رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الراهن لا يجتمع اثنان في مصر إلا وكان موعد الثلاثين من يونيو بينهما، مستصحبا معه قائمة طويلة من الأسئلة التي تعبر عن الحيرة والقلق والخوف أيضا.
ـ1ـ
الناس محقون ومعذورون، لأن مختلف الشواهد تشير إلى أن ذلك اليوم الذي تنتهي به السنة الأولى للرئيس مرسي في السلطة، لن يمر على خير. والقائلون بغير ذلك يعبرون عما يتمنونه بأكثر ما يقرأون الواقع ويرصدون مؤشراته. ومعلوماتي أن الأجهزة الأمنية توقعت أن تنزل إلى الشوارع والميادين أعداد كبيرة من البشر في ذلك اليوم، ربما لن تقل عن الذين خرجوا في 25 يناير من عام 2011، وربما انضافت إلى الخارجين المحتجين فئات جديدة سواء من الذين ضاقوا بالأعباء المعيشية والغلاء المتزايدين، أو الفئات المحايدة التي يتقدمها ما سمي بحزب «الكنبة»، التي أدركت أن أداء الرئيس مرسي وحكومته دون ما توقعوه، ووجدت أن ذلك الأداء لا يعبر عن التحول الثوري الذي كانوا يحلمون به. (لاحظ أن مركز بصيرة لاستطلاع الرأي ذكر أن ٤٢٪ فقط يؤيدون الرئيس الآن، وهؤلاء كانت نسبتهم ٤٦٪ بعد عشرة أشهر من توليه السلطة، في حين كانت نسبتهم بعد المائة يوم الأولى ٧٨٪).
معلوماتي أيضا أن المؤسسة الأمنية قدرت أن احتمالات العنف والفوضى قائمة لا محالة، خصوصا أنه ما من مظاهرة خرجت إلى الشارع خلال السنتين الماضيتين إلا وتخللها عنف من جانب بعض الأطراف بصورة أو أخرى، وإذا كان ذلك قد حدث في مناسبات محدودة ومتفرقة فلن تخلو منه تظاهرات 30 يونيو التي ينتظر أن تتضاعف فيها الحشود.
ذلك العنف المتوقع قد يكون بين مؤيدي الرئيس مرسي ومعارضيه، وفي أحسن الفروض فإنه إذا تجنب المؤيدون النزول والاشتباك مع المعارضين فإن احتمال العنف سيظل قائما، لأن المتظاهرين سوف يتوجهون في ــ لا تسأل عن دور البلطجية والمدفوعين ــ الأغلب إلى بعض مؤسسات الدولة مثل مقر الاتحادية ومجلس الوزراء ومقر مجلس الشورى.
الراجح إذن أن هناك عنفا وفوضى متوقعة، والسؤال الذي يرد في هذا الصدد ينصب على شكل العنف ونطاقه وضحاياه، وقدرة الأجهزة الأمنية على التعامل معه، والمعلومات المتوافرة أن وزارة الداخلية ذكرت صراحة أن إمكاناتها لا تمكنها من مواجهة العنف والفوضى المتوقعة، وطلبت الاستعانة بقوات من الجيش لضبط الأمن والدفاع عن مؤسسات الدولة في خمس مدن على الأقل، بينها القاهرة والإسكندرية والمنصورة. إلا أن الجيش يعتبر أنه يجب أن يبتعد عن الصراعات السياسية، ويرى أنه ينبغي أن يتفرغ بالكامل لعملية إعادة البناء واستعادة العافية التي انطلقت بعد الثورة، للحفاظ على مكانته وكفاءته التي تليق بجيش وطن يحمي أكبر دولة عربية، فضلا على أنه الجيش الوحيد الذي لم يتعرض للتدمير بين أقوى الجيوش العربية.
رغم أن الأجهزة الأمنية والسيادية ليست متفائلة بما يمكن أن يحدث يوم 30 يونيو. فإن بعض الأطراف في المؤسسة السياسية تعتبر أن تلك الرؤية مفرطة في التشاؤم وأن الصورة ليست قاتمة إلى تلك الدرجة، وتراهن تلك الأطراف على أن الأمر ليس بتلك الصورة، وأن الحدث يمكن احتماله واحتواؤه.
ــ 2 ــ
لا نستطيع أن نعول فقط على تقديرات المؤسسة الأمنية والسيادية، ولا مراهنات أو أمنيات أطراف المؤسسة السيادية، لأن الحاصل على أرض الواقع يعبر عن عملية احتشاد وتعبئة لا يستطيع أحد تجاهلها. صحيح أن حملة «تمرد» كانت من بنات أفكار مجموعة من الشبان لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية، ولم تطالب دعوتهم بأكثر من تحديد موعد لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، إلا أن الفكرة لقيت صدى إيجابيا في بعض الأوساط وتلقفتها أحزاب المعارضة حتى وظفت التأييد الشعبي النسبي لها في خصومتها للرئيس محمد مرسي، وبدلا من مطلب التبكير بالانتخابات الرئاسية لتجديد الثقة في الرئيس أو سحب الثقة منه، فإن أحزاب المعارضة راهنت على اعتبار يوم 30 يونيو بداية انطلاق معركة تستهدف إسقاط النظام والخلاص من حكم الإخوان.
