رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- شهادة شخصية في قائد وأب ومعلم
- جمع بين الاعتزاز بهويته العربية والإسلامية والانفتاح الواعي على العالم
- آمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها وصدقها مع شركائها
- رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم دون الارتهان لها
- كل لقاء عنده فرصة للدفاع عن مصالح قطر وبناء علاقة تعاون جديدة أو تصحيح فهم
لقد كنت، والحمد الله، شاهدا عن قرب لأدق الصفات الشخصية الحميدة والقدرات القيادية الرائعة لأحد أبرز صُنّاع نهضة دولة قطر الحديثة، وأحد القادة الذين تركوا بصمتهم الواضحة في تاريخ منطقتنا العربية وفي علاقاتها بالعالم.
بالنسبة إليّ، فإن الحديث عن المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لا ينحصر في سرد إنجازات قائد عظيم، ولا يقتصر على استعراض مرحلة مهمة من تاريخ قطر؛ ولكن حديثي يحمل في داخله جانبًا شخصيًا وإنسانيًا عميقًا، لأنني كنت واحدًا من أبناء قطر الذين أتيحت لهم فرصة العمل في المجال الدبلوماسي في عهده، والتفاعل مع رؤيته وتوجيهاته، وحضور جانب من لقاءاته ومحادثاته مع قادة الدول وكبار المسؤولين الدوليين. واليوم، نحن لا نقف أمام رحيل قائدٍ فحسب، بل أمام محطة وطنية وتاريخية وإنسانية تستدعي التأمل. لقد تزامنت مراحل أساسية من مسيرتي الدبلوماسية مع سنوات حكمه، منذ عملي في واشنطن، ثم أثناء تحملي مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، وصولًا إلى عملي سفيرًا لدولة قطر لدى المملكة المتحدة، ثم سفيرًا في فرنسا. وفي هذه المحطات المتعددة، تشرفت بلقاء سموه، وبمتابعة حضوره في الاجتماعات والمباحثات، والاستماع إلى مداخلاته، وملاحظة طريقته في التفكير والحوار والتعامل مع القضايا الوطنية والدولية. ومن خلال تلك التجربة، لم أعرفه قائدًا للدولة فحسب، بل عرفته أبًا لكل أبناء قطر، ومعلّمًا تتجاوز الدروس المستفادة منه حدود السياسة والدبلوماسية إلى معاني القيادة والمسؤولية والإنسانية وخدمة الوطن.
قائدٌ يعرف ما يريد
كان الأمير الوالد، رحمه الله، من القادة الذين يدخلون الاجتماع وهم يعرفون بدقة ما يريدون تحقيقه، ولكنهم في الوقت نفسه يتركون المجال كاملًا للاستماع إلى الآخرين وفهم مواقفهم. لم يكن يتعامل مع اللقاءات الدولية على أنها مناسبات بروتوكولية أو فرص لالتقاط الصور وتبادل المجاملات، بل كان ينظر إلى كل لقاء باعتباره فرصة للدفاع عن مصالح قطر، وبناء علاقة جديدة، أو تصحيح فهم، أو فتح باب للتعاون، أو نقل موقف قطري واضح إلى الطرف الآخر.
وما كان يلفت النظر في حضوره أنه لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى يفرض احترامه. كانت قوة منطقه، ووضوح عبارته، وثقته بنفسه وبوطنه، هي التي تمنح كلماته وزنها وتأثيرها. وكان يتحدث عن قطر، مهما كان حجم الدولة التي يجلس مع قائدها، باعتزاز كامل وندية مسؤولة؛ فلا مبالغة، ولا تردد، ولا شعور بالنقص أمام الدول الكبرى. وقد تعلمنا منه أن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بما تملكه من إرادة، ورؤية، ومصداقية، وقدرة على المبادرة والتأثير.
مدرسة في الاستماع والحوار
من أهم الصفات التي لمستها في الأمير الوالد قدرته الكبيرة على الاستماع.
