رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن (الجذب) هو ما يهم الكثير من الإعلاميين، ولا يهم ساعتها ما يقدم من مهترئ، وهايف، ومسف، إذ الغاية تبرر الوسيلة، أهم شيء نسبة مشاهدة عالية، ويحدث أن يتفق المذيع مع مأجورين ليظهروا في برامجهم بحكايات لا أصل لها، تشوه المجتمع، وتخلع ثقته بنقائه، تماما كما فعلت المدعوة (هاله سرحان) ثم كشف أمرها فهربت خارج مصر، ثم عادت بعدما توسط لها (فلان). لماذا فبركت لقاء الساقطات وما قلنه؟ السبب واحد، جذب المشاهد المجذوب أصلا مما يشاهد!! تعود مثل هذه التشوهات بصورة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة من مذيع إلى آخر، ولعل الذي يشاهد طفلة الخامسة وهي ترقص بالسكين في برنامج وائل الإبراشي قد أصابه القرف وهو يتابع نتائج أفلام (السبكي) والطفلة تؤدي المشهد ببراعة مع تشجيع والدها وارتياحه لأدائها اللافت!! هل نقول إن كثيرين من الإعلاميين خرجوا عن المهنية وأصولها؟ الجواب ...نعم وبامتياز، سؤال آخر، ما الداعي كي يستضيف المذيع الطفلة لترقص بالسكين كالبلطجية؟ إن كان معترضا أو منتقدا على المستوى الهابط لأفلام (السبكي) كان يمكن أن يعترض وينتقد دون امتهان للطفلة، ودون أن يقدم نموذجا يحتذى سيقلده حتما بعد المشاهدة طابور من الأطفال المؤهلين فعلا للبلطجة أو في الطريق إليها خطوة خطوة! وهنا مقدم البرنامج متهم هو الآخر بالإسفاف إذ إن منتقد الإسفاف لا يقدمه بهذا الشكل الشائن، لقد أسهم وائل الإبراشي نفسه بعرض رقص الطفلة في توسيع المشاهدة لغثاء الفن الواقع، وفتح عيون أطفالنا في البيوت الذين ربما لم لم يشاهدوا أفلام الحضيض، ثم هل انتهت كل مشاكل المحروسة حتى تتفرغ ساعات البث لما يسمونه زوراً فنا؟ لو تلفت السيد المذيع حوله لوجد العشرات من المشاكل العويصة التي تحتاج الضوء، والعرض، والنقد، أكثر من طفلة ترقص بسكين إذ هناك سكاكين أخرى تقطع كل يوم آمال المواطن، وهو بالطبع لا يرقص بها وإنما هي التي ترقص فوق أوردته ذهابا وإيابا لتذبح فينزف كل يوم هماً، وغماً متنوع الأوجاع! إن مجرد البحث عن وسائل إصلاح التعليم، أو محاربة الفساد كفيل بشغل كل ساعات البث الجادة، بل إن فتح ملف الإعلام الملتزم وما يجب أن يكون عليه يحتاج بدلا من برنامج، برامج لعلاج ما انحدر إليه الإعلام من تزييف للحقائق، وانحطاط الحوار، بسب، وقذف، وردح، وألفاظ خادشة للحياء دون أي حياء!!! البلاوي الكثيرة تحتاج إلى عين لاقطة تشير إلى العطب وتسهم في إيجاد الحلول، محزن فعلا أن تكون دفة الإعلام في أيدي من تخلَّوا تماما عن المهنية، وأصبح منتهى أمنياتهم تسجيل أعلى نسبة مشاهدة حتى وإن كان ذلك على حساب أدبيات كثيرة يغفلونها وهم العالمون بها، المهم الجذب، الإثارة، التلفيق، وتسمير المشاهد على مقعده حتى صياح الديك بغثاء يضر ولا ينفع، رحم الله إعلام زمان.
• عندما أقرأ خبرا يقول إن٨٠ % من الجرائم تقع تحت تأثير المخدرات، يذهب خاطري فورا إلى الدراما العربية التي تعرض نماذج للإدمان والمدمنين دون أن تتعرض للحلول الجذرية للتعافي من البلوى!! يا أيها الإعلام العربي المحترم إن كارثة مثل كارثة الإدمان تحتاج حجرة عمليات لإدارة الأزمة، ولإنقاذ جيل كل ما حوله يشده للتلف والضياع، وأيضا لإنقاذ الأمن القومي، والسلم المجتمعي، والعارفون بالبلوى يدرون أن المدمن يفعل أي شيء تحت تأثير المخدر، ولا نجاة إلا بتجفيف منابع الإمداد بالمخدر، وبرامج التوعية، وتوفير المصحات، وتشجيع المدمنين على الإقلاع، والعلاج، مهم أن أقول لإعلامنا العربي من الماء إلى الماء إن المخدر يأكل الشباب، والهجمة شرسة، والإغراق متوحش، والهدف الإجهاز على أغلى كنوز الوطن....شبابه!!.
