رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يجمع المراقبون على أن ذكرى النكبة هذا العام كانت مختلفة في الشكل وفي المضمون ؛ أما شكلا فلم يكن التفاعل معها على طريقة المهرجانات والأحفال وأغاني العتابا والميجنة التي يغلب عليها الطرب والحبور والتي يكون فيها صوت المعاناة والتهجير نشازا أو رياء ، وأما في المضمون فمن رصد تصريحات العدو – قادته وكتابه – في تحليل ما جرى على الحدود وما يمكن أن يترتب عليه أو يتفاقم إليه يدرك أن هذه الذكرى في هذا العام كانت فارقة وانعطافا تصحيحيا لكيفية التعامل مع القضية والتأثير فيها لب هذا الانعطاف ولحمته إعادة الدور للشعوب وبالأخص للشباب وللتيار الإسلامي وهو ما عمل وحرص المحتل - ومن في حزبه منا ومنهم - أن يبعدوه عن المواجهة لتبقى في يد النظم التي تتفاهم وتتفهم مقتضيات الاحتلال وتتقاطع مع غاياته وتتقطع في خدمة أهدافه ..
زحفت الجموع تجاه حدود فلسطين وغالبيتهم من الشباب كفئة عمرية ومن اللاجئين الفلسطينيين كجوهر معاناة واهتزت تلك الحدود كما لم يحدث من قبل واخترق الشريط الحدودي في أماكن منه .. وتجاوز المشهد التعبير عن النكبة والمرارة وعن الشوق لفلسطين إلى التضحية من أجلها وإلى أن يسقط العشرات بين شهيد وجريح ما صبغ ذكرى النكبة بلون الجدية العالية ورسم أفقا لعمل كبير يبدو أنه صار يتحضر وينضج سريعا في الوجدان الفلسطيني والوجدان العربي العام .. العدو لم يستطع إخفاء خوفه من كل هذا ومن التطور الممكن له .. فجاءت تصريحاته وتعبيراته أشبه بالهيستيريا الإعلامية .. وكلها تحذر من أن الملايين سيكونون على الحدود في مناسبات أخرى .. فما الذي استجد على الحالة الفلسطينية وعلى مفهوم النكبة ؟ وأقول :
ذكرى النكبة هذه الأيام جاءت والعدو يمر على الصعيد السياسي والديبلوماسي بحالة عبرت عنها السفيرة السابقة للكيان في الأمم المتحدة "غابرئيلا شليف " بالقول : إن مكانة إسرائيل في الأمم المتحدة في الحضيض .. وعبر عنها أيضا رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية والرجل الثاني في حزب « كديما » المعارض شاؤول موفاز بقوله : إن " إسرائيل " تتصرف كالنعامة وتضع رأسها في الرمال ولا تبادر إلى شيء وهذه معادلة سيئة للغاية في هذا الوقت .. وقال « لم تكن حاجة لانتظار أحداث الأحد لنستوعب أن واقع الشرق الأوسط يشهد تغيرات جوهرية كبيرة وليست بسيطة ، وما حصل هو مقدمة لما سيحصل في أيلول المقبل من أحداث قد تداهمنا أمواجاً أمواجاً » جاءت ذكرى النكبة هذه الأيام والقضية الفلسطينية تستبشر وتعتجن بالثورات العربية ضد نظم طالما كانت جزءا من معادلات أمن العدو الصهيوني وطالما حمت حدوده وبعضها لا يزال يفعل البؤس نفسه حتى الآن .. المصالحة الفلسطينية أيضا أعطت هذه الذكرى زخما وحراكا ومساحة وقلصت من قدرة أجهزة أمن السلطة في الضفة على منع المواجهات – وإن حاولت ولم تفلح .. هذه الذكرى أتت أيضا على وقع تعاطف دولي غير مسبوق مع القضية تمثل في مواقف دول كثيرة في أمريكا الجنوبية وفي أوروبا من الدولة الفلسطينية القادمة ورفع التمثيل الرسمي الفلسطيني وتمثل في إجماع أربع عشرة دولة في مجلس الأمن للاستيطان الصهيوني بما فيهم روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين دائمات العضوية ولم تتخلف عنه إلا أمريكا دون سواها ..
هذه كلها مرافقات للنكبة وكلها تحولات ذات بعد استراتيجي وغير مرتبطة بتكتيك أو بحدث أو بظرف وسيكون لها ثقلها في رسم مستقبل القضية .. وليس صحيحا ما توهمه العدو من أن مواقع التواصل الاجتماعي على النت هي العلة وهي الحاسمة ليسعى في حجبها ومنعها ما يسعى ، وليس صحيحا أن هذا النفس الثوري المتأجج في الوجدان هو مجرد أحاسيس أو هيجانات عابرة .. ولكن الصحيح أنه تحول وتغير مادي ومعنوي نضج وأخذ حقيقيته وأحقيته من تراكم عشرات السنين من المعاناة والدماء والظلم ، ومن مثلها عشرات أخرى من الصمود والتضحيات والمقاومة والانتصارات ، والصحيح أنه ميراث طويل وجاد ويومي من التثقيف الوطني المتواصل من الأجداد إلى الآباء ومنهم إلى الأبناء ثم إلى الأحفاد .. والصحيح أيضا أنها مشروع متكامل من الفكرة إلى البرنامج إلى الأدوات ، ومن المكون الإنساني البشري كفاعل أساس إلى المكون العقائدي الأيديولوجي إلى القناعات ..
