رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تساهم فرص العمل القوية وعدم فرض ضريبة على الدخل والاستقرار السياسي والاقتصادي في جعل قطر دولة جذابة للعمال الوافدين. فهل يمكن اتخاذ المزيد من الإجراءات لتشجيعهم على الاستثمار داخل قطر؟ تطور الاقتصاد القطري بشكل قوي خلال العقود الأخيرة، ولم يكن بمقدور دولة قطر أن تفعل ذلك بدون المساهمة الكبيرة من العمال الوافدين، سواء من الموظفين الإداريين أو العمال، لإنشاء البنية التحتية والحفاظ على الصناعات والخدمات في البلاد وتنميتها.
وقد ارتفعت أسعار الفائدة خلال الأشهر القليلة الماضية، بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وكان لهذا الارتفاع تداعيات كبيرة على دول الخليج والوافدين، حيث تتمتع المنطقة باقتصاديات وعملات قوية مرتبطة بالدولار. ولهذا السبب، صب ارتفاع سعر الصرف في العديد من البلدان الأصلية للوافدين في مصلحتهم، وإن كان هذا الارتفاع يترك تداعيات سلبية على عائلاتهم المقيمة في أوطانهم. وعندما يكون هناك إعادة تقييم لأسعار العملات في بلدان الوافدين، يكون هناك حافز لتحويل المزيد من الأموال للاستفادة منها. ومع ذلك، انخفض سعر العملة بشكل كبير في بعض الدول، وأُدخلت ضوابط على حركة رؤوس المال إلى جانب فرض قيود على عمليات السحب المصرفية بالدولار، لذا بات من المنطقي بشكل أكبر للوافدين الاحتفاظ بالمزيد من الأموال في قطر، وتحويل مبالغ أصغر.
وتبلغ نسبة الوافدين في قطر أكثر من 85٪ من تعداد السكان، وقد تجاوزت المبالغ التي يحولونها 40 مليار ريال قطري (11 مليار دولار) سنويًا خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما مثَّل 6.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر في عام 2021، وفقًا لأرقام البنك الدولي. وقدرت بعض المصادر الأخرى المبالغ المحولة برقم أعلى. وقد انخفضت مبالغ التحويلات خلال فترة انتشار جائحة كوفيد-19، لكن المؤشرات تشير إلى أنها آخذة في الارتفاع منذ ذلك الحين.
ويحول العديد من الأفراد الأموال لإعالة أسرهم والاستثمار في العقارات في أوطانهم. ومع ذلك، يحتفظ الكثيرون أيضًا بمدخراتهم في بلدانهم الأصلية، ويقومون باستثمارات هناك. ويثير ذلك مسألة ما إذا كان بإمكان المؤسسات القطرية اتخاذ المزيد من الإجراءات لتشجيع الاستثمار داخل البلاد، للاحتفاظ بالمزيد من الثروة المكتسبة هنا، والمحافظة على احتياطي النقد الأجنبي. وتنتمي شريحة جيدة من الوافدين إلى فئات الدخل المتوسط والعالي. ويمكن لهذه السياسة أن تشجع الاستثمار في السوق القطري، بما في ذلك الشركات الناشئة وبورصة قطر.
وقد كان التركيز منصبًا خلال السنوات القليلة الماضية على تشجيع الاستثمار القادم من الخارج. ولا يوجد هناك اهتمام مماثل بكيفية الاحتفاظ بالثروة الداخلية المتحققة في البلاد. وهناك مبادرات أطلقتها وزارة التجارة، Invest Qatar، ومركز قطر للمال، وبنك قطر للتنمية، وهيئة المناطق الحرة في قطر، وبورصة قطر وغيرها من الجهات لتعزيز الاستثمار في قطر. وتستهدف هذه المبادرات بشكل أساسي الاستثمارات الخارجية القادمة إلى البلاد، ولا يبدو أن هناك استراتيجية مركزية شاملة بين هذه الجهات، وهو ما يعني وجود تداخلات وازدواجية.
ومن التدابير الواضحة للاحتفاظ بالمزيد من رؤوس الأموال داخل البلاد تعزيز الحوافز المقدمة لتملك العقارات. ويتمتع المقيمون غير القطريين بحرية شراء المنازل في الدولة في عدد من المناطق المحددة. وبالنظر إلى أن العديد من الوافدين يقيمون في قطر لمدة خمس سنوات أو أكثر، فإن هذا أمر منطقي ويحقق فوائد متبادلة، حيث يكتسب المقيم أصولاً ويشعر بالاستقرار، بينما تستفيد دولة قطر من كونه سيستثمر بشكل أكبر داخل البلاد، ومن المرجح أن يلحق أطفاله بالمدارس أو الجامعات المحلية، وأن ينفق أو يستثمر دخله ومدخراته بطرق تعود بالنفع على الاقتصاد القطري. ويمكن للهيئات التنظيمية والبنوك الوطنية التأكد من سهولة الحصول على الرهون العقارية للوافدين، وهو ما يشجع على تملك العقارات ويؤدي بالتالي إلى تشجيع المقيمين على تعزيز استثماراتهم في قطر. ويمكن أن تكون تأشيرة المستثمر، التي تغطي عقارًا واحدًا للاستخدام الشخصي أو استثمارات أخرى جذابةً وذات منفعة متبادلة. ويمكن السماح للوافدين الحاصلين على تأشيرة مستثمر والذين يمتلكون عقارًا بالبقاء والعمل دون الحاجة إلى كفالة من أصحاب العمل، وهو ما سيشجعهم على البقاء والاستثمار في الدولة. وينبغي صياغة سياسة واضحة موحدة تشمل جميع الأطراف المعنية وتنفيذها على المستوى الوطني.
ويمثل امتلاك الأسهم خيارًا آخر للوافدين، حيث تتميز سوق الأوراق المالية في قطر بالنضج، وتضم شركات تتمتع بأرباح وآفاق قوية. وهناك سيولة عالية، لذلك يبدو من السهل دخول السوق والخروج منها. ومع ذلك، يمكن تبسيط عملية إنشاء الحسابات للاستثمار في الأسهم. ويجب تحسين عملية فتح الحساب عبر الإنترنت، مع مراعاة المتطلبات واللوائح اللازمة. وهناك العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة لمقيمين غير قطريين، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر في بعض الحالات. وتنفذ الحكومة إصلاحات لتوفير المزيد من الشفافية حول المالك المستفيد الحقيقي. ويجب إعادة استثمار الأرباح الناتجة من هذه الشركات داخل قطر بدلاً من تحويلها إلى الخارج من قبل الملاك المقيمين. وسوف تساعد المزيد من الاستثمارات، بما في ذلك في الشركات الناشئة، على تحقيق النمو الاقتصادي في البلاد، واستقطاب رواد الأعمال الأذكياء، مع تحقيق نمو كبير محتمل في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية. استقرار الاجانب واستثماراهم في قطر سيخلق ثروات جديدة للمواطنين من خلال رفع قيمة الاصول الموجودة وايجاد فرص جديدة لخلق الثروة للأجيال القادمة في قطر.
توفر قطر ملاذًا آمنًا وفرصًا واعدةً لعائدات المستثمرين في وقت تميزت فيه العديد من الاقتصادات بتعثرات البنوك وانخفاض العملات وضوابط حركة رؤوس المال. إن تحويل نسبة كبيرة من الثروات المتحققة في قطر إلى الخارج أمر مثير للقلق ويجب معالجته على أعلى المستويات الحكومية، لأنه يمثل فرصةً واعدةً لنمو الاقتصاد القطري وللحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2541
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2325
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1191
| 11 أكتوبر 2026