• ما زلنا في الأسبوع الأول من ذكرى الهجرة النبوية الشريفة التي كانت ركيزة لتأسيس الدولة الإسلامية والتي بعدها فتح المسلمون بلاد الروم والفرس، وتمددت الدعوة شرقا وغربا، الآن وأنا أتابع ذكرى الهجرة لا أراني أتمثل فتوحات المسلمين وأمجادهم إنما يتراءى لي فورا صورة مركب يكتظ بالمهاجرين نساء، وأطفالا، وشبابا، وجهتهم هجرة إلى أوروبا أملا في النجاة من الموت جوعا أو بطلقة، قد يصلوا وقد ينقلب بهم قاربهم الذي يئن بحمولته فيغرق الجميع في مأساة مروعة!! الفارق فادح بين الهجرة الأولى والثانية، فالأولى فتح، وتمكين للدعوة، ونصر للدين، والثانية هزيمة للروح بكل ما تحمل الهزيمة من مرارة الاغتراب وربما ضيعة العقيدة! المقارنة بين الهجرتين مؤلمة ولعل المرارة عالقة بسؤال مر يقول ماذا فعل أولياء أمور المسلمين لهم في سائر بلاد المعمورة بعد ١٤ قرنا من الهجرة؟.
• طبقات فوق الهمس
• يبدو أننا نحتاج إلى هجرات كثيرة منها الهجرة من الاستبداد، والهجرة من الترويج للانفلات من ضوابط القيم، والهجرة من مخاصمة أقوالنا لأفعالنا.
• الرافضون للخلاعة، والعري، متخلفون، ظلاميون، والداعون للانسلاخ من قيم الدين المحترمة تحت شعار (حرية التعبير) منفتحون، تقدميون، ويا له من تقدم!!
• تسمى (إنتصار) وهي (انهزام) حقيقي للأخلاق بدعوتها العلنية للشباب لمشاهدة الأفلام الإباحية، دعوة الفنانة كانت من خلال برنامج (نفسنة) واعتقادي أن طاقم البرنامج نفسه يحتاج إلى طبيب نفسي بصورة عاجلة.
• في عالمنا العربي الجميل نهوى الشكوى، ولا نحب العمل!! ثقافة.
• سـألته حتنتخب؟ قال: أنا رئيس جمهورية نفسي يا مدام!!.
• في علاقتنا ببعض الأصدقاء (النص نص) قد نجبر أحيانا لنقول لهم عفوا نفد رصيدكم!!.
• الطبقة العازلة بين (الناس اللي فوق، والناس اللي تحت) قد تكون طبقة حانية لا تمنع التراحم، ولا المروءة، ولا الحب.
• يفهم البعض المناصب على أنها سلطة، ونفوذ، وأبهة، بينما يعتبرها البعض عبئا ثقيلا يحتاج الكد والعمل البعيد جدا عن التباهي، وتعظيم سلام للبيه وهو رايح وهو جاي!!.
• تحية لائقة، واحتراما باسقا، وتقديرا وافرا لكل مسؤول يلتفت لآلام الضعفاء وقضاياهم وينتبه إلى أنه مسؤول عنهم.
• يمكن أن تكون بطل العالم في رفع الظلم، والجور، والتعدي، والله ممكن، جرب وحتدعيلي.
الامتياز التجاري (الفرانشايز)
لم يعد النمو في الاقتصاد الحديث يقاس بعدد الفروع التي تمتلكها الشركات، بل بعدد الشركاء الذين يستطيعون توسيع... اقرأ المزيد
270
| 02 يوليو 2026
كرة القدم.. تقودنا إلى اكتشاف العالم
لطالما كانت كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لكنها بالنسبة لي ليست مجرد أهداف وكؤوس ومنافسات رياضية،... اقرأ المزيد
267
| 02 يوليو 2026
ماذا خسرت دول الخليج ؟
يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ( لا نريد أن نكون شرطي المنطقة، وعلى دول الخليج أن تتحمل مسئولية... اقرأ المزيد
108
| 02 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4761
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4518
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3207
| 01 يوليو 2026