رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أصدق ما سمعته حين أشار محدثي إلى رجل يرتدي ثوبا أزرق اللون جلس في كشك جانبي وقال إنه من كبار رجال التربية والتعليم السابقين. لم أفهم إلا حين أضاف أن صاحبنا أحيل إلى التقاعد فانتهى به الحال أن صار فرد أمن يقضي في كشك الملاحظة ١٢ ساعة يوميا. ازدادت حيرتي فقال إنه أمضى ٤٠ عاما في مهنة التدريس وظل يؤدى عمله كأحد المربين الأفاضل إلى أن صار "موجها أول" في مادته، وتجاوز راتبه الشهري ثلاثة آلاف جنيه. إلا أنه حين بلغ سن التقاعد أصبح يتقاضى معاشا في حدود ١٢٠٠ جنيه. وبعدما ترك الخدمة فإنه لم يستطع أن ينفق على أسرته وأبنائه الذين يدرسون في الجامعة. ورغم أن زوجته موظفة بدرجة مدير عام في إحدى القرى السياحية، فإن دخلهما الشهري لم يكن كافيا لتوفير متطلبات معيشة الأسرة. ولأنه بلغ السادسة بعد الستين فإنه لم يجد وظيفة تقبله. وحين ضاقت خياراته تقدم ليعمل موظف أمن في إحدى القرى السياحية براتب ١٣٠٠ جنيه شهريا، واعتبر أن ذلك المبلغ الإضافي بمثابة النواة التي تسند "الزير" كما يقال.
بعدما سمعت القصة، لم أستغرب حين قيل لي إن نموذج الموجه الأول الذي صار "فرد أمن" ليس حالة استثنائية، لأن هناك آخرين من موظفي الدولة المحالين إلى التقاعد صاروا يقبلون بالعمل في العديد من الوظائف الدنيا. ويظل الانخراط في فرق الأمن أفضل من العمل في مجالات النظافة والتحميل وخدمة زبائن المقاهي.
لم تفارقني الدهشة فرجعت إلى وكيل نقابة المعلمين لشؤون المعاشات، الأستاذ إبراهيم شاهين، الذي قال إن ما ذكره الموجه الأول صحيح مائة في المائة، وإن مذلة ما بعد الإحالة إلى التقاعد، إذا كانت قاسية على رجال التربية والتعليم الذين يؤتمنون على تربية الأجيال الجديدة ومن ثم يسهمون في صناعة الغد وإعداد قادة المستقبل، فإنها مشكلة عامة بالنسبة لكل موظفي الحكومة، ذلك أن معاشات هؤلاء تحتسب بناء على أساس مرتباتهم الأساسية التي تعادل في الغالب ثلث مدخولهم الشهري. أما الثلثان فهما مقابل البدلات والحوافز والمكافآت وساعات العمل الإضافية. وباستثناء الهيئات أو المصالح الحكومية ذات الأوضاع الخاصة، فإن كل موظف حكومي يخرج إلى المعاش تصبح حياته شديدة العسر، وإذا كان مريضا فإن العسر يصبح بؤسا بعد تركه الخدمة. وفي أجواء تزايد البطالة حاليا فإن عثور الموظف المتقاعد على عمل آخر يصبح أمرا صعبا للغاية، لذلك فإن بعضهم يصبح مضطرا للقبول بأي عمل يسند إليه لينقذ حياته وأسرته من الضنك والانهيار.
