رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مسلمون كُثُر، عرب وغير عرب، تفاعلوا مع انتخابات تركيا بداية هذا الأسبوع، حتى أطلق المناهضون للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه، على أولئك المتفاعلين بأنهم أتراك أكثر من الترك أنفسهم، وعابوا عليهم ذلك التفاعل والسهر حتى الصباح بانتظار ما ستسفر عنها النتائج، وغير ذلك من مظاهر الاهتمام والمتابعة.. لن نهتم بما قاله المناهضون للطيب أردوغان، بل نتساءل: لماذا تأترك مسلمون كُثُر تلكم الليلة، وهل هناك ما يمنع ذلك؟
في ظل ظروف الأمة المسلمة خلال مئة عام مضت، يعيش المسلمون بلا قيادة ولو رمزية، على غير ما اعتادت الأمة المسلمة عليه منذ عهد أكرم الخلق محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة والسلام. الأمة كانت تعتبر الخلافة المحور الذي تدور حوله الشعوب المسلمة، سواء كانت في عز قوتها أو أدنى درجات انتكاستها، وأنه لولا قوة وتأثير تلك الرمزية، ما تكاتف وتكالب الغرب في فترة ضعف شديدة للأمة، وتآمر ذلك الغرب بمعنى الكلمة، لإلغاء حتى هذا الرمز من الوجدان الإسلامي، فكانت خطوة الشؤم تلك عبر الأتراك، بغض النظر عن عقائد أولئك الأتراك وأصولهم يوم قيامهم بالتوقيع على إلغاء الخلافة، ضمن شروط الاستسلام للمنتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، وبقية القصة المعروفة.
بعد أن ألغيت الخلافة العثمانية، آخر خلافة معترف بها في العالم في مارس 1924 بمرسوم من الجمعية الوطنية في تركيا، والذي تم اعتباره خطوة ضمن إصلاحات مصطفى كمال وإزاحة السلطنة العثمانية واستبدالها بجمهورية تركيا، ليعيش المسلمون بعد تلك الخطوة المشؤومة، ضمن حدود رسمها الاستعمار الغربي بأشكاله المتنوعة، ليتفرق هذا الجمعُ، شذر مذر إلى يوم الناس هذا.
الغرب قبل الشرق
تلك المقدمة شبه الطويلة، إنما للتأمل فيما حدث ليلة الأحد الفائت، وتفسير اهتمام العالم الغربي قبل الإسلامي بالانتخابات التركية، التي أجمع الإعلام الغربي على أنها أكثر انتخابات مهمة ومؤثرة لتركيا وكثير من الدول والتجمعات العالمية خلال المئة عام الفائتة.
هذا الإجماع لم يكن ليحصل بطبيعة الحال، لولا بروز تركيا كدولة ذات تأثير في محيط جيوسياسي بدأ يكتسب أهمية بالغة، بل يزداد أهمية مع الوقت بزيادة نهوض وتنامي تأثير وقوة الدولة التركية، التي اكتسبتها خلال آخر عقدين من الزمن، وأن الشخص المركزي أو المؤثر في هذا النهوض، مع رجال وفرق عمل مخلصة حوله، هو الرئيس أردوغان الذي يعيش في دائرة الحكم منذ 2002 وقبل ذلك بسنوات أخرى طويلة في عالم السياسة والقرب من دوائر الحكم واتخاذ القرار.
أردوغان شمعة أمل
إنّ تفاعل ملايين المسلمين، عربهم وعجمهم، مع الانتخابات التركية، ودعواتهم بنصر مؤزر للسيد أردوغان، إنما بناء على ما ذكرناه آنفاً، وشعور داخلي يتعاظم بالنفوس المسلمة، يفيد بأهمية وضرورة الالتفاف على كل أمل صادق يمكن أن يبعث وينهض بالأمة من جديد، وأن هذا الأمل بدأ يتحقق شيئاً فشيئاً في هذا الشخص مع حزبه، الذي يحمل اسم العدالة والتنمية، يرجون الله أن يستمر لأعوام خمسة أخرى مثمرة قادمة، حيث الأمة بأمس الحاجة لصوت يدافع ويدفع عنها بأي صورة ممكنة، بعد أن تكالب كثيرون عليها، سواء من عملاء الداخل عبر عناصر مبرمجة ومسيّرة لتحقيق أجندات الخارج، أو من الخارج عبر حكومات ومؤسسات غربية - في المقام الأول - تحاول جهدها وبكل وسائلها وإمكاناتها، خنق أي محاولة نهوض في أي بقعة مسلمة، والقيام بتشويه صورة من يتزعم قيادة أي محاولة نهضوية.
