رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التربية والتعليم باختصار جناحان يحلق بهما كل مجتمع يرنو إلى السمو والتقدم في كل مناحي الحياة، ومن الخطأ الجسيم أن نفصل بينهما، فإنهما متحدان طبيعة وسلوكا، وعندما نتحدث عن هذين الشأنين الخطيرين فإننا نمس كل بيت وكل فرد وكل أسرة، وقد أولت دولتنا العزيزة هذا الميدان الحيوي الفعال كل عناية واهتمام ورصدت له أضخم الموازنات، وهكذا تفعل القيادات الواعية، مما يجعلنا دائما نتطلع إلى مستوى تعليمي أفضل من حيث الأداء وجودة المخرجات.
أتناول هنا جانبا يتعلق بالبيئة المدرسية ودرجة انجذاب الطالب وتفاعله معها، ونحن نلاحظ الاهتمام الفائق بالبناء المدرسي وتزويده بأحدث وأفضل التجهيزات، مباني مدرسية فريدة الطراز كبيرة المساحة تتميز بنظام تكييف يكاد يحيلها إلى ثلاجات، إضافة إلى أشكال وفخامة الأثاث والمكاتب الوثيرة وكماليات الديكور، مما جعل مدارسنا - دون مبالغة - تضاهي فنادق (خمس نجوم)، وهذه جوانب مهمة في تهيئة البيئة الدراسية، لكنها تقتصر على الشكل وتجميل المظهر، والأجهزة الصماء، والأهم أن يواكبها تحسين في مستوى التعليم المقدم للطلبة داخل المدارس، وتعزيزه بالقيم التربوية، والأنشطة والفعاليات المشجعة والمحفزة للطالب، للتعبير عن ميوله وأفكاره وقدراته التي تشكل شخصيته المتكاملة، فإن لم يحدث هذا التوازن فإن جمال الأشكال والألوان وحجم المباني ونوعية الأثاث، تغدو شيئا هامشيا لا قيمة له البتة، بل تستنزف ميزانيات ضخمة دون جدوى، كمن يسكن فندقا فخما جميل الشكل يديره أشخاص يسيئون معاملة الضيوف، لنؤكد عندها أن تعليم الطلبة بطريقة سليمة، تحت ظل شجرة على بساط مرقع أجدى وأنفع، أما إذا توافر تعليم صحيح معافى في مكان جميل فسيح، فهذا أفضل وأحسن، دون شك.
وإذا كنا أمناء مع أنفسنا أولا، ثم مع فلذات أكبادنا وأولياء أمورهم، فلابد أن نعترف أن تعليمنا مازال يراوح مكانه، إن لم يكن يسجل تراجعا مؤسفا، عاما بعد عام، لتصبح مدارسنا الجميلة فنادق خمس نجوم، لكن نزلاءها تعساء ويستعدون لمغادرتها وقد أنفقوا أموالا طائلة نظير إقامتهم غير السعيدة في غرف وأجنحة ومرافق تلك الفنادق.
وهذه المقارنة أراها قريبة الشبه لما أشير إليه، وقد عايشت ميدان التعليم وخبرته عن كثب سنين عديدة حتى وصل إلى هذا المستوى الذي نعانيه، ونشفق كثيرا على أبنائنا وبناتنا من أوضاعه المضطربة وتحولاته المثيرة للأسى والرفض الشعبي العارم، ومن يقرأ ويتابع ويشاهد وسائل الاتصال الجماهيري يدرك أبعاد ما أتحدث عنه حول التعليم، وإذا أردنا أن نهيئ بيئة محفزة للطلبة للإقبال على المدرسة بروح وثابة وشوق وتفاعل إيجابي، فلابد من اتخاذ خطوات عملية جادة.. منها ما يلي:
* الاعتناء الفائق في اختيار وترشيح المعلم القدوة أولا، قبل ما يسمى بالسيرة الذاتية المهنية.
* تنقيح الكتب والمقررات المدرسية من الحشو الزائد والمحتوى الدخيل وما يؤثر سلبا على عقول أبنائنا وبناتنا من الأفكار والمضامين.
* تخفيف ساعات الدوام المدرسي بما يتناسب مع رغبتنا في تحقيق الكيف قبل الكم.
* تعزيز المناهج والمحيط المدرسي بأنشطة وفعاليات تستخرج كوامن الطلبة من المواهب والقدرات والطاقات البناءة، ويقوم عليها خبراء مختصون تربويون أكفاء.
* تفعيل الدروس العملية التطبيقية وتقليل الورقيات والتكاليف المنزلية والاختبارات المرهقة للطالب.
* التوقف عما يسمى بنظام التعليم النموذجي (غير النموذجي)، لما يسببه من إشكالات كبرى للمعلمات النساء، وصعوبة التعامل مع سلوكيات الطلاب الذكور.
* إعادة جماعات النشاط المدرسي، مثل المعسكرات وفرق النشاط الاجتماعي والثقافي والفني والمسرحي، بطريقة تربوية محببة للنفوس ومشجعة على الإبداع والتميز.
* تعريب العلوم الحديثة والتركيز على عناصر الهوية الوطنية بأسلوب أصيل معبر.
* حماية الحرم المدرسي من تجاوزات الطلبة ضد زملائهم الآخرين بتفعيل لائحة الضبط السلوكي بجدية وحزم.
وأترك للزملاء التربويين ومسؤولي التعليم مدارسة ومناقشة الملاحظات والمقترحات والإضافة إليها، وترجمتها واقعيا عمليا يعيد للبيئة المدرسية وقارها وجاذبيتها ومخرجاتها البناءة، مقدرين كافة الآراء والتوجهات النبيلة، الرامية إلى تصحيح مسار التعليم وتصويب المفاهيم المغلوطة حول ممارسات وتفسيرات بعض منتسبي هذا الميدان الحيوي الحساس.
مكرمة الأمير.. والتجار
لا تزال أصداء تصديق الأمير على نسب زيادة معاشات الضمان الاجتماعي متواصلة، تقديرا وعرفانا لأميرنا المحبوب، حفظه الله.
ونناشد صناع القرار في بلادنا أن يرتقوا إلى طموح وتطلعات أميرنا وقائد مسيرتنا، خاصة فيما يتعلق بضبط الأسعار ومنع تجاوزات التجار المتربصين بالمواطن، عند كل زيادة في الراتب أو مكرمة يجود بها أميرنا على شعبه الوفي الذي يبادله بالفعل حبا بحب، ولسان حاله يقول: جزاك الله عنا خير الجزاء يا أميرنا، يا صاحب القلب الكبير، والعطاء الوفير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3732
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1143
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
762
| 27 أبريل 2026