علمت من الأستاذ شاهين أن موظفي المعاشات في وزارة التربية والتعليم وحدها نحو ٤٠٠ ألف شخص. وإذا افترضنا أن كل واحد منهم لديه أسرة تضم خمسة أفراد، حتى إذا كان للأسرة طفلان فقط، فذلك يعنى أن الذين يعانون من المشكلة نحو مليوني مواطن. سألته عن موقف النقابة فقال إنها تحاول إعانة المعلمين بكل السبل، لكن يدها مغلولة ومواردها شحيحة أقرب إلى المعدومة. إذ رغم أنها تصرف للمعلم المتقاعد ١٢٠ جنيها شهريا وهو مبلغ زهيد ومخجل (يعادل عشرة دولارات)، فإنها كثيرا ما تعجز عن الوفاء بذلك. أما صندوق التأمين والمعاشات فهو يقدم ١٥ ألف جنيه للمعلم مكافأة نهاية الخدمة. وذلك بدوره مبلغ زهيد نسبيا، خصوصا إذا قورن بالمكافآت التي تمنحها جهات أخرى في الدولة لموظفيها، وهي تصل في بعض الأحيان إلى عشرة أضعاف نصيب رجل التربية والتعليم.
وأنا أتحرى القضية صادفت أمرين: الأول أن المشكلة تتجاوز حدود المعلمين لتشمل البحر الواسع لموظفي الدولة. أعني أن "الضحايا" ليسوا ٤٠٠ ألف معلم فقط ولكن عددهم يتجاوز أربعة ملايين موظف (يعولون عشرين مليون مواطن)، الأمر الذي يصور حجم المعاناة وآثارها الاجتماعية بعيدة المدى. الأمر الثاني أنه في الوقت الذي تتراجع فيه الأحوال المعيشية لذلك العدد الكبير من أسر الموظفين الآخرين، فإن هناك فئات أخرى من بين موظفي الدولة يتم الإغداق على رواتبها وتضاعف معاشاتها بصورة مثيرة للدهشة. ورغم أن ذلك أمر مسكوت عليه في الحوار العام، فإنني ما تحدثت مع أحد في موضوع المعاشات إلا وبدأ بالمقارنة بين ما يتقاضاه الموظف أو المعلم بعد بلوغه سن الستين وبين ما يتقاضاه موظف آخر من المحظوظين سواء في بداية تعيينه أو في نهاية خدمته ومعاشه. وحدثني البعض عن الهدايا التي توزع على المحظوظين في كل مناسبة، وكأن في خزينة الدولة بئرين، إحداهما فارغة تتعامل معها الأغلبية المسحوقة وأخرى مليئة تغترف منها الأقلية المحظوظة. وتصادف أن قرأت في هذه الأجواء تدوينة للدكتور نور فرحات أستاذ القانون البارز ذكر فيها أن مرتب أستاذ الجامعة أقل من راتب معاون النيابة. وأنهم يعينون المعيد في الجامعة بالكاد مقابل ثلاثة آلاف جنيه في حين أن نظيره يتقاضى ١٢ ألف جنيه.
هذا الخلل الفادح في أجور ومعاشات موظفي الدولة يشكك في صدقية شح الموارد، رغم أنها شحيحة بالفعل. إلا أنها في التطبيق العملي شحيحة على الأغلبية ووفيرة على الأقلية. الأمر الذي يكشف عن خلل يتعين علاجه، وفي هذه الجزئية فإنني أضم صوتي إلى صوت من قال إن المواطن المصري يحتاج إلى عدل وليس إلى عطف فقط.
بمناسبة شح الموارد والخلل في الدخول، فلا أعرف مدى صحة الخبر الذي نشرته صحيفة لاتريبيون الفرنسية (عدد ١٦/٨) عن شراء مصر أربع طائرات فاخرة بما يعادل ٣٠٠ مليون يورو. لكنني لا أخفي سعادة بالخبر الذي أذيع في الوقت نفسه، وهو أن رئيسة مالاوي جويس باندا قررت بيع طائرة الرئاسة بمبلغ ١٥ مليون دولار لشراء ذرة وغذاء يطعم مليون شخص. وفرحت حين قرأت أنها قررت بيع ٣٥ سيارة مرسيدس يستخدمها كبار موظفي الدولة لتوفير المبالغ اللازمة لتحسين أحوال الناس. ولست أخفي أنني وجدت في الخبرين رسالة بليغة يمكن الاستفادة بها والتعلم منها. أما احتذاؤها فهو بحاجة إلى معجزة، إلا أن الله قادر على كل شيء.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026