رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاد الإرهاب ليضرب من جديد في تونس، وهذه المرّة، حصل في معتدمية قبلاط الريفية التابعة لمحافظة باجة (شمال غربي تونس) التي تبعد مائة كيلومتر عن العاصمة،حين قامت مجموعة مسلحة بمباغتة ثلاثة عناصر من الحرس الوطني كانوا بصدد التثبت من معلومة بشأن وجود مجموعة مسلحة في منزل في المنطقة، وأطلقت النار عليهم، فقتل اثنان من قوات الحرس الوطني وجرح ثالث خلال المواجهة المسلحة. وتأتي هذه العملية بعد يوم من عملية مشابهة في محافظة جندوبة (شمال غربي البلاد) المحاذية للجزائر، حيث أطلق مسلحون النار على مركز لقوات الحرس الوطني الحدودي مع الجزائر، كما هاجم عدد آخر من المسلحين المركز الحدودي "فج حسين" التابع لمدينة "غار الدماء" الحدودية من المحافظة نفسها وتبادلوا إطلاق النار مع العناصر الأمنية هناك قبل أن يتحصنوا بالفرار.
وفي ظل تنامي الإرهاب في تونس، واستمرار تدفق الأسلحة، وغياب الرقابة الصارمة من جانب القوى الأمنية التي أتمر بأوامر الحكومة التي يقودها القيادي من حركة النهضة السيد علي العريض، وجهت الجزائر رسالة واضحة إلى الحكومة التونسية، تفيد أن عملية تهريب كبرى للسلاح يتم التحضير لها انطلاقا من الأراضي الليبية باتجاه الجزائر أو تونس، الأمر الذي جعلت الجيش الجزائري يستنفر قواته على الحدود مع ليبيا وتونس، مستخدما الطائرات العسكرية لتوسيع مجال المراقبة ولمنع أي محاولة اختراق لجماعات إرهابية قد تستغل الأوضاع لتنفيذ مخططها، لاسيَّما أن محققين من تونس والجزائر تمكنوا من جمع أدلة كثيرة تدين " كتيبة الملثمين والموقعين بالدم "التي يقودها مختار بالمختار القيادي السابق في تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي "، الذي أشرف على تدريب مقاتلين سلفيين جهاديين من تونس وإرسالهم إلى الأراضي التونسية.
ويعود السؤال القديم الجديد إلى الواجهة في المشهد السياسي التونسي، هل ستنتصر الديمقراطية على الإرهاب في بلد مفجر ثورات الربيع العربي؟
هذا الأمر مرهن بنجاح الحوار الوطني الجاري في تحقيق انتظارات الشعب التونسي، لاسيَّما إسقاط حكومة الترويكا الحالية التي تقودها حركة النهضة المتواطئة والمتخاذلة في محاربة الإرهاب، لأن صقور النهضة متحالفون مع تنظيم "أنصار الشريعة"و التيارات السلفية الأخرى، لأسباب عديدة، أهمها: المرجعية الإسلامية الأصولية القبطية،و اعتبار المعارضة اليسارية والقومية والليبرالية عدوة،و العمل على تحطيم الدولة التونسية الحديثة ما بعد الاستقلال،لأن هذه القوى الإسلامية سواء المعتدلة منها أو الأصولية والتكفيرية جميعها، لا تؤمن ببناء الدولة الديمقراطية التعددية.
فمحاربة الإرهاب في تونس، تتطلب انتهاج طريق وطنية تقوم على تشكيل حكومة كفاءات وطنية ذات إستراتيجية وطنية واضحة، تحترم سيادة المبادئ العامة والشاملة، كالديمقراطية،و الحرية،و المساواة بين الجنسين،و احترام حقوق الإنسان بغض النظر عن جنسيته وديانته التي ينتمي إليها، وتعمل على إعادة بناء أجهزة أمنية تحترم قيم الجمهورية، وتقضي على الأجهزة الأمنية الموازية التي أصبحت تشكل الحصن الأمني والسياسي الذي يحمي ويتستر على الإرهاب السلفي التكفيري، وتخضع كل الجمعيات الدينية غير المرخص بها، وحتى المرخصة للمحاسبة القانونية الصارمة،لاسيَّما فيما يتعلق بمصادر تمويلها، وطبيعة أنشطتها، وتمنع أدلجة الخطاب الديني داخل المساجد، ومنع هذه الأخيرة من أن تتحول إلى فضاءات جماهيرية تخدم مصلحة حركة النهضة والتيارات السلفية التكفيرية، ووضع خطة وطنية للتنمية المستدامة للمحافظات الفقيرة، وللمناطق الشعبية في أحزمة المدن التونسية، ولاسيَّما في العاصمة، باعتبار أن الإرهاب انتشر من جراء غياب التنمية في المناطق المهمشة في المدن والأرياف.، لاسيَّما الحدودية في الشمال الغربي، وفي الوسط الغربي، وفي الجنوب التونسي.
إن محاربة الإرهاب يقتضي وجود حكومة وطنية صارمة في الذهاب بعيدا في تفعيل قانون مكافحة الإرهاب، والعمل على سيادة القانون، واحترام السلطة القضائية والحيلولة دون خضوعها للحسابات السياسية، والعمل على حماية القضاة المتعهدين بالقضايا الإرهابية وعائلاتهم، ومداهمة أوكار جميع الإرهابيين وجمع أسلحتهم من قبل الفرق المختصة بمكافحة الجريمة الإرهابية.
