رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال لي أحد المسؤولين الأمريكيين السابقين، خدم في إدارات مختلفة تحت ثلاثة رؤساء، «عندما نشاهد ما يسيء لنا [اليهود] على أي قناة تلفزيونية، ننسق بيننا لإرسال رسائل استنكار للقناة وأيضًا نضغط على السياسيين في المنطقة التي تقع فيها القناة، بينما العرب يعبرون عن استيائهم بشتم التلفزيون ورميه بالحذاء!» وأضاف، «يلتزم معظمنا بساعتين اسبوعيا لنصرة قضايانا، وأثرها علينا عظيم». لخص هذا السياسي المخضرم جزءا مما نعانيه نحن العرب في كيفية خدمة قضايانا دوليا، وأهمها قضية فلسطين.
قبل أن تجف الدماء ومعها الدموع ونعود لحالة النسيان، يجب أن نواجه حقيقة مؤلمة: نجاح إسرائيل في تعزيز موقفها على الساحة الدولية لم يأتِ عن طريق السحر أو المعجزات. بل نتاج استراتيجيات مدروسة اتبعتها ومناصريها لأكثر من أربعة عقود. لكن كيف بدأت ولماذا؟
رغم الوئام المفرط بين رؤساء الولايات المتحدة واسرائيل منذ نشأة هذا الكيان الصهيوني، إلا انه صادف عثرات عام ١٩٨١، حيث لم يلتفت الرئيس رونالد ريغان لضغوط اللوبي الإسرائيلي لإيقاف بيع طائرات رادار AWACS للسعودية. نتج عن هذا الاستياء حملة اعلامية ممولة من اسرائيل داخل الولايات المتحدة لتشويه سمعة ريغان، وهو الأمر الذي قوبل بعدم تردد ريغان في تبيان ازدرائه العلني للرئيس الإسرائيلي.
ومما زاد الطين بلة في عام ١٩٨١ ايضا، تبيان ريغان عدم رضاه العلني على اسرائيل بعد قصفها للمفاعل العراقي، ودعمه لقرار مجلس الأمن بإدانة إسرائيل. وبعد ضم إسرائيل لهضبة الجولان، قام ريغان بتجميد اتفاقية التعاون الاستراتيجي معها، مما دفع رئيس وزراء اسرائيل حينها لاتهام ريغان بمعاملته لهم كـ»جمهورية موز».
ولم يتردد ريغان في معاقبة إسرائيل مجددا، فعلّق تسليم مقاتلات اف-16 إلى تل ابيب. وفي سبتمبر ١٩٨٢، تفاجأت إسرائيل بمقترح ريغان للحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وطلبه منهم التوقف التام لأي عمليات استيطان. وهو ما رفضته الحكومة الاسرائيلية، واعتبرته خطرا كبيرا على أمنها.
كانت اسرائيل حينها في وضع ضعيف نسبيًا في واشنطن، وكان تأثير المنظمات اليهودية والصهيونية محدودا رغم أنها تعمل منذ عقود. ووفقًا للإذاعة الإسرائيلية، أخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، مناحيم بيجن، السفير الأمريكي في تل أبيب، صموئيل لويس، بأن اليوم الذي تلقى فيه مقترح ريغان حول وقف الاستيطان كان أكثر أيامه حزنًا.وعليه، أيقنت إسرائيل في منتصف الثمانينات أهمية كسب أصدقاء جدد وتملّك أدوات ضغط متنوعة لها في واشنطن، بعد أن شعرت بأن الاعتماد المفرط فقط على الرئيس الأمريكي يحمل مخاطر كبيرة. فنشطت عدة منظمات يهودية كما تأسست منظمات جديدة لتوسيع نطاق الاهداف والانتشار لخدمة قضيتهم غير العادلة، واستقطبوا أموالا هائلة، وتبلغ حاليا إيرادات المنظمات اليهودية المرتبطة بإسرائيل حوالي ٤٠٠ مليون دولار سنويا، منها ٨٠ مليون لتجمُّع «آيباك» وهو أقوى لوبي اسرائيلي بأمريكا.
وفي الميدان الأكاديمي، فإن الباحثين الإسرائيليين بارزون في المحافل الدولية ونشطون جدا في النقاشات العامة والخاصة، وأبحاثهم التي تنشر في الدوريات والمجلات العلمية الرصينة، حيث يروجون لإسرائيل بالتوازي مع شيطنة العرب والفلسطينيين. وكل ذلك يتم بغياب شبه كامل للباحثين من منطقتنا العربية، ويمتد هذا التأثير الاسرائيلي ليشمل الإعلام، حيث توجد استجابة قوية ومنسقة لأي تصريحات أو تقارير يمكن أن تُفسر على أنها معادية لهم.
