رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ فوز حزب النهضة الإسلامي في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، وتمكنه من ضمان أكثرية مريحة في المجلس الوطني التأسيسي، حين أقام ائتلافاً ثلاثياً حاكماً مع حزب "المؤتمر الوطني" ذي التوجهات العلمانية الوسطية، و"التكتل الديمقراطي" الأقرب نظرياً إلى يسار الوسط، وتشكيل رئيس الوزراء التونسي السابق الباجي قائد السبسي حزب "نداء تونس"، الذي يضم في صفوفه أعضاء سابقين في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، المنحل بقرار قضائي، والذي استطاع في فترة وجيزة أن يستقطب عشرات الآلاف من المنخرطين الجدد المستاءين من حكم الترويكا، تكرس في المشهد السياسي التونسي استقطاب ثنائي حاد، و انتشار ظاهرة الإرهاب التكفيري الذي يستهدف رموز المعارضة اليسارية و القومية، و الإعلاميين، و المثقفين، تعيش تونس أزمة بناء الدولة الديمقراطية التعددية، التي تقوم على منظومة من القيم والقواعد التي تنظم الاجتماع السياسي.
ولعل أهم هذه القواعد التي تشكل القاسم المشترك بين السلطة و المعارضة، ومكونات المجتمع المدني الحديث، هي الدستور المكتوب المتوافق عليه، الذي يكتب في ضوء مبادئ و أسس الدولة المدنية، أي الدولة الديمقراطية التعددية، و العمل على بلورة العقد الاجتماعي الجديد الذي يقوم على احترام الحريات العامة و الخاصة، والمواطنية، واستقلال المجال السياسي، و هو ما يجعل السياسة من إنتاج المجتمع، بما هي تعبير عن المصالح العمومية، وبما هي منافسة سلمية وحضارية على إدارة الشؤون العامة للدولة.
في ظل غياب هذا التوجه الحقيقي نحو بناء الدولة الديمقراطية التعددية، دخلت تونس في ظل أزمة مصيرية ووجودية.وتعمقت الأزمة هذه منذ اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي في 25 يوليو الماضي، و استمرار تمسك حركة النهضة الإسلامية بالسلطة، ورفضها حل الحكومة الحالية التي يرأسها السيد علي العريض، وتمسك جبهة "الإنقاذ" المعارضة بمطالبها، لا سيما رحيل هذه الحكومة العاجزة والفاشلة، والتوافق على تشكيل حكومة جديدة محايدة ترأسها شخصية مستقلة تتولى تنفيذ برنامج واضح وأيضا متوافق عليه بين جميع الفرقاء ويضمن السير بالبلاد نحو انتخابات نظيفة في مناخ آمن، ويمكن اختزاله في الآتي:
مقاومة العنف السياسي بحل ما يسمى بـ"رابطات حماية الثورة" المساندة للحزب الحاكم، ومحاربة الإرهاب من خلال رسم إستراتيجية وطنية موحدة تؤمن الوحدة الوطنية وتنفذ في إطار من الثقة في الحكومة الجديدة وفي إطار من اليقظة والحزم في الدفاع على مؤسسات الدولة وأمن البلاد، ومراجعة التعيينات والتسميات في الإدارة التي تمت بالآلاف على أساس الولاء الحزبي للنهضة لا على أساس الجدارة والكفاءة، وكان الهدف منها تطويع الإدارة التونسية لصالح الحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة.
ويمكن تصور حل هذه الأزمة المصيرية، إلا من خلال بلورة هذا العقد الجديد بين السلطة و المعارضة، و الاتفاق على المشروع المجتمعي المشترك، الذي يقوم على بناء الدولة الديمقراطية التعددية، باعتبارها المطلب الرئيس للثورة الديمقراطية التونسية.. وحين يكون الخلاف بين حركة النهضة الإسلامية الطرف المهيمن في الترويكا الحاكمة و المعارضة اليسارية و الليبرالية على هذا المشروع المجتمعي المشترك لكل طبقات و فئات المجتمع التونسي، يعجز المجتمع عن بلوغ مثل هذه المواطأة على المشروع الجامع، فتتحول فيه صناديق الاقتراع إلى مجرد وسائل للتغلب و الهيمنة على مفاصل الدولة و المجتمع،تعوض وسائل العنف السياسي!
الأزمة في تونس بنيوية، و لا يمكن أن تحل إلا تحل إلا في ضوء إرساء الديمقراطية وبناء دولة القانون والانطلاق في تحقيق التنمية والشغل في مناخ آمن. و فيما التجاذبات السياسية بين السلطة و المعارضة تقزم الأزمة إلى قضية رحيل الحكومة، و تشكيل حكومة كفاءات، فإن المراقب الموضوعي للمشهد السياسي التونسي، يلمس بوضوح أن الأزمة في تونس تكمن في غياب المشروع المجتمعي المشترك، لا سيما فيما يتعلق ببناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وهذا هو لب المشكلة.