ولأن الحرب ضد الإرهاب أيضا.التي تخاض حصريا على الصعيد العسكري. والاستخبارات. والتجسس. والحرب السرية، وبأهداف منتقاة من الأجهزة الأمنية التونسية الجمهورية، هي بالضرورة حرب تفكيك وتصفية للبنية التنظيمية واللوجيستية لتنظيم "أنصار الشريعة". إلا أن مناداة حركة النهضة بالديمقراطية وإقامة تحالفات مع الإرهابيين من تنظيم "أنصار الشريعة" والتيارات السلفية الأخرى، يجعل من الحكومة الحالية بادعائها الكاذب أنها تخوض الحرب ضد الإرهاب أمر فيه الكثير من التناقض ويثير السخرية، لأنها حكومة لا تتسم بالصدقية فيما تقول، وهي حكومة متواطئة مع الإرهاب.
إن البحث عن الأمن من جانب حكومة علي العرض، ودعم التيارات السلفية التكفيرية المفروضة بالعنف والتعسف على الشعب التونسي، مسألتان متناقضتان وتهيئان الأجواء لمزيد من العنف والتعسف لتصبح أكثر ملائمة لكافة أنواع التجارة غير المشروعة من جهة كتجارة الأسلحة والمخدرات وغير ذلك. وبالتالي تعمل على تغذية التطرف والإرهاب من جهة ثانية.
إن الحكومة الحالية التي تقودها حركة النهضة تتجاهل كثيرا العالم، بل إنها تعتقد أنها صاحبة فضيلة، وترفض رفضا قاطعا معالجة الأسباب التي قادت وتقود إلى مراكمة جميع أنواع الإرهاب المصدر لنا من الخارج، لاسيَّما من ليبيا التي تحولت إلى قاعدة خلفية لتجارة الإرهاب نحو بلدان شمال إفريقيا والساحل الإفريقي.
وإذا أرادت الديمقراطية أن تنتصر على الإرهاب فعلى حكومة الترويكا بلا استثناء أن تسعى إلى تطبيق المبادئ الديمقراطية على أنفسها أولا، لأن الحكومة التي يقودها علي العريض لا تحترم القانون، ولا القيم والمبادئ والديمقراطية وتستخدم المعايير المزدوجة، وتدير ظهرها للتعاون الإقليمي والدولي لمكافحة الإرهاب، لاسيَّما مع الشقيقة الجزائر التي أصبحت لها خبرة كبيرة في مكافحة الإرهاب.
من الناحية المنطقية والعقلية، الإرهاب التكفيري هو الظاهرة المرضية أفرزتها عقود الاستبداد التي كرستها الأنظمة التسلطية العربية، وهو يسافر من دون جواز سفر من أجل الاستقرار في الدول الفاشلة، كالصومال، والعراق، وليبيا، واليمن، والآن تونس. إنه فوق – قومي، عالمي، وبنفس الدرجة مثل الشركات المتعددة الجنسية: بيبسي كولا، أو كوكا كولا..".القاعدة" وأخواتها" أنصار الشريعة" في تونس، وليبيا، واليمن الخ. وإذا لاقى الإرهاب بعض ا لصعوبات، فإنه يرحل، ويأخذ معه " مصانعه " إلى بلد توفر له أفضليات جديدة، أبدا مثل الشركات المتعددة الجنسيات.
الإرهاب بوصفه ظاهرة عالمية لا يمكن القضاء عليه، لكن من أجل السيطرة عليه، يجب على حركة النهضة الإسلامية أن تعي جيدا، وتعترف بضرورة بناء دولة القانون، وتقاسم السلطة مع المعارضة في هذه المرحلة الانتقالية، واحترام نمط المجتمع التونسي والمحافظة عليه، وعدم اللجوء إلى تغييره.
إذا أرادت حركة النهضة أن تبذل جهودا كبيرة من أجل أن تفهم وتتصرف بشكل أفضل حول تنامي الإرهاب، عليها أن تقوم بمراجعة نقدية لكل سياساتها وأطروحاتها الأيديولوجية، وبالأخص منها، إعادة النظر في مقاربتها لقضية بناء الدولة المدنية، وفي القلب منها دولة القانون وفصل السياسي عن الديني، وتحقيق أهداف الثورة التونسية في إقرار دستور ديمقراطي يليق بها، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وعدم الانخراط في تحالفات إقليمية ودولية بقيادة الولايات المتحدة يحتل فيه الكيان الصهيوني مركز الصدارة، وصولا إلى إثبات قدرتها على فتح الطريق لبناء الدولة الديمقراطية التعددية التي تقر وتحترم وتضمن مبدأ المواطنة الحقة، ومبدأ الفصل بين السلطات بلا مواربة، ومبدأ التداول السلمي للسلطة نظرا لانعدام الديمقراطية في هذه المنطقة العربية.
الطاقة الشمسية المنزلية في قطر.. عائد المواطن
مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تبرز الطاقة الشمسية المنزلية كأحد الحلول الذكية لتقليل استهلاك الكهرباء وتحقيق... اقرأ المزيد
42
| 10 أبريل 2026
الطامة الكبرى
نعيش اليوم مرحلة مؤلمة ومقلقة في ظل ما شهدته المنطقة من تصاعد في الاعتداءات والانتهاكات، التي طالت الأبرياء... اقرأ المزيد
51
| 10 أبريل 2026
بيت العمر..
الكثير منا يحلم ببناء بيت العمر، فيلّا عصرية كبيرة وفاخرة مغطاة بالحجر وفيها أنوار تضيء قارة، ورخام وديكورات،... اقرأ المزيد
33
| 10 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
9378
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3165
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1527
| 06 أبريل 2026