رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حينا بعد حين تتضاعف الأسئلة الحائرة المثارة حول مستقبل الديمقراطية في مصر
(١)
حين وجهت النائبة الإسبانية، ارنيست مارجال عضو البرلمان الأوروبي سؤالا إلى الوفد المصري حول وضع التحول الديمقراطي في مصر، كانت خلاصة الرد أن العملية تستغرق ما بين خمس إلى عشر سنوات.
هذه المعلومة أبرزتها الصحف المصرية الصادرة يوم الجمعة الماضي (١٥/٤) في سياق استعراضها لما حققته زيارة الوفد البرلماني المصري لمقر البرلمان الأوروبي في بروكسل، لاحتواء آثار البيان الذي أصدره البرلمان المذكور وانتقد فيه انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
لم نتعرف على الأساس الذي بنى عليه أعضاء الوفد المصري تقديرهم للفترة اللازمة لإنجاز التحول الديمقراطي، لكن الملاحظ أن المدة اختلفت عن تلك التي سبق أن أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي. ذلك أنه ذكر في الحوار الذي أجرته معه مجلة «جون افريك» الفرنسية (في ١٤ فبراير الماضي) أن الديمقراطية عملية مستمرة يتطلب تحقيقها في مصر فترة تتراوح بين ٢٠ إلى ٢٥ سنة. وعندما ألقى عليه نفس السؤال في اجتماعه مع رئيس مجلس النواب الأمريكي والوفد المرافق له (في ٧/٤) كان رده أن العملية الديمقراطية مستمرة ولا يمكن تحقيقها بين عشية وضحاها.
هذه الخلفية تسلط الضوء على عدة ملاحظات هي:
< إن ثمة قلقا أوروبيا وأمريكيا على الحالة الديمقراطية في مصر.
< إن الاتفاق منعقد على أن الوضع الحالي ليس ديمقراطيا، وهو ما لم يختلف عليه المصريون مع الأوروبيين أو الأمريكيين.
< إن السؤال لم يعد مثارا حول ما إذا كانت في مصر ديمقراطية أم لا، ولكنه أصبح ينصب على الأجل الذي يمكن أن يتحقق فيه التحول المنشود.
< إنه ليس هناك معيار واضح يمكن أن تقاس به جدارة مصر بالاستحقاق الديمقراطي، كما أن أجل توفير ذلك الاستحقاق مفتوح. آية ذلك أن الوفد البرلماني قدره بما يتراوح بين ٥ وعشر سنوات، في حين وصل به الرئيس السيسي إلى ما بين ٢٠ و٢٥ سنة.
< في كل الأحوال فإن التحول الديمقراطي يظل حلما مؤجلا وليس حالا.
(٢)
هذه الخلاصة تبدو محيرة في بلد عرف الحياة الحزبية منذ أكثر من قرن من الزمان. ذلك أن أغلب المؤرخين المصريين يتفقون على أن «حزب الأمة» الذي تشكل في شهر سبتمبر عام ١٩٠٧ هو أول الأحزاب المصرية التي تكونت بشكل رسمي. ورغم أن عدة مجموعات سياسية ظهرت قبل ذلك وقدمت نفسها باعتبارها أحزابا إلا أنها كانت مجرد تيارات نهضت لمقاومة الاحتلال البريطاني. غير أن الأحزاب المصرية تبلورت بصورة أوضح وأكثر فعالية مع ثورة ١٩١٩، وانتعشت في ظل دستور ١٩٢٣، الذي أسس لما سمي «بالمرحلة الليبرالية» التي استمرت حتى عام ١٩٥٢. وخلال تلك الفترة كان حزب الوفد هو ممثل الأمة، كما أنها شهدت تداولا للسلطة مع حزب الأحرار الدستوريين والحزب الوطني وغيرهما من أحزاب الأقلية.
خلال تلك المرحلة الليبرالية، شهدت مصر صراعا بين ثلاث قوى هي: الملك والاحتلال وحزب الوفد. ويشهد المؤرخون بأنها اتسمت بحيوية سياسية نسبية، ساعد عليها أمران، أولهما إن الدستور أرسى أساس الحكومة الدستورية والحكم الملكي المقيد، كما أرسى الأساس لدولة القانون التي تقوم على الفصل بين السلطات، ووضع حدودا عامة لسلطات الملك والحكومة والبرلمان. الأمر الثاني أن وجود الاحتلال البريطاني أعطى للجماعة الوطنية هدفا واضحا يبرر الاحتشاد حوله.