لقد فهم العدو ومن وراءه أن جموع الشباب الزاحفين إلى الحدود بدمائهم وعزلتهم ومسالمتهم وإن لم يخترقوها من الناحية المادية الميدانية إلا جزئيا أنهم اخترقوها معنويا وأسقطوا هيبتها مع ما سقط من جدار الخوف في نفوسهم .. العدو اقتنع اليوم أن مقولة الكبار سيموتون والصغار سينسون قد ولت إلى غير رجعة ، وفهم أن ما قام به هؤلاء الشباب إنما هو المقدمة والتجربة ( والبروفة ) لزحف شامل غدا تترسخ صورته ومداه في وجدانهم وقناعاتهم وعزمهم .. العدو يسأل نفسه اليوم : ماذا يستطيع أن يفعل لو أن مئات الآلاف وربما الملايين قدموا إلى الحدود من كل صوب مدنيين مسالمين وتقدمت معهم مئات أو آلاف كاميرات التصوير والتوثيق وعشرات أو مئات وكالات الأنباء ووسائل الإعلام والهيئات الحقوقية والأهلية والشخصيات العامة والمشاهير والنخب وذوي الثقل والاعتبار السياسي والفكري والاجتماعي ومن جنسيات عربية وغربية .. هل سيبقى عند ذلك الاحتلال احتلالا ؟ وهل سيبقى الكيان الصهيوني كيانا ؟ وحتى لو كان يملك كل أسلحة الدنيا وقتل منهم الآلاف سيبقى السؤال : وماذا بعد ؟ وهل يختلف الأمر بين أن يستشهد واحد وحده أو يكون معه عشرة أو ألف أو عشرة آلاف ممن يستنسخون منهجية ميدان التحرير وميدان التغيير ومواجهات الزنتان ووازن ومصراتة والبريقة وتضحيات درعا وحمص وبانياس وتلكلخ ؟ بالنسبة لمن يستشهد لا فرق ، ولا فرق أيضا بالنسبة للملايين الذين يموتون بلا ثمن وتتشابه بل تتماس حياتهم في كثير من الأحيان مع الموت .. أما الفرق الحقيقي فهو بالنسبة للكيان الصهيوني الذي سيكون قد اجتاحته الملايين من كل الجهات ..
أتذكر هنا ثلاثة أمور ؛ أتذكر مقولة للهالك بيجين – رئيس وزراء العدو سابقا – الذي قال في مذكراته : لو كان لدى الفلسطينيين عام 48 كاميرا تلفزيونية واحدة ما قامت " إسرائيل " .. يقصد أنها كانت ستفضح جرائمه وإرهابه وأن العالم لم يكن ليسمح بذلك ، وأتذكر يوم اجتاحت الزحوف حدود غزة مع مصر وفكت الحصار عنوة عنها .. يومها قال رئيس النظام الساقط ماذا أستطيع أن أفعل ؟ وأتذكر أيضا أن باراك – وزير حرب العدو – سئل ذات مرة : ما الذي تستطيعون فعله لو أن مئات الآلاف الغزيين اجتاحوا الحدود باتجاه مدنكم ؟ فكان جوابه : " ذلك يوم لا أحب أن أتخيله .." .
على العدو ومن لا يزال يحمي حدوده أن يعلموا أن إبقاء المعركة محصورة ومحدودة في نظمهم وتفاهماتهم وتقاطعاتهم قد ولى ، وأن يعلموا أن عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي والإسلامي وعن الشعوب قد صار نسيا منسيا وماضيا بائسا لا يحب أحد أن يتذكره ، وأن يعلموا أن الشباب الذين زحفوا إلى جسر الملك حسين ومارون الرأس والجولان .. والذين حاولوا ( أو جربوا ) اقتحام السفارة الصهيونية في الجيزة ليسوا مجرد شباب طائش ولا هم شباب مسلسلات هابطة وأغاني خليعة ولا هم صرعى لواعج حب منحرف .. ولكنهم شباب الثورات الذين حركوا المياه الراكدة وأزالوا نظما مستبدة وطواغيت كانوا متجذرين بمعادلاتهم الأمنية ومعالجاتهم الاستبدادية ..
آخر القول : في ذكرى النكبة هذه المرة أبدع الشباب فكرة الزحف إلى حدود فلسطين .. صحيح أن الفكرة لم تصل أفقها ومخططها وأن سقوط العشرات بين شهيد وجريح قد يبدو ثمنا غاليا بالنظر للعائد السياسي والميداني؛ لكن الفكرة كفكرة هي رائدة ومن بعدها سيكون المستقبل طموحا ومختلفا .. وسيأتي اليوم الذي لن يكون بعيدا لتجتاح مئات الآلاف من كل الجهات تلك الحدود وعندها لن ينتظر أحد الجيوش الرسمية ولن يأبه أحد بالنظم المتفرجة أو المتربصة .. ولولا ما جرى في تونس ومصر وما يجري في ليبيا واليمن وسوريا لكان مثل هذا الطموح مجرد خيال وهرطقة غير مفهومة .. الحقيقة أن تحرير فلسطين وتجسيد وعد الله بنصر المؤمنين ما كان يوما أقرب مما هو اليوم .. ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .
قطر وتعزيز فرص السلام
تواصل دولة قطر دعمها الكامل لكافة الجهود والمساعي الحميدة الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، والتوصل إلى حلول... اقرأ المزيد
81
| 18 يونيو 2026
الهوية التي انتصرت مع المونديال
•انطلقت كأس العالم 2026 بتنظيم ثلاثي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط أجواء صيفية وحماسية، لتنطلق معها... اقرأ المزيد
138
| 17 يونيو 2026
حكمة وحنكة القادة.. ونعمة الأمن وسط العواصف
لا شك أن منطقة الخليج تمر بواحدة من أدق وأخطر المراحل في تاريخها الحديث. فالأزمات تتلاحق، والتوترات الإقليمية... اقرأ المزيد
243
| 17 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17451
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7695
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4395
| 15 يونيو 2026