كان ينصت إلى محاوره باهتمام، ويتركه يعرض وجهة نظره، ويتابع التفاصيل الدقيقة في حديثه، ثم يتدخل في الوقت المناسب بسؤال أو ملاحظة تكشف أنه لم يكن يستمع إلى الكلمات وحدها، بل كان يقرأ ما وراءها من مواقف ومصالح وحسابات.
وقد أدركت من خلال متابعتي للقاءاته أن الاستماع عنده لم يكن صمتًا، بل كان جزءًا أساسيًا من القيادة. كان يمنحه القدرة على فهم الشخص الذي أمامه، ومعرفة أولوياته، والتمييز بين ما يقوله صراحة وما يريد الوصول إليه ضمنًا. وكان يمتلك قدرة لافتة على الانتقال من التفاصيل إلى الصورة الكبرى. فقد يبدأ النقاش حول قضية محددة، لكنه سرعان ما يضعها في إطارها الإقليمي والدولي، ويربطها بمستقبل العلاقات أو بتوازنات المنطقة أو بالمصلحة بعيدة المدى لدولة قطر.
ومن هذه اللقاءات تعلمت أن الدبلوماسية الحقيقية لا تقوم على كثرة الكلام، بل على دقة الكلمة، وحسن التوقيت، والقدرة على فهم الآخر من دون التنازل عن الثوابت والمصالح الوطنية.
الحوار معه كان مساحةً للتعلّم
لم يكن الحوار مع الأمير الوالد مجرد عرض للمعلومات أو تقديم لتقرير رسمي. كان حواره يدفع من يجلس أمامه إلى التفكير بصورة أعمق.
كان يسأل أسئلة مباشرة، قد تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تذهب إلى جوهر الموضوع: ماذا تريد هذه الدولة؟ ما مصلحتها الحقيقية؟ كيف تنظر إلى قطر؟ ماذا يمكن أن يحدث بعد سنوات؟ وما البدائل المتاحة أمامنا؟
وكانت أسئلته تعلّم المسؤول ألا يكتفي بما هو مكتوب في التقارير، وألا ينظر إلى الأحداث بمعزل عن سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي.
كما كان يمنح من يعملون معه فرصة التعبير عن آرائهم. وكان يستطيع التمييز بين الرأي القائم على المعرفة والتحليل، والرأي الذي يسعى صاحبه إلى مجاراة ما يعتقد أن القائد يريد سماعه. ولهذا كان القرب منه مسؤولية بقدر ما كان شرفًا؛ لأنه كان يتوقع من المسؤول أن يكون مستعدًا، مطّلعًا، صريحًا، وأن يعرض رأيه بأمانة، حتى إن كان مختلفًا، ما دام يصدر عن اجتهاد مخلص ومصلحة وطنية. وهذه من أهم الدروس التي بقيت معي طوال مسيرتي: أن القائد الحقيقي لا يريد من معاونيه أن يرددوا رأيه، بل يريد منهم أن يساعدوه على رؤية القضية من جميع جوانبها.
في لندن… قطر تتحدث بثقة جديدة
خلال فترة عملي سفيرًا لدولة قطر في لندن، كنت شاهدًا على مرحلة مهمة من تطور العلاقات القطرية البريطانية، وعلى الحضور المتزايد لدولة قطر في المملكة المتحدة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وكانت زيارات الأمير الوالد ولقاءاته مع القيادة البريطانية والمسؤولين والمؤسسات المختلفة تعكس رؤية واضحة لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، لا علاقة مؤقتة تحكمها مناسبة عابرة. لقد كان يدرك مكانة لندن السياسية والاقتصادية والإعلامية، كما كان يعرف طبيعة المؤسسات البريطانية وأهمية التعامل معها بعمق واستمرارية. ولذلك لم تكن العلاقات في نظره مقتصرة على الحكومات، بل كانت تشمل البرلمان والقطاع الاقتصادي والجامعات ومراكز الفكر والإعلام والمجتمع بمختلف مؤسساته. وفي لقاءاته في لندن، رأيت كيف كان يجمع بين الاعتزاز بهويته العربية والخليجية والقطرية، وبين الانفتاح الواعي على العالم. لم يكن يرى تناقضًا بين الأصالة والحداثة، ولا بين المحافظة على القيم الوطنية وبناء علاقات واسعة مع الدول والمجتمعات الأخرى. وكان حضوره يبعث فينا، نحن العاملين في السلك الدبلوماسي، شعورًا كبيرًا بالمسؤولية؛ لأننا كنا نمثل دولة بدأت تتقدم بثبات إلى موقع جديد، وأصبح مطلوبًا منا أن نكون على مستوى تلك الرؤية وذلك الطموح.
في إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية
وعندما كنت أتولى مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، كان العالم يمر بتحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، وكانت قطر تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الدولية وتعزيز استقلال قرارها وحضورها.
وفي تلك المرحلة، كان توجيه الأمير الوالد واضحًا: ومن خلال المسؤولين الكرام في الوزاره أن نبني علاقات متوازنة مع الجميع، وأن نفهم الدول من الداخل، وأن نتعامل مع كل دولة وفق خصوصيتها، وألا نحصر العلاقات الخارجية في إطار واحد أو في شريك واحد. كان يؤمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها، وفي قدرتها على التحدث مع أطراف مختلفة، وفي صدقها مع شركائها، وفي عدم تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة دائمة. وقد ساهم هذا النهج في بناء مكانة دبلوماسية مميزة لقطر، وجعلها لاحقًا قادرة على أداء أدوار الوساطة، وفتح قنوات الحوار، والمساهمة في معالجة أزمات وملفات معقدة.
من واشنطن إلى باريس
ومن خلال عملي في واشنطن، ثم لاحقًا في باريس، أدركت بصورة أوضح أهمية الأسس التي وضعها الأمير الوالد للسياسة الخارجية القطرية.
كانت رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم، ولكن من دون الارتهان لها. كان حريصًا على إقامة علاقات متينة مع الدول الكبرى، مع المحافظة في الوقت ذاته على استقلال القرار القطري وعلى الحق في تبني الموقف الذي يخدم مصالح الدولة وقناعاتها. وفي فرنسا، كما في بريطانيا والولايات المتحدة، كانت صورة قطر قد تغيرت كثيرًا عمّا كانت عليه في بداية المسيرة. أصبحت دولة معروفة بمبادراتها، واستثماراتها، ودبلوماسيتها، ومشاريعها التعليمية والثقافية، وقدرتها على الحضور في القضايا الإقليمية والدولية. وكان هذا التحول ثمرة رؤية طويلة، لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على عمل متراكم استمر سنوات، وقاده الأمير الوالد بإصرار وثقة وصبر.
أبٌ لكل أبناء قطر
على الرغم من مكانته السياسية وهيبة موقعه، كان الأمير الوالد قريبًا من أبناء قطر، يتعامل معهم بروح الأب الذي يريد لهم النجاح، ويشعر بالمسؤولية عن حاضرهم ومستقبلهم. كان يؤمن بالشباب القطري، ويمنحهم الفرص والمسؤوليات. ولم يكن ينتظر حتى يكتمل كل شيء في تجربتهم قبل أن يثق بهم، بل كان يعلم أن الخبرة تُبنى بالممارسة، وأن الإنسان ينضج عندما يشعر بأن وطنه يثق به.
وقد استفاد أبناء جيلي والأجيال التي جاءت بعدنا من هذه الثقة. فُتحت أمام القطريين مجالات واسعة في الدبلوماسية والاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام والثقافة، وأصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في مشروع بناء الدولة. وكان يشعر أبناء قطر بأنه واحد منهم، وأن نجاح أي قطري هو نجاح للوطن كله. وهذه العلاقة الأبوية لم تكن خطابًا رسميًا، بل كانت تظهر في اهتمامه بالناس، وفي معرفته بأحوالهم، وفي حرصه على تمكينهم، وفي نظرته إلى المواطن بوصفه غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد.
الإنسان أولًا
كان الأمير الوالد يؤمن بأن الثروة الحقيقية لدولة قطر ليست النفط ولا الغاز، وإنما الإنسان القطري.