إزاء ذلك بوسعنا أن نقول إنه في ظل دستور ١٩٢٣، وطوال ثلاثين عاما تقريبا (حتى قامت ثورة يوليو عام ١٩٥٢) خطت مصر خطوات عدة على طريق الممارسة الديمقراطية فكان للمجتمع حضوره المعتبر ممثلا في الأحزاب السياسية وفي مجلس الشيوخ والنواب، وعرفت تلك المرحلة تداول السلطة بين أحزاب الأغلبية كما عرفت الصراع بين تلك الأحزاب وبين الوفد وبين كل من الملك وسلطة الاحتلال، إلا أن المسيرة الديمقراطية توقفت مع سقوط الملكية وقيام الضباط الأحرار بثورة ١٩٥٢، الأمر الذي أدى إلى وقف العمل بالدستور وإلغاء الأحزاب، وتولى مجلس قيادة الثورة إدارة دفة الأمور في البلاد.
في ظل النظام الناصري تم تجميد المسيرة الديمقراطية لأسباب يمكن تبريرها، يتعلق بعضها بإزالة آثار النظام القديم ويتعلق البعض الآخر بتغيير أولويات النظام الجديد الذي شغل بالدفاع عن استقلال مصر ومساندة حركات التحرر الوطني، وتحدي قوى الهيمنة في ذلك الزمان، وهو ما عرض مصر للعدوان مرتين (في عامي ١٩٥٦ و١٩٦٧) ورغم زوال تلك الأسباب في مرحلة السادات فإن تعطيل المسيرة الديمقراطية لم يستمر فقط. ولكنه تعرض للتشويه في ظل التعددية المصطنعة التي سمح خلالها بإقامة ثلاثة منابر لليمين واليسار والوسط في عام ١٩٧٦. وكان السادات هو من قوضها باعتقالات سبتمبر ٧٩. وحين جاء مبارك فإنه أبقى على الأنقاض السياسية التي خلفها السادات كما هي، في حين ظلت مراهنته الأساسية على جهاز أمن الدولة الذي أصبح حزبه الحقيقي. وخلال سنوات حكمه الثلاثين ظلت المسيرة الديمقراطية محاصرة في غرفة الإنعاش، إلى أن ماتت السياسة بمضي الوقت، ولم تبعث إلا على وقع ثورة ٢٠١١. وحين أطلق دستور ٢٠١٣ تشكيل الأحزاب فإن قصر التجربة لم يسمح لها بأن تنمو ولا أتاح للبرلمان المنتخب أن يثبت حضوره. إلى أن سقط حكم الإخوان في عام ٢٠١٣، وقادت القوات المسلحة التحول الذي أفضى إلى ما نحن بصدده. وبعد صدور دستور المرحلة الجديدة في عام ٢٠١٣ أشرفت الأجهزة الأمنية على انتخابات مجلس النواب في عام ٢٠١٥، وبه أصبح لدينا برلمان بلا معارضة وأحزاب بلا فاعلية، الأمر الذي أعاد المسيرة الديمقراطية إلى نقطة الصفر.
(٣)
في ظل الوضع المستجد أصبح التحول الديمقراطي قضية مؤجلة، وتراجعت أولوية السياسة لصالح إنقاذ الاقتصاد الذي أصبحت القوات المسلحة رافعة أساسية له. وفي ترتيب أولويات المرحلة دأب الخطاب السياسي والإعلامي على الحديث عن الإرهاب تارة واستهداف مصر ومحاولات إسقاط نظامها تارة أخرى، من ثَمَّ احتلت الحرب على هاتين الجبهتين أولوية قصوى. سوغت تعطيل مسار التحول الديمقراطي وتبرير الإجراءات الاستثنائية والانتهاكات التي وقعت لمواجهة احتمالات الخطر المفترضة، الكامنة في الداخل أو تلك التي تهب رياحها من الخارج. إلا أن ذلك الخطاب يبدو ذرائعيا ولا يصمد كثيرا أمام التفكيك والتحليل.. لماذا؟
لأن الإرهاب في وضعها الراهن محاط بغموض كبير ولا وجود له على الأرض إلا في شبه جزيرة سيناء، وما أصاب بقية أنحاء مصر منه إما أنه كان من أصداء ما يجري في سيناء (تفجير بعض مديريات الأمن مثلا أو استهداف كمائن الشرطة)، أو أنه تمثل في حوادث محددة من أصداء الصراع السياسي الذي ترتب على عزل الرئيس الأسبق وإسقاط نظامه. ورغم أننا لا نعرف حقيقة ما يحدث في سيناء، إلا من خلال وجهة نظر واحدة فإن محاسبة المسؤولين عن كل حوادث العنف ليست محل خلاف. إلا أن الخلاف يثور حين يتعلق الأمر بالحجم الحقيقي للظاهرة خارج سيناء وإلى أي مدى تعتبر إرهابا يهدد بإسقاط النظام وليس مجرد المشاغبة عليه والتنفيس عن الغضب إزاءه. ناهيك عن أننا لا نعرف على وجه الدقة هوية الفاعلين ودوافعهم إلى ذلك. ولأن تاريخ المرحلة كلها تكتبه الأجهزة الأمنية وإدارات التوجيه المعنوي وتروجه وسائل الإعلام، فإن وصف ما يجري في مصر بأنه خطر للإرهاب يظل قرارا سياسيا وليس تشخيصا موضوعيا للواقع، علما بأن السلطة تعترف بذلك علانية حين تدعو المستثمرين وتغريهم بالقدوم إلى مصر، وما كان لها أن تفعل ذلك لولا أنها تدرك جيدا أن موضوع الإرهاب ليس بالخطورة التي يسوقها الإعلام.
