رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة حاجةٌ ماسة، على مدى الأسابيع القادمة، لفهم طريقة تفكير الرئيس الأمريكي باراك أوباما، خاصةً فيما يتعلق برؤيته لمحددات وثوابت علاقة الولايات المتحدة مع كلٍ من إيران والعرب.
لاتهدف مثل هذه العملية الحساسة لـ (التأقلم) مع مايريده الرجل، كما يعتقد البعض بسطحيةٍ تتلبس مسوح الواقعية. على العكس من ذلك، تبدو المرحلة الحالية بامتياز، أمريكياً ودولياً وإقليمياً، المرحلة التي يمكن فيها للعرب التعامل بدرجةٍ من الندية مع أمريكا لم تحدث من قبل.
هناك شيءٌ يتبلور يمكن تسميته بـ (عقيدة أوباما)، بمعنى الرؤية الاستراتيجية التي تحكم طريقة صناعة السياسة لديه وفي أوساط إدارته، وفهمُ هذه العقيدة بشمولٍ ودقة هو الذي سيمُكِّنُ العرب من التعامل معها ومع صاحبها بما يحقق مصالحهم.
شاعت الانتقائية من لقاء أوباما الشهير مع توماس فريدمان، وهو يُعتبر بحق مادةً ثريةً تحتاج إلى الكثير من التحليل في هذا المجال. ولتجنب التشويه وتلك الانتقائية ننقل فيما يلي ترجمةً حرفية لإجابةٍ على سؤال يتعلق بإيران تحديداً، يجب الاطلاع عليه كاملاً لمن يحاول الفهم. حيث قال أوباما:
"إيران لاتحتاج إلى قدرات نووية لتُصبح قوة كبرى في المنطقة.. وأقول للشعب الإيراني: إيران لاتحتاج إلى أن تكون ضد السامية أو ضد إسرائيل أو ضد السنة لتصبح قوةً مُعتبرة. إيران لديها المقومات والكمون لو أنها كانت لاعباً دولياً مسؤولاً، ولو أنها لم تدخل في حالة من الخطاب العدائي ضد جيرانها، ولو أنها لم تعبر عن معانٍ معادية للسامية واليهودية، ولو أنها حافظت على قوةٍ عسكرية لتحمي نفسها، لالتتدخل في حروب بالوكالة في المنطقة. فقط بمقاييس بحجمها ومصادرها وشعبها، ستكون قوة إقليمية كبيرة جداً. وأملي هو أن يدرك الشعب الإيراني هذه الحقائق. من الواضح أن جزءاً من السيكولوجية السائدة في إيران متجذرٌ في التجارب الماضية. في الشعور بأن بلدهم كان يُنظر إليه دونياً، وأن الولايات المتحدة والغرب تورطوا، أولاً في ديمقراطيتهم [في إشارة لتجربة مصدق]، ثم في دعم الشاه، ثم في دعم العراق وصدام خلال تلك الحرب الوحشية. وهكذا، تحاورت مع فريقي بأن علينا أن نفرق بين إيران الهجومية بمنطلقات أيديولوجية، وبين إيران الدفاعية التي تشعر بدرجة من الضعف والامتهان، وهم يتصرفون بهذه الطريقة لأنهم يحسبون أنها الوحيدة التي يمكن معها تجنب تكرار ماحدث في الماضي. إذا استطعنا المضي قدماً في هذا الاتفاق، وأريد التأكيد هنا بأننا لم ننتهِ من الموضوع، فهناك الكثير من التفاصيل، والكثير من التراجعات، والكثير من المنزلقات والصعوبات السياسية في إيران وهنا في أمريكا. ولكن، إذا تمكنا من الاتفاق، فإن مايمكن أن يحدث، وأنا لا أعتمد على ذلك، هو أن هناك قوىً في إيران ستقول: إننا لانحتاج لأن نرى أنفسنا كلياً من خلال منظور آلتنا الحربية. فلنتقدم في حقول العلوم والتكنولوجيا وخلق فرص العمل وتنمية أبناء شعبنا. و[في حال الاتفاق فإن] من يفكر بهذه الطريقة سيصبحون أكثر قوة. لكنني أقول هذا مع التأكيد بأن الاتفاق الذي نعمل عليه ليس قائماً على فكرة تغيير النظام. إنه اتفاقٌ جيد حتى لو لم تتغير إيران أبداً. حتى لو كنتَ مقتنعاً، مثل نتنياهو مثلاً، بأنه لافرق بين هذا الفريق أو ذاك.. نحن أقوياء بشكلٍ كافٍ بحيث يمكننا الحكم على مثل هذه القضايا [والتصرف حيالها] دون أن نصل إلى مرحلة المخاطرة.. وحين نرى أنها لاتقود إلى مُخرجات أفضل فإن بإمكاننا على الدوام تعديل سياساتنا.. من يعلم، فقد تتغير إيران. ولكن إن لم يحصل هذا فقوتنا وإمكاناتنا العسكرية باقية ومعروفة.."