ومن هذا الإيمان بدأت رحلة البناء الكبرى في التعليم والصحة والثقافة والبحث العلمي وإعداد الأجيال. لم يكن ينظر إلى الإنجاز بمنظار الحاضر وحده، بل كان يخطط لعقود قادمة، ويضع أسس دولة تستطيع أن تستمر وتزدهر مهما تغيرت الظروف.
وقد تجسدت هذه الرؤية في إنشاء المؤسسات التعليمية والبحثية واستقطاب الجامعات العالمية، وفي توسيع الخدمات الصحية، وفي دعم الثقافة والإعلام والرياضة، وفي تأسيس اقتصاد قوي واستثمارات استراتيجية تحفظ حقوق الأجيال القادمة. وفي عهده شهدت قطر نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة، وأصبحت حاضرة عربيًا ودوليًا بصورة لم تكن تتناسب فقط مع حجمها الجغرافي، بل مع حجم رؤيتها وإرادتها وطموح قيادتها.
كما شكّل إطلاق شبكة الجزيرة تحولًا كبيرًا في الإعلام العربي، ورسّخ حضور قطر في الفضاء الدولي. وأولى سموه الثقافة والفنون والبحث العلمي والرياضة اهتمامًا مبكرًا، إدراكًا منه لقيمة القوة الناعمة في بناء مكانة الدول وتعزيز تأثيرها. وكان الفوز بحق استضافة كأس العالم FIFA قطر 2022 ثمرة من ثمار الرؤية التي انطلقت في عهده، قبل أن تتحول، في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلى إنجاز عربي وعالمي استثنائي أثبت قدرة قطر على تحويل الطموح إلى واقع.
شجاعة القرار وبُعد النظر
من الصفات التي ميّزت الأمير الوالد شجاعته في اتخاذ القرار.
كان يعرف أن القرارات الكبرى لا تحظى دائمًا بالإجماع عند اتخاذها، وأن بعض الرؤى لا يفهمها الناس بصورة كاملة إلا بعد مرور السنوات وظهور نتائجها.
لقد اتخذ قرارات غيّرت مسار الدولة، وفتح أبوابًا جديدة أمام قطر، ودفعها إلى التفكير خارج حدود المألوف. وكان مستعدًا لتحمل مسؤولية قراراته والدفاع عنها، وهي صفة أساسية في كل قيادة تاريخية. ومن أعظم قراراته وأكثرها حكمة قراره بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومستقر للقيادة، جسّد ثقته بالمستقبل، وحرصه على استمرارية الدولة، وإيمانه بقدرة الجيل الجديد على مواصلة المسيرة. لقد كان يستطيع أن يبقى في موقعه، لكنه اختار ما رآه أصلح لقطر، مقدّمًا نموذجًا في القيادة التي تعرف متى تبدأ ومتى تسلّم الأمانة.
خير خلف لخير سلف
ومنذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم، أثبت أنه خير خلف لخير سلف. فقد حافظ سموه على الأسس التي أرساها الأمير الوالد، وطوّرها بما يتناسب مع مرحلة جديدة وتحديات أكثر تعقيدًا. وقاد قطر بحكمة وثبات خلال الحصار، فخرجت الدولة من تلك المحنة أكثر قوة واعتمادًا على الذات وتماسكًا بين قيادتها وشعبها. وفي عهده تواصلت التنمية، وتوسعت المشاريع الوطنية، وتعزز الأمن الاقتصادي والغذائي، وارتفعت مكانة قطر عالميًا، ونجحت الدولة في تنظيم كأس العالم، وواصلت القيام بأدوار دبلوماسية وإنسانية ووساطات دولية مؤثرة.
ومن يقرأ مسيرة قطر في العهدين يدرك أننا أمام مشروع وطني متكامل: وضع الأمير الوالد أسسه، ثم حمل صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الأمانة، وحافظ على جوهر المشروع، وأضاف إليه رؤيته وإنجازاته، وقاده بثبات نحو مرحلة جديدة من النضج والقوة.
ما تعلمته منه
بعد عقود من العمل الدبلوماسي، أستطيع أن أقول إن الأمير الوالد كان بالنسبة لنا مدرسةً متكاملة في القيادة وخدمة الوطن.