المبالغة والإدعاء في مسألة التآمر الخارجي لإسقاط الدولة في مصر أكثر وضوحا. ذلك أن التآمر حدث في المرحلة الناصرية حين كانت مصر مؤثرة ومهددة لمصالح بعض الدول الكبرى في المنطقة العربية والعالم الثالث. إلا أن مصر الراهنة فقدت تأثيرها ولم تعد تغضب الدول المحيطة، بما في ذلك إسرائيل عدوها الاستراتيجي والتاريخي، وبالتالي لم يعد هناك أي مبرر للتآمر عليها. وإذا كان لها بعض المعارضين الذين ينشطون في الخارج، أو يستثمرون أجواء حرية التعبير هناك لانتقاد نظامها أو التواصل مع السياسيين الغربيين. فإن ذلك مما يتعذر وصفه بأنه تآمر لإسقاط الدولة، لأن العبرة في النهاية بمواقف العواصم الغربية وقرارها السياسي وليست بتصريحات بعض الساسة فيها.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعنى أن الحديث عن مخاطر إسقاط الدولة بالإرهاب أو بمؤامرات الخارج لا يستند إلى حقائق موضوعية، وإنما هو من قبيل التهويل السياسي الذي يحاول إذكاء الشعور بالخطر والحاجة إلى الاحتماء بسلطة الدولة وعضلاتها. وفي الوقت ذاته يبرر الإجراءات الاستثنائية وتشديد القبضة الأمنية، بما يؤدي تلقائيا إلى ترحيل الإصلاح السياسي بدعوى إن الوطن في خطر وهناك ما هو أهم منه.
(٤)
التحول الديمقراطي ليست له «روشتة» واحدة، وفي الكتاب الذي أصدرته المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (نشرت دار الشروق ترجمته العربية في العام الماضي) دراسة متميزة لتجارب تسع دول نجحت في إنجاز التحول المنشود. وقدمت الدراسة من خلال حوارات مباشرة أجراها فريق من الخبراء والمتخصصين مع الرموز التي حققت الإنجاز. ورغم اختلاف ظروف البلاد التسعة إلا أن الحوارات خلصت إلى ضرورة توفر عوامل عدة لإنجاز التحول الديمقراطي في المقدمة منها ما يلي: حيوية الحركات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني صاحبة المصلحة في التغيير ــ وضوح الرؤية لدى القوى السياسية والاجتماعية وتوحدها مع التركيز على ما يوحد الجماهير ولا يفرقها ــ إحكام السيطرة المدنية على الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات مع ضرورة الفصل بين الشرطة ومهام الجيش ــ الالتفاف حول القيادات التي ينعقد من حولها الإجماع الوطني ــ تحقيق العدالة الانتقالية بالتوازي مع استمرار القطيعة مع النظام السابق (الاستبدادي).
الخبرات التي عرضها المؤلفون في نحو ٧٠٠ صفحة تضمنت دروسا نفيسة سلطت أضواء كاشفة على التجارب المختلفة التي مرت بها الدول التسع. وقد أقنعتني مطالعة الكتاب بأن مصر لم تبدأ بعد رحلة الإقلاع نحو التحول الديمقراطي. وهو ما يؤيد وجهة النظر غير المتفائلة، التي لا تتحدث عن أجل بعيد فحسب، وإنما نرى بأننا صرنا بعيدين حتى عن نقطة البداية. وأن الأثمان الباهظة التي دفعها ثوار ٢٥ يناير إذا كانت قد وضعت مصر على بداية الطريق، فإن ما آلت إليه الأمور بعد ذلك كان بمثابة تراجع عن تلك البداية. وذلك ليس مفاجئا تماما، لأن خبرات التاريخ علمتنا أن انتكاسة الثورات قاعدة وليست استثناء، وأن نجاحها لا يتحقق إلا بالإصرار على مواصلة الطريق أيا كانت تكلفته وتلك رسالة نحن أشد ما نكون في حاجة إلى قراءتها واستيعاب مضمونها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
672
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2325
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1191
| 11 أكتوبر 2026