رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التيار الإسلامي الليبرالي في ليبيا يتخذ من حزب "العدالة والتنمية"نموزجا
حين دخل الإسلام إلى ليبيا منذ قرون خلت استقر عند أهلها على المذهب المالكي عند عربها. والمذهب الأباضي عند أمازيغها (بربرها ـ السكان الأصليين). ولقرون مارس الليبيون - عربا وأمازيغاً - إسلامهم دون أن يكونوا معنيين (فقهيا) بأصول المذهب الذي يتبعون. فهم كانوا ولا يزالون في غالبيتهم الساحقة يمارسون الإسلام البسيط بدون تعقيد بأركانه الخمسة وثقافة المعاملات الإسلامية المتأصلة بالممارسة في الحياة العامة.
وقد مرت على الليبيين قرون ظلامية كما مرّت على غيرهم من أمم المسلمين حتى أنهم أشركوا في عبادة الواحد الأحد الشجر والحجر والقبور ثم ظهر لهم المصلح العظيم السنوسي الكبير (محمد بن علي السنوسي) فأحيا بفضل زواياه التنويرية صحيح الإسلام: عبادات وعقائد وجهاداً. بروح تصوفية فاعلة في الحياة كسلوك أخلاقي مستقيم. ومفارقة لمفهوم التصوف الدرويشي. وفي فضاء الإصلاح السنوسي الجهادي هذا تعلم وعلّم عمر المختار في الزاويا السنوسية وحارب معهم الصليبيون الجدد (الفرنسوية) في تشاد ودارفور السودان ولما غزا الطليان ليبيا قاد قائد السنوسيين العظيم أحمد الشريف ومعه أسطورة الزمان عمر المختار حركة المقاومة الوطنية ثم تحت قيادة سِيدي عمر خاض الليبيون ولعشرين سنة متواصلة حربهم الجهادية بعزيمة وطنية ضد الغزاة الطليان وبروح إسلامية أصيلة وسمحة وشواهد ذلك بالممارسة فائضة في تجربة سيدي عمر ومجاهديه لمن يرجع إلى سيرته الموثقة.....
وحدث وأن استقلت ليبيا في زمن تصفية الاستعمار وتشكلت دولة الاستقلال الليبي في نظام ملكي قائم على دستور ديموقراطي يتمثل روح الإسلام الحضاري وساعد في ذلك سماحة المذهب المالكي المنفتح على الاجتهاد العقلاني ومنهجية المصالح المرسلة فاستقرت دولة الاستقلال الملكية على صياغة إسلامية ـ ليبرالية لكن محيطها العربي كان صاخبا بالانقلابات العسكرية.
ومن المعروف أن المشروع القومي باشر سقوطه مع هزيمة 5 يونيو 1967. ومات بموت عبد الناصر وانهار مشروع اليسار العروبي (الفلسطيني ـ اللبناني) مع إخراج حركة المقاومة الفلسطينية من لبنان العام 1982 لينهض على أنقاضها الإسلام الجهادي بصيغة شيعية بتأثير من الثورة الإيرانية. ثم ينتفض الإسلام الجهادي الفلسطيني الأعزل في انتفاضة 1987. وسوف يكون غزو صدام حسين للكويت علامة فارقة على تحلل " الأنظمة التقدمية" سيما وقد انهار الاتحاد السوفيتي "الصديق"... وقد انبثقت الظاهرة "اللادنية" بالتساوق مع حالة التعفن الاستبدادي في جلّ الأنظمة العربية. إذ في غياب التغيير بالشارع لصالح مشروع ديموقراطي مدني وَجَد المشروع "البن لادني" الفرصة كي يختزل بؤس الغضب وغضب البؤس في العنف الفالت.. وحدث ما حدث في نيويورك..... حيث قام الفعل البن لاديني الدموي على نزعة القتل الجماعي للمدنيين. الذي ليس فقط لا تبريرا شرعيا أو موضوعيا له. إنما لا هدف منطقيا له. واتضح، في نهاية التحليل، للرأي العام الإسلامي أن الأصولية العنفية (حتى لا أقول الإرهابية) ليست سوى جلب للمفسدة ومن مفارقات رؤية نهاية الأصولية البن لادنية ونهوض الحركة العربية التحررية الديموقراطية أن خبر اغتيال بن لادن في بداية شهر مايو الماضي مرّ كأنه حادث اغتيال عادي في يوم عادي. وهو بن لادن الذي كان قبل تفجر بركان الثورة العربية الديموقراطية الكبرى الشغل الشاغل للفضائيات الإخبارية العربية والعالمية. فمرّ خبر اغتياله في خضم أخبار الثورة العربية الديموقراطية الكبرى دون تغطية مضخمة كالمعتاد فقد احتلت متوالية الثورات العربية الشاشات...