تعلمنا منه أن الرؤية أهم من الانشغال بردود الأفعال، وأن القائد يجب أن ينظر إلى ما وراء الحدث وإلى ما بعد السنوات. وتعلمنا منه أن الاستماع ليس علامة تردد أو ضعف، بل أداة من أدوات القوة والفهم واتخاذ القرار. وتعلمنا أن احترام المحاور لا يعني الموافقة عليه، وأن الاختلاف يمكن أن يُدار بثبات وأدب ووضوح. وتعلمنا أن الدولة الصغيرة تستطيع أن تصنع لنفسها مكانة كبيرة متى امتلكت رؤية مستقلة، ومؤسسات قوية، وقيادة تثق بشعبها. وتعلمنا أن المسؤولية ليست امتيازًا، بل أمانة، وأن تمثيل الوطن في الخارج لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والانضباط والمعرفة وحسن السلوك.
كما تعلمنا منه أن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما ينجزه في سنوات حكمه، بل بما يتركه بعده من مؤسسات، ورجال، وقيم، وثقة، وقدرة على الاستمرار.
إرثٌ باقٍ في الوطن والإنسان
إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لم يترك خلفه مجرد ذكريات، ولم يترك إنجازات مادية فحسب، بل ترك وطنًا مختلفًا، ومؤسسات راسخة، وأجيالًا واثقة بقدراتها، ودولة تعرف مكانها في العالم وتدرك مسؤولياتها تجاه شعبها وأمتها والإنسانية. لقد غيّر تاريخ وطنه لأنه غيّر أولًا طريقة تفكير أبناء وطنه في أنفسهم وفي مستقبلهم. جعل القطري يؤمن بأن بلاده قادرة على الوصول إلى أبعد الآفاق، وأن الطموح ليس مرتبطًا بحجم الجغرافيا، بل بحجم الإرادة.
أما بالنسبة إليّ، فستظل السنوات التي تشرفت خلالها بالعمل في ظل قيادته، واللقاءات التي حضرتها، والحوارات التي استمعت إليها، والتوجيهات التي تلقيتها، من أغنى تجارب حياتي المهنية والإنسانية. لقد كنت في حضرة قائد، لكنني كنت أيضًا في حضرة معلّم. وكل لقاء معه كان يضيف إلى الإنسان فهمًا جديدًا لمعنى القيادة، وكل حوار كان يفتح أمامه نافذة أوسع على العالم، وكل موقف كان يؤكد أن خدمة قطر أمانة تتطلب الإخلاص والشجاعة والمعرفة والوفاء. رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد ترحل الشخصيات العظيمة، لكن آثارها لا ترحل، وقد يغيب الرجال، بينما تبقى أعمالهم ومواقفهم وسيرتهم حاضرة في ذاكرة الأوطان، وشاهدة عليهم جيلاً بعد جيل.
سيبقى اسمه حاضرًا في تاريخ قطر، وستبقى سيرته في وجدان أبنائها، وسيبقى أثره شاهدًا على قائد أحب وطنه، ووثق بشعبه، وبنى للمستقبل، وترك الأمانة في يد قائد أمين، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
حفظ الله سمو الأمير، وسدّد خطاه، ووفقه لمواصلة مسيرة البناء والنهضة، وأدام على قطر نعمة الأمن والعزة والاستقرار، لتبقى كما أرادها الأمير الوالد: وطنًا شامخًا، مستقل الإرادة، واثقًا بأبنائه، مؤثرًا بين الأمم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية. وهناك دول يختصرها حاضرها، وأخرى يروي تاريخها قصة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والصبر حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وقطر واحدة من تلك الدول التي لم تصل إلى مكانتها العالمية في ليلة وضحاها، ولم يصبح اسمها حاضرًا في المحافل الدولية بمحض الصدفة، وإنما بجهد متواصل، وإرادة لا تعرف المستحيل، ورؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم، ونحن ننظر إلى وطننا، لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه دولة غنية فحسب، بل بوصفه أمانة كبرى. أمانة تتمثل في أمنه، ووحدته، واستقراره، وسمعته، وإنجازاته، ومكانته التي أصبحت محل احترام العالم. فكل طريق، ومدرسة، ومستشفى، وجامعة، وميناء، ومؤسسة، وكل إنجاز تحقق على هذه الأرض، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والإخلاص والتضحيات. وتزداد هذه الأمانة اليوم ثقلًا في ظل أزمة إقليمية لم يعهد الخليج مثل اتساعها وخطورتها. فمن كان يتصور أن تتعرض دول الخليج، الواحدة تلو الأخرى، للصواريخ والمسيّرات والتهديدات القادمة من جهات متعددة؟ ومن كان يظن أن المدن الآمنة، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة والمياه يمكن أن تصبح في قلب المواجهة؟ لقد تعرضت دول خليجية عدة خلال التصعيد الراهن لهجمات وتهديدات طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، ووصل الخطر إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وإلى خطوط الملاحة في مضيق هرمز والبحار المحيطة بالمنطقة. وهذا يكشف أن الحروب الحديثة لا تستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان: الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يصل إلى بيته، والكهرباء التي تنير مدينته، والطريق البحري الذي تعبر منه احتياجاته. إن تهديد محطات تحلية المياه في الخليج ليس أمرًا ثانويًا، فدول المنطقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مياه البحر المحلاة. وأي اعتداء على تلك المنشآت لا يعني تضرر مبنى فحسب، بل يعني تهديد شريان الحياة لملايين البشر. وقد أبرزت الهجمات الأخيرة على منشآت المياه والكهرباء مدى أهمية هذه المرافق أمام الحروب، ومدى ضرورة حمايتها، وتطوير البدائل، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وعدم الاطمئنان إلى أن مصادر الحياة بعيدة عن ميادين الصراع. والغذاء كذلك أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن اضطراب الملاحة أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع الأسعار ويؤخر وصول السلع الأساسية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الدولة التي لا تنوّع مصادر استيرادها، ولا تدعم إنتاجها المحلي، ولا تبني مخزونها الاستراتيجي، قد تجد أمنها الغذائي رهينة قرار أو حرب وقعت خارج حدودها. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن التوترات الإقليمية الحالية تهدد سلاسل التصدير والإمداد، وتضاعف مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة والعالم. لهذا فإن المحافظة على قطر لم تعد مجرد عبارة وطنية نرددها، بل ضرورة وجودية تتطلب وعيًا شاملًا. فالأمن اليوم ليس حراسة الحدود فقط، بل حماية الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والمعلومات، وحماية المجتمع من الشائعات والفوضى والخوف. وليس كل اعتداء يبدأ بصاروخ، فقد يبدأ بخبر كاذب ينتشر في لحظات، أو إشاعة تدفع الناس إلى الهلع والتدافع وتخزين السلع، فتربك المجتمع وتخدم أهداف العدو من حيث لا يشعر ناشرها. في أوقات الأزمات يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات. يظهر المواطن المسؤول الذي يأخذ معلوماته من المصادر الرسمية، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يثير الذعر، ولا يستغل حاجة الناس، ولا يكدس السلع بلا ضرورة. ويظهر التاجر الأمين الذي لا يرفع الأسعار، والموظف المخلص الذي يؤدي واجبه، والإعلامي الذي يزن كلماته، والأسرة التي تربي أبناءها على الثبات والوعي، لا على الخوف والانفعال. إن حماية قطر مسؤولية كل مواطن، ولا تنتهي عند المقيم. فكل من يعيش على هذه الأرض وينعم بأمنها واستقرارها يحمل جزءًا من مسؤولية الحفاظ عليها. الوطن لا تحميه الجدران وحدها، وإنما يحميه الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة ما بين يديه، ويحسن التصرف وقت الرخاء والأزمة. وقد أحسنت قطر الاستفادة من التجارب السابقة، فعملت على تنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، وبناء مرافق ومخزونات استراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمداد. وتؤكد التقارير الحديثة أن الأمن الغذائي في قطر ما زال مستقرًا، نتيجة الاستعداد المبكر وتنوع الخطط والبدائل. لكن قوة الاستعداد لا تعني أن نركن إلى الطمأنينة، بل أن نواصل التطوير، لأن التحديات تتغير، والحروب تكشف كل يوم أدوات جديدة للضغط والاستهداف. إن أعظم الأخطاء أن نعتاد النعمة حتى ننسى كيف جاءت. فمن السهل أن يرث الإنسان وطنًا قويًا، لكن الأصعب أن يحافظ على قوته. ومن السهل أن يعيش في دولة مستقرة، لكن الأصعب أن يكون سببًا في استمرار هذا الاستقرار. فالأوطان لا تتراجع فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما يضعف الشعور بالمسؤولية، ويحل محله الاعتقاد بأن الإنجازات ستبقى مهما أهملنا. إن المحافظة على قطر تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يتقن الموظف عمله، ويحترم الطالب علمه، ويخلص التاجر في تجارته، ويحافظ الفرد على الممتلكات العامة، ويحسن استهلاك الماء والغذاء والطاقة، ويدرك أن الإسراف في زمن الأزمات ليس حرية شخصية، بل سلوك يمس أمن المجتمع كله. كما تبدأ المحافظة على الوطن بالوحدة. فالأزمات لا تختبر قوة السلاح وحده، بل تختبر تماسك المجتمع وثقته بقيادته ومؤسساته. وكل محاولة لإثارة الانقسام، أو نشر الكراهية، أو ضرب العلاقة بين