يمكن أن نمارس هجاء السياسة الأمريكية إلى يوم الدين، لكن هذا لن ينفع في تغيير التوصيف (الطبيعي) الذي يراه أوباما لموقع إيران في المنطقة، ولمحددات السياسة المطلوبة منها لـ (يُفسحَ) لها المجال بحيث تحتله، وهي محدداتٌ واضحةٌ ومُفصَّلة. وفي الحقيقة، يمارس الرجل السياسة بطريقةٍ شمولية تتجاوز النظرات الجزئية السائدة أحياناً في المنطقة.
يستعمل أوباما كل الأوراق الموجودة بيده سوياً، دون أن يعتمد على واحدةٍ أو اثنتين منها فقط. يُغري الشعب بمنافع (التغيير) في عقلية السلطة وفكرها السياسي، لكنه يُطمئن هذه الأخيرة بأنه لايهدف لإسقاطها. يؤكد على (السياسة) ومكتسباتها ويُشير إلى (السلاح) وإمكاناته. يحاول ضبط الحاضر بإكراهاته العاجلة وعينهُ على المستقبل بكمون التغيير الوارد فيه.
كأن الرئيس الأمريكي يقول للإيرانيين شعباً وحكومة: "أنا فهمتكم". هذه مقولةٌ باتت مشهورةً في تاريخ العرب المعاصر، لكن الفارق الكبير يكمنُ فيمن يقولها. أعرف حجمكم ووزنكم في المنطقة، يقول أوباما. أعرف تاريخنا معكم، يُتابعُ قائلاً. تصرفوا بعقلٍ ولاداعي لخطابٍ متهور يؤثر سلبياً على وزنكم وعلى طريقة تعاملنا معكم، يختم حديثهُ لهم.
هو نوعٌ من (توازن الرعب) ممزوجٌ بمحاولةٍ لـ (العَقلنة) يطرحهُ رئيس القوة الكبرى في العالم، خياراً مُختلفاً، على قوةٍ إقليمية تبدو (مُستعجلةً) لتحقيق طموحاتها السياسية المخلوطة بالأيديولوجيا. وقد تثبتُ الأيام أن إيران التي ينصحُ الرجلُ الإيرانيينَ بملامحها قد تكون أخطرَ، استراتيجياً، من إيران الحالية.
لكن مايهم العرب في الموضوع يتمثل في الثوابت التي ينطلق منها أوباما في رؤيته لإيران والإيرانيين وتعامله معهما. وهذا موضوعُ مقالٍ آخر.
الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار
ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ... اقرأ المزيد
48
| 04 مارس 2026
فوضى الحرب لا تنتصر
في اليوم الخامس من المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وفي قلب الخليج العربي والفوضى التي تتصاعد يوما بعد... اقرأ المزيد
48
| 04 مارس 2026
صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهد لم يكن معتادا لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن هجمات... اقرأ المزيد
69
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2163
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2151
| 25 فبراير 2026