... والآن، بعد أشهر دسمة بالأحداث الثورية انتهى فيها بن علي هاربا في جدة ومبارك مجلوبا كمومياء في قفص الاتهام وصالح غير صالح للاستعمال والأسد في حالة سعار والقذافي ينهار، يبرز السؤال: ما مصير الإسلام السياسي في مستقبل الثورة العربية الديموقراطية.؟.. وأتحدث هنا عن ليبيا ثورة 17 فبراير طوال 42 سنة من حكم العقيد هُبل الاستئصالي لم يكن من الممكن الإلمام بحوصلة استبيان مقارب على نحو موضوعي لحجم قوى الإسلام السياسي. وقد اندلعت ثورة 17 فبراير عفويا بإرادة شبابها الذين أقبلوا على مواجهة كتائب القتل الهمجية بصدور عارية لينتزعوا الأسلحة من القتلة كي يدافعون بها عن أنفسهم وشعبهم. بدون أن تكون لديهم أي إيديولوجية سياسية،عدا إسقاط النظام واستعادة ليبيا حرة ديموقراطية. وبعدما تحررت مدن شرق ليبيا بسرعة فائقة. واشتعل أوار الثورة في الزنتان والزاوية ومصراتة وجبل نفوسة وبقية المناطق على الساحل الليبي. نافية عنها صفة الجهوية الانفصالية التي روج له الإعلام المسخ للعقيد المسخ وتأكد لمعظم الشعب الليبي أن ثورة 17 فبراير منتصرة لا محالة وبعدما سيطرت على ثلاث أرباع ليبيا.. كان من الطبيعي أن تبرز في بنغازي، عاصمة الثورة المؤقتة وحيث مجلسها الوطني الانتقالي المؤقت التيارات السياسية التي قُمعت في العقود السابقة ومن بينها الإسلاميون , والإسلاميون تيارات متنوعة: الإخوان ـ فرع ليبيا. التجمع الإسلامي. الجماعة الليبية المقاتلة. تنوعات السلفيين. دع عنك التيار الديموقراطي على خلفية إسلامية كما هو عند الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا كتنظيم سياسي. وكذا ينتشر التيار الإسلامي الليبرالي في أوساط بعض النخب المثقفة وفي الأوساط الجامعية وأوساط التكنوقراط. وله أنصاره على نطاق واسع في الطبقة الوسطى المدنية. وهذا التيار الأخير،على ما أظن، يميل إلى المفهوم السياسي الذي وصل إليه حزب "العدالة والتنمية". أو ذلك ما أرجوه. إذا كان للأمنيات الشخصية محل. أي أن ينتظم الإسلام السياسي في ليبيا الديموقراطية بعد الخلاص النهائي من القذافي ونظامه بقضه وقضيضه في مفهوم الحزب الديموقراطي الحديث. على خلفية ثقافية ـ أخلاقية تمتح من روح الإسلام الحضاري برنامجه برنامج دنيوي مبني على مفهوم المصالح المرسلة ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالشعارات الشمولية من نوع الحل الوحيد والحل النهائي....!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026