الدولة الوطنية الديمقراطية هي بوجه عام دولة الحرّية، وهي بوجه خاص الضامن لحرّية الفكر، وتأكيدنا على حرّية الفكر في وضعنا التونسي تنبع من قناعتنا بأن المدخل إلى إعادة إنتاج السياسة في المجتمع هو مدخل معرفي فكري من أجل بلورة مشروع تنويري يجسد القطيعة مع ما قبلية التاريخ، هذه الحقبة اللا زمانية التي جعلت التنوير التونسي إما ينساح للانكفاء على الموروث الماضوي تحت تأثير صدمة المواجهة مع العملقة الغربية أو يتماهى مع شخصية الغرب من موقع عقدة الشعور بالنقص. وهذا الانكفاء وهذا التماهي بالغرب باعتباره نموذجاً يحتذى به، يمنعان عملياً بلورة مشروع تنويري تونسي قادر أن يحقق نهضة تحديثية عبر المواجهة التاريخية مع الذات (أي ثورة الذات العربية على ذاتها) والآخر (أي الغرب) في آن معاً.
لذلك نرى أن حرّية الفكر لا تدخل في نطاق سلطة الدولة المجسدة لما هو عام ومشترك بين الأفراد، وليس لما هو خاص ويختلف من فرد إلى آخر. فمع أن الأطر الاجتماعية تحدد المعرفة والفكر إلا أن أفراد المجتمع يفكر كل منهم بحرّية تامة وهم في ذلك مختلفون أشد الاختلاف.
العقلانية المنفتحة هي ضمان حق الاختلاف، ولا تكون الدولة عقلانية ما لم تضمن هذا الحق، كما أن حرية الفكر والرأي لا تدخل في إطار النظام الاجتماعي، ولذلك لا ينبغي أن تدخل في إطار سلطة الدولة. وتطلب الدولة انقياد أعمال الأفراد بقراراتها ولا تطلب الإجماع المستحيل في الإرادة المتنوعة دوماً والحرة بالضرورة. ومع أنه لا شيء يمكن أن يمنع الدولة من تجاهل حرّية الفكر والرأي، فإن تجاهلها هذا في غير مصلحتها، لأنه يجعلها بغيضة بلا مقابل، وليس من جدوى في القوانين المنغلقة بقضايا الفكر والرأي.
تكمن عقلانية الدولة في وعيها أنها تستطيع أن تحكم بالعنف والإكراه، وأن ترسل المواطنين إلى السجن أو الموت لأتفه الأسباب، إلا أن ذلك ليس في مصلحتها، وليس من سلامة العقل أن تفعل ذلك. فحق الدولة لا يتجاوز قوتها الفعلية، وكل ما سمحت أن تتجاوز قوتها الفعلية، تكون قد فتحت باب التمرد والعصيان على سلطتها. فهي لا تستطيع مخالفة أسس وجودها، وقوانين بقائها التي هي قوانين طبيعتها الخاصة، وأهمها مراعاة حقوق مواطنيها ورعايتهم ومراعاة القوانين التي تحدد الحقوق من دون أن تعرض بقائها ذاتها للخطر.
الديمقراطية بوصفها حقيقة نظام الحكم تقوم على مبدأ النظام العام، قبل أي شيء آخر، النظام في معارضة العشوائية والفوضى (أي النظام في معارضة حرية الأفراد واختلافهم وتعارض مصالحهم). هذا النظام العام أو التنظيم تفرضه في المجتمع المدني الضرورة الطبيعية أولاً، وخواص الكائن البشري ثانياً، والمصلحة أي كانت الصورة المغتربة التي تظهر بها ثالثاً، ولذلك فإن المجتمع هو الذي ينتج النظام، وليس النظام هو الذي ينتج المجتمع، إلا بالمعنى الذي تتحوّل معه النتيجة إلى سبب.
إن النظام العام المعبر عنه واقعياً بالقانون هو مبدأ وحدة المجتمع وانتقاله من نظام الامتيازات والواجبات إلى نظام الحقوق، من نظام الجماعات المغلقة والمتحدات الاجتماعية، التي تعزل الفرد عن الكل الاجتماعي إلى المجتمع المتحرر من سلاسل الأعراف والتقاليد وأطر الفئات المغلقة. هذا التحرر الذي رغم طابع الفوضى والعشوائية الناجمين عن تحرر الأفراد هو عملية الاندماج في الكل الاجتماعي وفي النظام العام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
4065
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1542
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1278
| 11 مارس 2026