رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن انعقاد القمة العربية الإفريقية بالكويت والتي ستنطلق أعمالها غدا الثلاثاء ينطوي على أهمية استثنائية في ظل المعطيات التي يواجهها الطرفان واللذان باتت لديهما قناعة قوية بالمضي قدما في طريق طويل بدأ منذ عقود تحديدا في الفترة 7-9 مارس من العام 1977 حيث استضافت العاصمة المصرية أول قمة بينهما وضعت المرتكزات الرئيسية للتعاون والشراكة ولكنها سرعان ما اختفت من فرط التدهور الذي مضى فيه الوطن العربي بعد دخول الرئيس المصري الراحل أنور السادات في خندق كامب ديفيد والتي شكلت اتفاقيتها الموقعة مع الكيان الصهيوني قيودا على حركة مصر في إفريقيا بل وفي محيطها العربي مما جعلها تنكفئ على الذات وتتقلص مكانتها الإقليمية في عصر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الذي لم يعر إفريقيا المساحة الضرورية من الاهتمام لاسيَّما بعد تعرضه لمحاولة اغتيال بعد وصوله إلى إثيوبيا للمشاركة في قمة إفريقية بها.
لا أود أن أركز على الماضي لكن دعونا نستغل مناسبة انعقاد قمة الكويت والتي تأتي بعد أربع سنوات من القمة الثانية التي عقدت بمدينة سرت في أكتوبر من العام 2010 ونتحدث عما ينبغي أن يكون على صعيد العلاقات الإفريقية العربية في ظل عدد من المحددات الأساسية.
أولها: أن الجانبين يتداخلان من حيث التاريخ والجغرافيا بل والطموحات والأشواق للحرية والديمقراطية والتحرر من كوابيس الحقبة الاستعمارية التي ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اللحظة.
ثانيا: إن الوطن العربي والقارة الإفريقية يمتلكان ثروات وموارد هائلة فضلا عن القوة البشرية الواعدة والقادرة على إحداث التغيير التنموي لكن تنقصهما الإرادة السياسية لتوظيف هذه المقومات القوية والتي لو أحسن استغلالها لحولت التعاون بين الطرفين إلى أنموذج بوسعه أن يوفر الغذاء والطاقة ليس لشعوبهما فحسب ولكن لشعوب العالم وتتعين الإشارة في هذا الشأن إلى أن العالم المتقدم ما زال يعتمد في نموه المتصاعد على هذه المقومات حتى الآن.
ثالثا: إن التقارب الحضاري المتمثل في العادات والتقاليد ومنظومة القيم المتشابهة فضلا عن وجود عنصر الدين سواء الإسلام أو المسيحية يمثل أرضية يمكن الانطلاق منها لدفع الشراكة بين الطرفين إلى آفاق أكثر رحابة بمقدورها أن تحقق نقلة نوعية لصالح التنمية والتقدم لديهما وذلك يتطلب التخلص من الموروثات القديمة التي صنعتها الحقبة الاستعمارية التي مارست كل ما من شأنه أن يوسع المسافات بينهما.
في ضوء ذلك فإن قمة الكويت مطالبة بجملة من الخطوات الضرورية التي تعلي من قيمة الشراكة ووضعها كإطار للحراك الجماعي أو الحراك على مستوى ثنائي بين الدول التي تنتمي للمنظومتين.
أول هذه الخطوات تتمثل في تجاوز الخلافات والتباينات السياسية والتي شكلت في العقود الماضية حاجزا أمام تفعيل التعاون بين الطرفين وبقائه في نطاق محدود للغاية وقد فعل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح صنعا باستبعاد الملفات السياسية من جدول أعمال القمة والتركيز على القضايا التنموية والاقتصادية، وحسبما يقول الشيخ سالم عبد العزيز الصباح وزير المالية الكويتي خلال افتتاحه لأول فعاليات القمة يوم الإثنين الماضي والمتمثلة في المنتدى الاقتصادي العربي الإفريقي فإن ثمة فرصا متاحة أمام الدول العربية والإفريقية تتيح النهوض باقتصاداتها وتحقق مصالحها وطموحات شعوبها إذا ما أحسن استغلالها مبينا أن الدول العربية والإفريقية بحاجة إلى حشد الموارد المالية اللازمة لتنفيذ برامج ومشروعات في قطاعات اقتصادية واجتماعية مختلفة من خلال استقطاب رؤوس الأموال من مصادر محلية وخارجية، بما في ذلك من الدول المانحة ومؤسسات التنمية الوطنية والإقليمية والدولية والقطاع الخاص.
ويلفت الشيخ سالم الصباح إلى تداعيات وارتدادات الربيع العربي بقوله إن الدول الإفريقية شهدت نموا اقتصاديا مطردا وتحسنا في مؤشرات التنمية الاجتماعية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الدول العربية ولكن هذا النمو الاقتصادي لم يفلح في تحقيق طموحات الملايين من شعوبنا، وهو ما تدل عليه الأحداث والتغيرات التي نشهدها اليوم في دول عربية وإفريقية، والتي ترجع إلى تفشي البطالة والفقر والجوع وعدم توافر الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والمياه الصالحة للشرب والكهرباء ووسائل النقل.
أما ثاني هذه المطالب فيكمن في تقديري في وضع آليات جديدة للتعاون تقوم على تغيير تصورات كل طرف للآخر فلا يبنغي أن تظل النظرة الإفريقية للدول العربية خاصة الدول الخليجية باعتبارها مجرد حامل للأموال في حين ينظر الطرف العربي إلى الدول الإفريقية بحسبانها مستهلكا وقليل الخبرة والحيلة فمع التحولات والمتغيرات التي يشهدها العالم والتي انعكست إيجابيا على الطرفين فإن هناك إمكانية قوية لتحقيق نوع من التكامل بينهما مع استغلال الميزات النسبية لكل طرف فالدول الإفريقية تمتلك الأراضي بمساحات شاسعة وثروات معدنية بكميات ضخمة فضلا عن البشر الذين حققوا في السنوات الأخيرة تطورا معقولا على صعيد التعليم والتقنية وفي المقابل فإن الدول العربية بما لديها من مقومات مالية وقدرات استثمارية يمكنها أن تحقق قفزات مهمة في إفريقيا وأظن أن ثمة محاولات جادة تحققت في هذا الشأن خاصة على صعيد الزراعة وتربية الحيوانات لكن الفترة المقبلة في ضوء قمة الكويت يجب أن تحقق تفاعلا حقيقيا بين الجانبين من شأنه أن يسهم في حل معضلات غذائية ونقص واضح في الاحتياجات اليومية لشعوب الجانبين مما اضطرهما خلال العقود الماضية إلى الاستعانة بما هو مستورد من أوروبا وأمريكا الأمر الذي جعلهما يوظفان ذلك سياسيا باتجاه فرض شروط معينة على دول الجانبين.
ثالثا: إن الدول العربية باتت مطالبة بشكل خاص بتشكيل آلية خاصة لتقديم أنواع مغايرة من المساعدات لإفريقيا خاصة على الصعيد السياسي والأمني والعسكري والعلمي والتقني والتي تهيمن عليها خاصة في ظل الغياب المصري عن القارة الإفريقية لدول مثل إسرائيل وإيران والهند وبالطبع هناك أمريكا وبريطانيا وفرنسا والتي ما زالت تتعامل مع إفريقيا من منظور استعماري متعال.
السطر الأخير:
انتبهي
العاشق يبحث عنك
يسألك البقاء وليس الرحيلا
فأنا اصطفيتك من بين ورود الكون
فكوني فاتحتي
خضرة تعانق الحقول
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12126
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9189
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026