارير حتى الآن؟ وعلى أساس ردودهم يتم اتخاذ اللازم حتى يرتاح المرضى المتعبون من مراجعات تنشف الريق، وكل التقدير، ووافر الشكر للمجلس الأعلى للصحة لاهتمامه بما تطرحه الشرق من هموم المهمومين والمرضى، وكل الأمنيات الطيبة بالتوفيق.
• * *
• حكايات الناس:
• تخيل معي المنظر، دعوة عامة، مليانة مدعوات وهي تسكب الطعام اندلق بعضه على أصابعها فلعقت الذي لمس أصابعها وأكملت سكب طعامها، لو تدري تلك السيدة كم أخذت من حسنات المدعوات الحلوات لشكرت ربها كثيراً كثيراً، ولأرسلت لهن تمراً كما كان يفعل ذوو الألباب زمان عندما تصلهم نميمة من أكل لحمهم (عجراً) وهم غائبون، طيب ماذا قالت المدعوات المحترمات عن التي ملأت (قففاً) من حسناتهن وودعتهن بحسن نيتها؟ أقلهن نميمة قالت (حد يعمل كدة؟) أكثرهن نميمة قالت (دي ست بلدي خالص) طبعاً وعلامات القرف تعلو وجهها، كنت ألاحظ الهمز واللمز وهو ينتقل من واحدة إلى التي تليها، ثم إلى دوائر الجلسة كلها وأصبحت إحدى المدعوات دون أن تدري مجال تندر ومسخرة، رحت أتابع التي يتغامزن عليها وهي توزع سلامها الجميل مع كل من يحيطها، كلامها الودود مع القريبات من مجلسها بينما (عواجيز الفرح نازلين فيها سلخ) بمجرد خلو مكان بجانب التي تتولى فرقعة الضحكات تعليقاً على الست الطيبة التي لعقت ما لمس أصابعها اقتربت من أذنها معتمدة على محبتها لي وعشرة تسمح بقول ما أريد دون لف ولا دوران، همست لها "عيونكم أحرجت الضيفة، وهمسكم بصوت عالي آذى مشاعرها وما فعلته الضيفة يمكن أن يحدث معنا جميعاً دون تجمل"، فاجأتها بسؤالي "ما عمركيش لعقتي صوابعك يختي وقد وقع طعام عليها؟". قبل أن تفتح فمها لتقول لي وهي المتفرنجة جداً (امبوسيبل) قلت لها الرسول الجميل، الكامل، كان يلعق أصابعه بعد الطعام، (فنجلت) عينيها وهي تسألني معقولة؟ أجبتها أيوه معقولة واسألي، تركتها في شيء من خجل لكني كنت أود أن أقول لها (أيوه معقولة يا نمامة وكنت أود أن أقول لها إن الضيفة التي لعقت أصابعها سهواً ستخرج من هنا وقد أخذت بفضل استغابتك، وغمزك، وتعاليك أفضل حسناتك يا جاهلة، وبكرة في قبرك لما الدود يمصمص لحم حضرتك ستعرفين يا عزيزتي طعم عذاب النم، عارفة عذاب القبر؟ إذا ما كنتيش عارفاه هو عارفك ما تقلقيش، خاصة وأنت رجلك والقبر!!!
• ما أقبح أن نرى في الناس ما لا نراه في أنفسنا، وما يدعو للضحك حقاً أننا نرى في عيون الناس القشة ولا نرى في عيوننا (المقشة)!!
• أشجان الوطن:
• بعد فترة طويلة من الإقصاء العمدي، عشنا ورأينا فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي خطيباً على منبر الأزهر مع آلاف يصلون معه، ويأبى الله إلا أن يرينا آياته، فالظالم الذي سجن، وأباد، وحرم أسراً من عائلها حتى مات سجيناً، دارت عليه الأيام ليسجن في نفس السجن الذي عذب فيه مسجونيه، بينما السجناء طلقاء يحمدون الله على تفريج كربتهم، الصورة آية لمن يتدبر.
• ما رأيكم في مذيعة طالعة في إحدى القنوات الفضائية لتقول للإسلاميين (حنغيظكم وحنتكلم في الأغاني والتمثيل)؟ نعم إلى هذا الحد أصبح الإعلامي مبتذلاً، ورداحاً، رحم الله قافلة الإعلاميات المحترمات اللائي كن يعرفن أن مجرد إطلالتهن على الناس (مسؤولية) لها احترامها.
• عمرو موسى يقول القضية الفلسطينية أولوية عند العرب.. ونقول: يا راجل كفاية تصريحات بايخة، كفاية كلام جلطونا.
• عمرو موسى يطلب في مؤتمر الانسحاب من التأسيسية الوقوف دقيقة حداداً على شهداء غزة.. ونقول: هذا هو كل ما حظي به الشهداء منك منذ ترؤسك للجامعة العربية فعلاً كفيت ووفيت!
• عاشت مصر أمس ليلة عصيبة وقد دخل الحزن الحارق إلى أكثر من خمسين بيتاً إثر حادث مروع بعد تصادم قطار بأتوبيس مليء بالأطفال، ندعو الله أن يربط بالصبر الجميل على قلوب أهل الضحايا أما العامل الذي أهمل إغلاق المزلقان ليتسبب في كل هذا الألم، فمن هنا نقول (اشنقوه) حتى يكون عبرة لمن يوجع قلب مصر.
• طبقات فوق الهمس
• ثبت دون أدنى تفكير أن المقاومة هي الوحيدة القادرة على تحرير الأرض، وهي التي ستظل دوماً عيناً تقاوم المخرز، قلوبنا مع الصابرين في غزة.
• نقول للرئيس المصري من هنا بعد العدوان لا أقل من فتح المعبر كاملاً ودائماً بل وفتح كل أبواب الجهاد لتدخل المعونات الإنسانية، ومعها كل من يريد المشاركة في حرب التحرير، لا بديل عن قطع العلاقات مع إسرائيل، والتحرر من اتفاقية كامب ديفيد الظالمة، مهم أن نقول لريسنا لا يكفي استدعاء السفير، أطرد السفير الإسرائيلي هذا أقل ما تقدمه مصر للصامدين في غزة.
• نأمل أن نشهد ردود فعل عربية موازية للحدث الجلل والعدوان المجرم كما نأمل ألا يعاود العرب نهجهم القديم "ودن من طين وودن من عجين"، ومع تقديم الواجب اللازم من شجب، واستنكار، يكفي عاراً يكفي عاراً!
من يجده يتصل بنا!
* الشتاء يملك قدرة عجيبة على تجديد طعم الأحزان، وتجديد لسعة الألم، وحرقة الفقد! لي مع نهايات العام... اقرأ المزيد
1735
| 02 يناير 2017
هل نحفل حقا برؤوس الشباب المبدع
• كان يتحدث عن الشباب الهامد الخامد الذي ينام عن الابداع، قلت ياسيدي: الابداع ابن بيئته، أولا ارزع... اقرأ المزيد
1615
| 26 ديسمبر 2016
رسالة من قدم!!!
كم طائرة يا ترى تحركت من مطارات الدنيا وثكناتها لتطفئ حريق إسرائيل شفقة ورحمة بسارقي الأرض العربية؟ كم... اقرأ المزيد
3578
| 19 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
4797
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1644
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1008
| 09 أغسطس 2026