لكنى أخشى أن يكون بداية إطلاق شرارة الفوضى والتخريب في أنحاء مصر لسببين رئيسين، هما:
ــ إذا أخذنا الكلام على محمل الجد فإن عملية إسقاط النظام التي قيل إنها ستتم من خلال الاحتكام إلى القضاء والمحكمة الدستورية ليست أمرا ميسورا، لكنها تحتاج إلى وقت ليس قصيرا، إذا قدر لها أن تأخذ مسارها المقدر. هذا إذا افترضنا أن الطرف المؤيد للرئيس مرسي سوف يلتزم الصمت سيقف متفرجا على ما يجري وهو أمر مستبعد.
ــ إن البديل الذي تقترحه المعارضة التي تلقفت شعار التمرد يتسم بغموض شديد يعرض مصير البلد للخطر. من ناحية لأنها أعلنت أنها ضد الرئيس مرسي وحكم الإخوان لكنها لم توضح لنا هي مع ماذا. ومن ناحية ثانية فإنها تحدثت عن تولي رئيس المحكمة الدستورية لسلطة الرئيس وعن تشكيل مجلس رئاسي يضم ثلاثة أشخاص إلى جانب وزير الدفاع. دون أن تحدد الجهة التي ستقوم باختيار أولئك الأشخاص، ناهيك عن أن من شأن ذلك أن يستدعى الجيش مرة أخرى للمشاركة في حكم البلد، الأمر الذي يعد توريطا له في غير وظيفته الأساسية التي نذر نفسه لها. هذا إذا افترضنا تراجع الفريق أول عبدالفتاح السيسي عن موقفه الذي أعلنه وتمسك فيه بابتعاد الجيش عن المعترك السياسي، ونصيحته للسياسيين بأن يحلوا مشاكلهم ويحسموا صراعاتهم عبر صناديق الانتخاب.
ـ3ـ
في هذا السياق لا نستطيع أن نتجاهل تعبئة السياسيين والدعاة والأبواق الإعلامية التي تتحدث عن سلمية تظاهرات 30 يونيو، لكنها في الوقت ذاته تتحدث عن مواجهة تنتهي بإقصاء طرف وفوز طرف آخر. وقد وصف ذلك التاريخ بأنه يوم الحسم والفصل وآخر أيام حكم المرشد وقال قائل إنه يوم القيامة، وتحدث ثالث عن استرداد الثورة من سارقيها، وقال بعض الدعاة إن ذلك اليوم سيشهد معركة بين الإسلام والكفر في حين أفتى أحدهم بأن الخروج في مظاهرات 30 يونيو للمطالبة بإسقاط الرئيس الشرعي المنتخب حرام شرعا، وأن الخارج عن طاعة الرئيس مرسي كافر، وأن التمرد عليه تمرد على الإسلام والمشروع الإسلامي (الذي لم يفصح عنه الرئيس مرسي حتى هذه اللحظة).
لم يقف الأمر عند حد الشحن والتعبئة من جانب الطرفين لحسم معركة 30 يونيو، لكننا فوجئنا بحملة تسميم إضافية للأجواء أقحمت حركة حماس في الموضوع. فتابعنا على شاشات التلفزيون حديثا لأحد لواءات الجيش قدم بحسبانه خبيرا عسكريا قال فيه إن هناك مؤامرة للإسلاميين ستنفذ في الساعة السادسة من صباح يوم 30 يونيو حيث سيحتشد 50 ألف جهادي في سيناء إلى جانب 50 ألف فلسطيني. وسيتولى هؤلاء إرباك الجيش المصري لكي لا يؤدى مهمته الداخلية (في مواجهة الإخوان). مضيفا أن تلك العناصر تتمركز الآن في جنوب سيناء وترتدي الزى العسكري. ولم يقل لنا الخبير المذكور كيف سمح لهؤلاء بالتمركز في مواقعهم، ولماذا سكتت عليهم الأجهزة المعنية قبل أن يتحركوا في الساعة التي حددها.