باختصار، ما نراه الآن من تأثير دولي وخاصة في الولايات المتحدة هو نتاج 40 عامًا على الأقل من العمل الدؤوب الذي لا يتغير بتغير رؤساء وزراء إسرائيل. لكنني مقتنع مما أراه في واشنطن بأننا نحن العرب، إذا عملنا بصدق لخمس سنوات أو أقل، ضمن خطة محكمة وجيدة التمويل قد نصل لنتيجة أقوى بكثير، لأن قضية فلسطين قضية عادلة وتسويق الحقيقة أسهل من تسويق الكذب، خصوصا مع وجود جيل جديد من الشباب في امريكا والعالم يُدرِكون حقيقة الوحشية التي يتعرض لها الفلسطينيون، ويبدون تعاطفًا مع قضيتهم، رغم انحياز حكوماتهم الأعمى لإسرائيل، وتعرضهم للتنمّر من جماعات الضغط الصهيونية، خصوصا في الجامعات، بالاضافة لوجود مد شعبي من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية واكاديميين دوليين من اصحاب العلم والكفاءة.
ماذا نحتاج لنصرة قضايانا؟ ببساطة، بناء استراتيجيات متكاملة تشمل الدبلوماسية، البحوث الأكاديمية، الإعلام، والمناصرة السياسية، وهذا الجهد يتطلب تمويلًا مستدامًا وطويل الأمد. ولاشك أن هناك جهودا مشكورة يقوم بها بعض العرب الامريكيين ممن يظهرون تفانياً وشجاعة استثنائية في دعم قضية فلسطين، ولكن غالباً ما تبقى جهودهم الفردية محدودة الأثر والانتشار رغم صدق نواياهم.
من جانب آخر، وهو الأهم نحتاج لقاطرة تتبنى هذا الدور. وأرى بأن قطر مؤهلة للقيام بدور ريادي في هذا المجال. إذ تعتبر قطر داعمًا رئيسيًا لقضية فلسطين وشعبها، وهي مستمرة في تقديم دعمها المالي لهم دون تنازلات سياسية. ويوفر هذا الدور القطري الفريد خيارات أكثر بكثير مما يمكن للأنظمة الأخرى بالمنطقة أن تقدمه، ويمكن للكويت أن تكون رديفة للدور القطري بمواقفهما التاريخية الرسمية والشعبية المؤيدة لفلسطين.
هاتان الدولتان مؤهلتان للعب الدور الكبير بتأسيس جهة مستقلة مركزية لدعم القضية الفلسطينية من منظور انساني وتاريخي واجتماعي على المستوى الدولي. هذه الجهة المستقلة يمكنها أن تساعد في تحسين الوضع الحالي للقضية من خلال:
1. السعي لتوحيد الجهود الدبلوماسية العربية، وتسهيل الحوار مع المجتمع الدولي من باب شبه رسمي مرن في حركته.
2. تأمين التمويل لمشاريع تحسّن من الوضع الإنساني والاقتصادي في الأراضي الفلسطينية.
3. تنظيم حملات إعلامية للتأثير على الرأي العام العالمي، وتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والقانونية.
4. إنشاء هيئة للمناصرة السياسية، يمكنها بناء علاقات مع المشرعين وصناع القرار والسياسيين في الدول الكبرى، وتقديم مقترحات مبنية على وقائع واضحة للمساعدة في تشكيل السياسات.
5. التركيز على التعليم والتوعية، والعمل على التخفيف من الانحيازات والتحيز في السياسة الخارجية للدول التي قد تؤثر على القضية.
هذا هو الوقت المناسب لهذه الدول للتحرك، وأخشى إذا لم نتحرك الآن، سيأتي اليوم الذي نجد أنفسنا فيه نعيش في واقع محكوم بالكامل من قبل رؤية طرف آخر، تكون فيه عبارة «اللهم انصر فلسطين» عملا إرهابيا عدائيًا!
فلنبدأ اليوم بتحرك جاد نحو تغيير هذا الواقع، قبل أن يصبح الوقت متأخرًا بالنسبة لنا جميعًا.
العرب في 80 سنة
المقالة بعنوانها تتعلق بكتاب صدر حديثا يحمل نفس العنوان للكاتب القطري محمد بن محمد الجفيري، والصادر عن دار... اقرأ المزيد
15
| 21 يونيو 2026
قرض الإسكان بين الدعم الحكومي وارتفاع تكاليف البناء
يُعد توفير السكن الملائم للمواطن من أهم الركائز التي يقوم عليها الاستقرار الأسري والاجتماعي، ولذلك جاءت برامج التمويل... اقرأ المزيد
12
| 21 يونيو 2026
هل تكفي عبارة “مضاعفات طبية” لإغلاق ملف المسؤولية؟
قِيل لي كثيرًا إن: "غالبية الناس لا تفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية". ويقولون إن الضرر عندما ينتج... اقرأ المزيد
12
| 21 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رئيس مركز ريكونسنس للبحوث والدراسات - الكويت
وعضو نادي الصحافة الوطني - واشنطن
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30471
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17646
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8643
| 14 يونيو 2026