على مستوى الأفراد، كان بالأمس مرسي رحمه الله في مصر، والآن محاولات لتكرار ما جرى في مصر مع عمران خان في باكستان، وبالطبع أقوى المحاولات ما زالت تجري على قدم وساق في تركيا مع هذا الرجل الطيب، رجب أردوغان؛ أضف إلى ذلك، تشويه وقمع كل محاولات النهوض بالأمة عبر مؤسسات وكيانات سياسية أو اجتماعية أو جماعات إصلاحية، ووصمها جميعاً بالإرهاب وغيرها من دعايات الأمريكان والغرب معاً، حتى كاد المرء يشعر بيأس مسيطر على ملايين المسلمين حول العالم، مع بقاء بعض الأمل في شمعة هناك وقد تم إشعالها في تركيا، وهي ربما سر أتركة المسلمين أثناء انتخابات الأحد الفائت، بل ربما كانوا أتراكاً أكثر من نصف الأتراك الذين وقفوا ضد الرئيس، لحسابات عنصرية وقومية مدعومة بدعايات وأموال الغرب وبعض الشرق.
الأفعال قبل الأقوال
إنّ وقوف الغرب بشكل سافر دون أدنى خجل ضد أردوغان الشخص والفكرة، بعيداً عن مهنيات وأخلاقيات العمل السياسي والإعلامي، هو ما دفع ملايين المسلمين للأتركة وبنوع ربما بدا فيه تعصبٌ كذلك، ليس للطيب أردوغان بقدر ما هو ردة فعل مطلوبة يجدها المسلم في نفسه ضد عداء غربي سافر لكل ما هو إسلامي، أو قريب من روح الإسلام، وهو ما بدا واضحاً في هذه الانتخابات، قبلها وأثناءها، بل ربما يستمر لما بعد ذلك في حال بقاء الطيب رئيساً لأعوام خمسة قادمة بإذن الله، ولكن دون شك بوتيرة أهدأ وأخفى.
لهذا لا أجد غضاضة في أن يكون المسلم تركياً ولو لليلة واحدة، هي ليلة الثامن والعشرين من الشهر الجاري، دعماً للطيب، وإظهاراً لروح الأخوة الإسلامية والتعاون الحقيقي، المطلوب إظهارها أمام من لا يريدون بهذا الدين ولا أهله، إلا مزيد شر ومزيد خنوع وذل وخضوع.
لا يفوتني قبل أن أختم هذا الحديث، توجيه دعوة لكل تركي سني، ألا يساهم في هدم ما بناه إخوة له، لاسيما الشباب منهم، الذين لم يعاصروا زمن بناة ما هم الآن عليه من إنجازات يشهد لها العالم، متأثرين بدعايات كاذبة للغرب لن تزيدهم غير تخسير، وبالتالي أهمية توسيع آفاقهم، وألا تكون هموم المعيشة اليومية حائلاً يمنعهم من رؤية مستقبل باهر ينتظرهم. مستقبل لا يريد كثيرون من خارج تركيا أن يتحقق لهم ولا لدولتهم. إنه المستقبل الذي يراه مسلمو العالم كما المتربصون بتركيا، بشكل واضح لا غبار عليه. أما المسلمون فيدعمونه، وأما المتربصون فيعاكسونه.
هل يتنبه بعض الـ 45% من الذين وقفوا ضد الطيب قبل أيام، ويقطعون السبيل أمام رغبة أقلية علوية عنصرية، في حكم أغلبية سنية في بلد مثل تركيا، ذات التاريخ والإرث الإسلامي السني العظيم الذي لا يحتاج لكثير شروحات وتفصيلات؟ أرجو ذلك، وأسأل الله لتركيا كل تقدم وفلاح، وللطيب رجب، كل سداد ونجاح.
والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد فيه الأزمات العالمية تعقيدًا، لم تعد قوة المؤسسات تُقاس فقط... اقرأ المزيد
48
| 12 مارس 2026
إنني خائف
من الطرائف التي تُروى عن السلطان الكبير جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان المتوفى 1092... اقرأ المزيد
60
| 12 مارس 2026
تأمل قوله تعالى في سورة فصّلت (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ... اقرأ المزيد
63
| 12 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
7728
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4158
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1188
| 11 مارس 2026