ليس ذلك فحسب، وإنما قرأنا في صحيفة «الوطن» الصادرة يوم 16/6 عنوانا رئيسا على صفحتها الأولى يقول: الجيش والمخابرات يحذران مرسي: إذا استعنت بعناصر حماس فمصيرهم الموت. ونقلت الصحيفة في الخبر عن «مصادر سيادية» قولها: «إن القوات المسلحة والمخابرات العامة أرسلتا تحذيرات إلى رئاسة الجمهورية من عقد صفقات مع حركة حماس أو الاعتماد على عناصر مسلحة في حماية النظام خلال مظاهرات 30 يونيو. ثم أضافت ما نصه: إن وفد حماس في القاهرة تلقى نفس الإنذار من أن أي محاولة للتدخل ستواجه بالضرب بيد من حديد. وأن الجيش لن يسمح بدخول حمساوي واحد، سواء من البر أو الجو أو الأنفاق. ولو حدث فسيكون مصيره الموت.
الغريب والمدهش في الوقت نفسه أن هذه الأكاذيب والافتراءات الخطيرة تصدر عن أشخاص بأسمائهم وتنسب إلى القوات المسلحة والمخابرات العامة، ثم تقابل بصمت من الأطراف المعنية، التي لا تصوب أو تكذب شيئا منها، الأمر الذي يشيع قدرا لا يُستهان به من التسميم والبلبلة والإدراك المغلوط.
ــ4ــ
الملاحظ في كل ذلك أن مؤسسة الرئاسة تعتصم بهدوء غير عادى وتقف متفرجة على ما يجري، وكأنها ليست طرفا في المشكلة، في حين أنها الطرف الأساسي المعني بالموضوع بل الطرف المستهدف من كل ما يجري، صحيح أنها أطلقت دعوة إلى الحوار لم تحقق المراد منها، كما أنها تعول على المبادرات الإعلامية المتمثلة في الأخبار المقترحة التي توزع على الصحف القومية وتتصدر عناوينها الرئيسة، إلا أنه من الواضح أن ذلك ليس كافيا لإزالة الغضب في الشارع المصري، ولا لتخفيف هذا الاحتقان بين القوى السياسية المتصارعة.
وإذا وضعنا في الاعتبار أن الأجهزة الأمنية لها حدود في الحيلولة دون انفجار الوضع وإشاعة الفوضى في 30 يونيو، فسيبقى أمامنا مخرج واحد نعول عليه في تجنب تلك المخاطر يتمثل في المبادرات السياسية. وإذا كان من الواضح أن أحزاب المعارضة ليس لديها تصور تقدمه في هذا الصدد وما لديها حتى الآن مجرد شروط تستقوي بالأجواء الراهنة غير المواتية في ظاهرها، فإن ذلك لا يعفي مؤسسة الرئاسة من مسؤولية المبادرة باعتبار موقعها على رأس السلطة. وباب المبادرات الساعية إلى التلاقي والوفاق مفتوح على مصراعيه. أما طبيعتها فهي متروكة لتقدير الرئاسة، التي لا يعيبها أن تتخذ خطوات إلى الوراء لتحقيق ذلك الهدف، لأن المعارضة في هذه الحالة ستكون مطالبة باتخاذ خطوات مماثلة، أما إذا عاندت ورفضت مؤثرة الانقلاب على النظام وليس التوافق معه لتحقيق المصالح العليا للوطن، فإن ذلك سيسحب من رصيدها ويشهر إفلاسها أمام الرأي العام.
بقيت بعد ذلك نقطتان، هما:
< إن الرئاسة إذا ما اتخذت خطوة أو أكثر إلى الوراء فإن ذلك يعد بالضرورة ضعفا، لأنه قد يعبر عن الثقة والتضحية من أجل التوافق وإعلاء المصالح العليا. وعلى أسوأ الفروض فإن الإقدام طواعية على تلك الخطوة إذا اعتبر ضعفا، فإنه يصبح أفضل كثيرا من الاضطرار إلى اتخاذها تجنبا للانفجار وتحت وطأة الانكسار وعدم القدرة على مواجهة ضغوط الغاضبين والمحتجين.
< إن الطرفين المتصارعين حين يطول أمد المواجهة بينهما وينشغل كل منهما بإقصاء الآخر وتصفيته، فإنهم يضعفون الوطن ويهدرون مصالحه العليا التي هي فوق هذا الطرف أو ذاك. وأزعم أن الصراع الحاصل في مصر له أثره في إضعاف موقف الحكومة المصرية في ملف سد النهضة الإثيوبي، الذي أشك أن حكومة أديس أبابا كان يمكن أن يكون لها موقف مختلف لو أنها وجدت في مصر نظاما قويا ومستقرا ومرهوب الجانب.
إن إطفاء الحريق المرتقب بات مرهونا بشجاعة المبادرة التي يمكن أن تصدر عن مؤسسة الرئاسة. ولا غضاضة في أن تأتي المبادرة متأخرة، فإن ذلك أفضل من ألا تأتي أبدا، لأن الوطن أهم وأبقى من الجماعة ومن الرئاسة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
633
| 12 أكتوبر 2026