رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبذل قطر جهوداً ملحوظة لدعم العديد من القضايا المتعلقة بالاستدامة، ومنها التنوع المستمر للاقتصاد، والتوسع في الموارد المتجددة، وتقليل النفايات، وتعزيز كفاءة استخدام المياه، والأمن الغذائي، والحفاظ على التنوع الحيوي الفريد لبيئتها الصحراوية ونظمها البيئية.
وهذه التحديات الخطيرة لا تواجهها قطر وحدها، بل تعاني منها الكثير من المجتمعات التي تعيش في المناطق الحارة والقاحلة. ولهذا أطلقت مؤسسة قطر في مارس 2022 مركز "إرثنا" ليكون داعماً أساسياً في رسم سياسات الاستدامة محلياً وعالمياً وتصحيح التصورات المتعلقة بها.
ومن أبرز التصورات عن الاستدامة في قطر اختلال القدرة البيولوجية لنظامها البيئي وارتفاع معدل انبعاثات الغازات الدفيئة للفرد الواحد، وهي تصورات تعجز عن فهم الاستدامة في سياق كل دولة، ولا تعي الإسهامات التي تقدمها قطر لخدمة مجال الاستدامة عالمياً، وسيتضح ذلك بالنظر إليها وتحليلها عن قرب.
اختلال القدرة البيولوجية للنظام البيئي
فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإن المقياس الدولي للبصمة البيئية يصنّف قطر بالفعل من بين أكبر الدول التي تعاني اختلالات في "القدرة البيولوجية للنظام البيئي"، أي الإفراط في استخدام مواردها الطبيعية إلى حد يفوق قدرة هذه الموارد على التجدد. فلو افترضنا على سبيل المثال أن اقتصاد دولة ما يعتمد اعتماداً رئيساً على صادرات الأخشاب، فيجب على هذه الدولة ألا تقطع الأشجار بمعدل يفوق قدرة الغابات على النمو اللازم لاستبدال الأشجار التي قُطعت. ولذا، نجد أن معظم الدول تراعي في استراتيجيات التنمية استخدام مواردها في حدود قدرات هذه الموارد على التجدد بصورة طبيعية؛ حفاظاً عليها من النضوب.
لكن الوضع مختلف تماماً بالنسبة إلى قطر ولا يمكن تطبيق نفس المعايير عليها؛ لأن اقتصادها لا يعتمد على مصادر متجددة، فهي دولة ذات مساحة محدودة للغاية، وتقع في أقحل الصحاري على وجه الأرض. ومن ثم، فإن بيئتها الطبيعية أو "قدرتها البيئية"، لا تكفل استدامة اقتصادها، بل تعتمد في اقتصادها على موارد طبيعية غير متجددة، وأهمها صادرات الغاز الطبيعي. وقد أحسنت قطر استغلال هذه الموارد غير المتجددة في امتلاك ثروة بشرية وإنشاء بنية تحتية هائلة وبناء رصيد من الاحتياطيات المالية، وهو ما أسهم في تحقيق ازدهار واسع لسكانها. لذا، يجب أن تُفهَم الاستدامة هنا في سياق هذا التحول المتعلق بالثروة.
أعلى معدل لانبعاثات الغازات الدفيئة
وبالنسبة إلى النقطة الثانية المتعلقة باتهام قطر بأنها أعلى دول العالم في معدلات انبعاثات الغازات الدفيئة للفرد الواحد، فيجب سرد بعض الحقائق لتوضيح الأمر. صحيح أنه لا خلاف على أهمية تقليل قطر للانبعاثات والتشجيع على ترشيد الطاقة والانتقال إلى استخدام الطاقة المتجددة لتعزيز اقتصادها والوفاء بالتزاماتها الدولية، ولكن من الخطأ توجيه أصابع الاتهام إليها من خلال حساب الانبعاثات على أساس نصيب الفرد، لاسيما إذا كان مجموع انبعاثاتها ضئيلاً، إذ تبلغ حجم الانبعاثات الصادرة عن قطر حوالي 106 ملايين طن من مكافئات ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وهو ما يمثل أقل من خُمس الواحد بالمئة من مجموع الانبعاثات على مستوى العالم.
هناك أيضاً أحد العوامل المهمة التي يجب النظر إليها من زاوية مختلفة وهي صادرات قطر من الغاز الطبيعي. تصدّر قطر الغاز لدول تعتمد اعتماداً رئيساً على الفحم لتوليد الكهرباء. وإذا ما علمنا أن الانبعاثات الصادرة عن كل وحدة من الغاز تساوي فقط نصف الكمية الناتجة عن الفحم، فإن النتيجة المنطقية هي أن قطر تساعد في خفض نسبة الانبعاثات من خلال استبدالها الغاز بالفحم في هذه الدول.
كذلك لا ننسى الدور الذي يلعبه الغاز في اتفاق باريس للمناخ الذي ينشُد الحفاظ على مستويات درجات الحرارة عند 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2050، إذ يعد الغاز عاملاً حاسماً في تحقيق هذا الهدف، وهو ما نصَّت عليه الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في أحدث تقاريرها. وهكذا نرى أن قطر تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الاستدامة على مستوى العالم كما أوضحنا وليس العكس باعتبارها من كبار مصدري الغاز.