المواطن والمقيم، إنما تستهدف جدارًا من جدران الوطن. فالناس في السفينة الواحدة، وأي ثقب فيها لن يسأل عن جنسية من يصيبه الماء. واليوم، وقد أصبحت قطر دولة ذات حضور عالمي، فإن مسؤوليتنا أصبحت أكبر. نحن لا نحمل اسم وطننا داخل حدوده فقط، بل نحمله أينما ذهبنا. العالم يعرف قطر ويراقب تجربتها ويحترم نجاحاتها، ولذلك فإن كل مواطن ومقيم سفير لهذا الوطن، يمثله في أخلاقه وعمله والتزامه قبل أن يمثله بكلماته. قطر اليوم ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل إرث حضاري ومسؤولية تاريخية وأمانة أخلاقية. وما نملكه من أمن ورخاء واستقرار ومكانة ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، بل نعمة تحتاج إلى الشكر، وإنجاز يحتاج إلى الحماية، ووطن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الولاء الحقيقي يظهر حين تتبدل الأيام وتشتد الأزمات. فليكن سؤال كل واحد منا: ماذا قدمت اليوم لقطر؟ هل حافظت على أمنها؟ هل صنت وحدتها؟ هل كنت مصدر وعي أم مصدر شائعة؟ هل كنت لبنة في البناء أم ثغرة ينفذ منها الخوف؟ الخليج يمر اليوم بامتحان عسير، وقطر ليست بعيدة عن رياحه، لكن الأوطان التي بنت مؤسساتها، ووحّدت صفوفها، وأعدّت أبناءها للأزمات، لا تسقط أمام العواصف، بل تخرج منها أصلب عودًا وأعمق وعيًا. قطر أمانة في أعناقنا، وحمايتها ليست مهمة يوم واحد، بل عهد يتجدد كل صباح، ومسؤولية يؤديها كل إنسان من موقعه، حتى تبقى هذه الأرض آمنة عزيزة، ويظل علمها مرتفعًا، ويصل إرثها إلى الأجيال القادمة أقوى مما تسلمناه.
5070
| 20 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
3390
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله. هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه. كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل. وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر. وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول. تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده. بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية. وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد. كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور. منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء. شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر. إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني». كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح. كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها. ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس. في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة. كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق. كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة: «ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟» لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان. كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا. لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة. عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره. كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها. وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل. وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة. وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم. ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته. وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع. وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط. وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى. كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد». وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى. عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث. وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده. وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا. وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية. لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا. رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
1863
| 19 يوليو 2026