رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أنهيت مقالي السابق الأسبوع الماضي "سيستمر هذا الواقع للمستقبل المنظور، بتوجه دول مجلس التعاون بقيادة السعودية في منطقة الخليج للتعامل مع القوى الكبرى بالتعددية القطبية. وبالتالي هل نشهد نهاية مرحلة الأحادية القطبية الأمريكية. واقتراب حقبة التفرد الأمريكي في الأمن الخليجي من نهايتها؟
السؤال المهم: ما المطلوب أمريكياً لطمأنة الحلفاء الخليجيين لاستعادة الثقة والتعاون مع الحلفاء الخليجيين لأهمية بقاء وتفعيل العلاقات الاستراتيجية وإعادة تموضع العلاقة بين الطرفين لمعادلة رابح-رابح.اللافت في العلاقات الأمريكية - الخليجية حجم هوة الثقة بين الطرفين خلال العقدين الماضيين منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001 وحروب أمريكا الاستباقية وإسقاط نظام طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق. ما أخل بنظام توازن القوى لمصلحة إيران، وزاد من مأزق معضلة أمن الحلفاء الخليجيين، وأعقبتها أمريكا بمفاوضات سرية تتوج باتفاق نووي بين القوى الكبرى وإيران بين 2012-2015، دون إطلاع الحلفاء الخليجيين حتى مراحله الأخيرة. بعقد الرئيس (باراك أوباما) قمة أمريكية - خليجية مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في كامب ديفيد ليحصل على الدعم الخليجي للاتفاق النووي في مايو 2015 قبل توقيع الاتفاق النووي بشهرين. وذلك رغم عدم تلبية الاتفاق النووي مطالب الحلفاء الخليجيين وأخذ مخاوفهم بعين الاعتبار حول برنامج إيران الصاروخي والباليستي الذي تستمر إيران بتطويره. وآخرها تجربة الحرس الثوري صاروخي خيبر بمدى 2000 كلم وفتّاح الفرط صوتي. وكذلك أنشطة إيران المزعزعة للأمن والاستقرار-ما دفع إيران للتفاخر بسيطرتها على أربع عواصم عربية.
ويعمق الشرخ بين أمريكا وحلفائها تناقض التعهدات الأمريكية مع الواقع. ولم تعد تنفع وتجدي الزيارات والتصريحات المكررة للرؤساء والمسؤولين الأمريكيين حول الشراكة والتعاون والطمأنة الشفهية بالبقاء والالتزام بالتعاون الأمني. وآخرها كان زيارة الرئيس بايدن الصيف الماضي إلى السعودية، ووزير الخارجية الأمريكي بلينكن الأسبوع الماضي إلى الرياض والوعود بالدعم ولالتزام بالحماية وإرسال مقاتلات استراتيجية وإجراء مناورات مشتركة كما شهدنا الأسبوع الماضي أيضاً.
وغير واقعي وعقلاني ممارسة إدارة بايدن ضغوطا على دول خليجية وعربية للتطبيع مع إسرائيل برغم تطرف حكومة نتنياهو الأكثر تطرفاً وفاشية في تاريخ الاحتلال وتقويضه رؤية وخطط إدارة بايدن بتحقيق حل الدولتين التي تدمرها سياسة نتنياهو بتوسيع بناء المستوطنات غير الشرعية وتقويض صلاحيات المحكمة العليا والسلطة القضائية!.
بينما نشهد ونتابع في الوقت نفسه مواقف أمريكا المتراجعة والمنكفئة عن المنطقة. كما يكرر الرؤساء الأمريكيون من أوباما حتى بايدن "الاستدارة نحو آسيا" لمواجهة الصين وآسيا وإعطاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ-Indo-Pacific- الأولوية في قائمة استراتيجيات الولايات المتحدة، حسب وثائق الدراسات الرسمية والأمنية والاستخباراتية الأمريكية في السنوات الماضية. بهدف احتواء وإعاقة صعود وتمدد الصين كمنافس ومهدد رئيسي للهيمنة الأمريكية عالمياً.
والواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على تشكيل أشبه ما يكون بـ (ناتو آسيوي) لاحتواء وحصار الصين كأولوية في الاستراتيجية الأمنية والدفاعية الأمريكية في شرق آسيا وعلى المستوى الدولي وذلك بتوسيع وتعزيز التحالفات الأمريكية في شرق آسيا وأوروبا.
كما تحولت أولوية أمريكا لاحتواء مع حلفائها في الناتو تمرد ومغامرات وحرب روسيا على أوكرانيا، بخوض بوتين أعنف وأطول حرب في أوروبا، وسعيه لتغيير جغرافيا أوروبا بالقوة المسلحة بعد 78 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازية والفاشية، و32 عاماً من هزيمة الشيوعية في الحرب الباردة. وكبح جماح مغامرات الرئيس الروسي بوتين بدءاً بحربه عام 2014 واحتلاله وضمه شبه جزيرة القرم في جنوب أوكرانيا. ولكن التصعيد الأخطر كان عام 2022 بعد شن بوتين حربه المفتوحة والمستمرة واحتلاله وضمه 4 أقاليم في شرق أوكرانيا. ولا يزال يصفها بعد 16 شهراً-برغم الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية المكلفة بـ "العملية العسكرية الخاصة".وشهدنا في الخريف الماضي تهديدا علنيا وغير مسبوق من الرئيس بايدن بمراجعة وإعادة تقييم الحسابات والعلاقات مع السعودية. بعد رفض مجموعة أوبك بلس بقيادة السعودية وروسيا طلب إدارة بايدن خفض انتاج النفط، لخفض أسعار الوقود حتى لا ينتقم الناخب الأمريكي ويخسر الرئيس بايدن وحزبه الأغلبية في التجديد النصفي للكونغرس. وهو ما رفضته السعودية وروسيا والدول الأعضاء في تحالف أوبك بلس. بل ردوا بتخفيض الإنتاج بمليون ونصف برميل يومياً لخدمة مصالحهم. وهو ما فسرته إدارة بايدن ومعها نواب من الحزب الديمقراطي بالتدخل في شؤون الانتخابات الأمريكية. وتوعد بايدن علناً بالرد ومعاقبة السعودية وإعادة الحسابات وتقييم الشراكة. وطالب نواب بتجميد صفقات الأسلحة!.
ردت السعودية حسب تسريبات Discord- نشرت مؤخراً في صحيفة واشنطن بوست عن تحذير ولي العهد السعودي برد مكلف اقتصاديا على أمريكا إذا نفذ الرئيس بايدن تهديده بإعادة تقييم العلاقات مع السعودية. وهو ما لم يقم به بايدن.
صارت العلاقات بين الولايات المتحدة والحلفاء الخليجيين أقرب إلى الندية وخاصة مع السعودية والإمارات وباتت أقرب إلى مصالحنا الخليجية تتقدم على مصالح الولايات المتحدة. وهذا الواقع على أمريكا التأقلم معه. وأثبتت حرب روسيا على أوكرانيا خطورة الأزمات الزاحفة وغير المتوقعة أهمية وجود بدائل كافية وموثوقة من الحلفاء الموثقين لتأمين نقص امدادات الطاقة من نفط وغاز وهو ما تقوم دول مجلس التعاون الخليجي الحلفاء الموثوقين بتوفيره بكلفة معقولة. بالإضافة لتحقيق الدول الخليجية أرباحاً وفوائض في ميرانياتها في معادلة ربحية للأطراف المعنية. وبالتالي، وبرغم تراجع احتياجات الولايات المتحدة للنفط والغاز الخليجي بعدما صارت الدولة الأولى المنتجة للنفط والغاز-لكن يبقى النفط الخليجي المصدر الرئيسي للطاقة ولنمو واستقرار الاقتصاد العالمي. ما يُبقي أهمية ومحورية دولنا الخليجية لفترة طويلة. كما أن المصالح طريق باتجاهين. هناك واقع جديد، لم تعد دولنا الخليجية شريكا هامشيا يمكن لواشنطن الإملاء علينا بما يخدم مصالحها، ولا يراعي مصالحنا وتعزيز أمننا واستقرارنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4500
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4038
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1977
| 05 مايو 2026