رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

327

د. سلوى حامد الملا

بين غيرة أنثى ومشاعر رجل

19 أغسطس 2026 , 10:49م

* تُعرف الغيرة بأنها واحدة من أكثر المشاعر الإنسانية تعقيدًا، وتظهر لدى المرأة منذ مراحل مبكرة من حياتها بأشكال مختلفة؛ غيرة طفلة، وغيرة ابنة، وغيرة في المدرسة والجامعة والعمل، وصولًا إلى الغيرة الزوجية. وهي في أصلها شعور طبيعي، ما دامت في حدودها المتزنة، ولم تتحول إلى شك مرضي يجعل من نسمة الهواء العابرة عاصفة خانقة!

* وغيرة الأنثى جزء من تكوينها النفسي والعاطفي، وإن اختلفت النساء في طريقة التعبير عنها بحسب الشخصية والتربية والثقة بالنفس وطبيعة العلاقة. ولنا في سيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها صورة إنسانية صادقة للغيرة التي قد تصاحب المحبة؛ فقد عُرفت بشدة غيرتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة محبتها له.

* ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلًا، قالت: "فغرت عليه"، فلما عاد ورأى ما بها قال: "ما لك يا عائشة؟ أغرت؟ " فقالت: "وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟". وهو موقف يكشف أن الغيرة شعور بشري لا ينتقص من قدر صاحبه، وإنما العبرة في كيفية التعامل معه وضبطه.

* كما قالت عائشة رضي الله عنها: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة". مع أنها لم ترها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من ذكرها والوفاء لها ولصديقاتها. وهنا تتجلى صورة أخرى للغيرة؛ غيرة ارتبطت بالمحبة والمكانة، دون أن تمحو الوفاء أو تنقص من قدر صاحبتها.

* الغيرة إذن طبيعة إنسانية، ولا تُلام المرأة على أصل الشعور، وإنما على ما قد ينتج عنه إذا تجاوز حدوده؛ حين يتحول إلى شك وملاحقة وتفتيش في الملابس والهاتف، وتتبع للاتصالات والتحركات والسفر، وربما الاستعانة بالآخرين لمراقبة الزوج! عندها لا نعود أمام غيرة محبة، بل أمام علاقة فقدت أهم عناصرها: الثقة والأمان.

* وفي المقابل، فإن الغيرة ليست حكرًا على المرأة. فالرجل كذلك يغار، والغيرة السوية على الزوجة والأهل والمحارم قد تكون تعبيرًا عن المحبة والاهتمام والشعور بالمسؤولية، ما دامت منضبطة بالدين والعقل والاحترام. فلا تكون الغيرة تسلطًا، ولا تتحول الحماية إلى وصاية خانقة، ولا يصبح الحرص ذريعة لسلب الآخر حقه في الاحترام والثقة.

* والمرأة في كثير من الأحيان لا تبحث عن رجل يراقبها، بل عن رجل يهتم بها ويخاف عليها ويحفظ مكانتها؛ رجل يشعرها بأن وجودها يعنيه، وأن ما يمس كرامتها أو يعرضها لموقف غير لائق يعنيه أيضًا. فهناك فرق كبير بين رجل يقول: "أخاف عليك"، وآخر يقول: "أشك فيك"؛ الأولى قد تحمل محبة وحرصًا، والثانية قد تهدم الثقة من أساسها.

* كما أن انعدام الغيرة تمامًا قد يثير التساؤل أحيانًا، فإن الإفراط فيها أشد خطرًا. فغيرة الرجل السوي لا تكتم الأنفاس، ولا تفتش عن التهمة خلف كل موقف، ولا تسيء الظن في كل كلمة ونظرة وتصرف. أما حين تتحول الغيرة إلى ضرب أو قذف أو اتهامات كاذبة أو مراقبة مرضية مبنية على أوهام، فإننا لم نعد نتحدث عن رجولة أو محبة، بل عن سلوك مؤذٍ يحتاج إلى وقفة وعلاج وحكمة قبل أن يهدم بيتًا وأسرة.

* واللافت أن بعض الناس يخلطون بين الغيرة والتملك؛ فيعتقد أحدهم أن من يحب أكثر يحق له أن يراقب أكثر، وأن من يغار أكثر يملك حق المنع والاتهام. والحقيقة أن الحب السوي لا يلغي الثقة، والغيرة السوية لا تلغي العقل، والحرص لا يلغي الاحترام. فما أجمل الغيرة حين تكون رسالة اهتمام، وما أقساها حين تتحول إلى قيد!

* وبين غيرة أنثى ومشاعر رجل مساحة واسعة تختبر فيها الحكمة والثقة وحسن التصرف. ليست المشكلة أن نغار، فذلك شعور قد يطرق القلب دون استئذان، وإنما الاختبار الحقيقي هو: ماذا نفعل عندما نغار؟ هل نحسن الظن ونسأل ونتحاور، أم نسمح للخيال بأن يصنع قصة ثم نحاكم الآخر عليها؟

* آخر جرة قلم: المرأة الطبيعية لا تبحث عمن يخنقها باسم الغيرة، كما أنها لا تريد بالضرورة رجلًا لا يعنيه أمرها؛ بل تبحث عن رجل تشعر معه بالمحبة والاهتمام والأمان، يغار عليها غيرة تحفظ كرامتها ولا تنتقص منها، ويحمي أهل بيته ومحارمه بما يليق بالدين والعقل والمروءة، دون ظلم أو شك أو تسلط. وفي الغيرة، كما في كثير من شؤون الحياة والعلاقات، يبقى الاتزان والعقل والحكمة وحسن الظن والاعتدال هي الميزان. فكم من كلمة قيلت في لحظة غيرة هدمت سنوات من المودة، وكم من تهمة بُنيت على وهم أفسدت بيتًا آمنًا. وقبل أن نتهم، علينا أن نسأل؛ وقبل أن نحكم، علينا أن نتثبت؛ لأن الغيرة إن قادها العقل كانت حرصًا ومحبة، وإن قادها الشك قد تصبح نارًا تحرق صاحبها ومن يحب.

مساحة إعلانية