أضف إلى ذلك أن قطر تبذل جهوداً كبيرة لقيادة المسيرة نحو خفض الانبعاثات وإزالة الكربون من سلسلة القيمة للغاز الطبيعي المسال من خلال تقليل الاحتراق، وضخ استثمارات هائلة في مشروعات الطاقة المتجددة لدعم مرحلة انتقالها إلى استخدام الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى استثماراتها في التكنولوجيات الجديدة لالتقاط الكربون وتخزينه، وفي الهيدروجين، وهي استثمارات سيعم نفعها على البشرية أجمع.
دور مركز إرثنا
وأخيراً، ما نريد أن نوضحه هنا أن أي مسار تتبناه أي دولة لتحقيق الاستدامة يجب أن يرتبط بواقعها وألا ينفصل عن سياقها، وليس بالضرورة أن يكون مشابهاً لأنظمة تتبعها دول أخرى. هذه الأمثلة التي أوردناها وغيرها من التصورات والسياسات والمسارات المتعلقة بالاستدامة تحتاج إلى إعادة النظر والتعامل معها برؤية مختلفة، وهنا يأتي دور "إرثنا" الذي نأمل أن يسهم في إعادة تعريف الاستدامة ورسم سياساتها وتصحيح المفاهيم المتعلقة بها ليس في قطر فقط بل وفي جميع البلدان الحارة والقاحلة على مستوى العالم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
2484
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1452
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي، دار بيني وبين سائق الليموزين – وهو عامل من الجنسية الهندية – حوار بسيط في شكله، عميق في مضمونه. بدأته بدافع الفضول: سألته متى قدم إلى قطر؟ فقال: منذ عام 2018 وحتى اليوم. ثم استرسل في الحديث بعفوية وصدق، حتى وجدت أن مجمل ما قاله يمكن اختصاره في ثلاث نقاط أساسية، لكنها كفيلة بأن تقول الكثير عن هذا الوطن. أولًا: أهل قطر… السمعة قبل الكلام تحدث الرجل عن أهل قطر بإعجاب واضح، قائلاً إنهم ناس محترمون، متحضرون، لا تصدر منهم إساءة، ويحترمون الكبير والصغير والغريب قبل القريب. وأضاف عبارة لافتة: أحيانًا يفتعل بعض الناس مشاكل ويقولون إنهم من أهل قطر، لكننا نعرف أن هؤلاء ليسوا قطريين… لأن القطري معروف ولا يقول عن نفسه أنا قطري !، ثم ان أهل قطر معروفون بأخلاقهم. وأكد أنه لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن انطباعٍ عام لدى كثير من العمالة الآسيوية. اعتراف صادق فجّر في صدري شعورًا بالفخر، لأن السمعة الطيبة لا تُصنع بالإعلام، بل بالسلوك اليومي. ثانيًا: الأمن والأمان… سبب البقاء انتقل للحديث عن قطر كدولة، فوصفها بأنها منظمة، نظيفة، هادئة، وآمنة. وقال إنه تلقى عروض عمل في دول عربية وأجنبية، قريبة وبعيدة، لكنه فضّل البقاء في قطر، لا لشيء إلا لأنه يشعر بالأمان والطمأنينة. المدينة – كما قال – هادئة، والقيادة فيها ممتعة، والمسؤولون محترمون. وهنا لا تتحدث لغة الأرقام، بل يتكلم الإحساس. ثالثًا: الشرطة… القانون يحمي الجميع أما النقطة الأهم – في رأيه – فكانت حديثه عن تعامل رجال الشرطة. قال إن الشرطة في قطر تحترم الجميع، مهما كانت الوظيفة أو الجنسية، وإنها حريفة في أخذ الحقوق. وأضاف: إذا حدثت أي مشكلة، أنصح أي شخص بالذهاب إلى مركز الشرطة… الشرطة في قطر تستمع بهدوء واحترام، وتأخذ الحق وفق القانون، سواء كان الخصم مواطنًا أو غير مواطن. كلام يحسب لوزارة الداخلية، ويؤكد أن العدالة حين تُمارس بعدل، تصبح مصدر أمان لا خوف. خلاصة الحوار هذه النقاط الثلاث – كما قال السائق – هي ما جعله يحب العيش في قطر، ويشعر بالأمان، ويستمتع بالحياة فيها. أما بالنسبة لي، فقد كان هذا الحديث البسيط ردًا عمليًا، هادئًا، صادقًا، على كثير من التقارير والادعاءات التي تتحدث باسم حقوق الإنسان، بينما الحقيقة ينطق بها من عاش التجربة. تحية لقطر شعبًا، وتحية لوزارة الداخلية، وتحية لكل سلوكٍ يومي يصنع صورة وطن… دون ضجيج.
765
| 15 يناير 2026