رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن شيرين أبوعاقلة مراسلة قناة الجزيرة التي اغتيلت مؤخراً أولى الضحايا ولن تكون الأخيرة في استهداف الصحفيين بالطائرات الحربية الإسرائيلية وتدمير المؤسسات والطواقم الصحفية ومنازلهم وتدمير الأبراج التي تضم مقرات إعلامية محلية، بل هو سلوك منهجي في إستراتيجية قوات الاحتلال، من أجل إرهابهم ومنعهم من نقل انتهاكات ممارسات الاحتلال الهمجية بحق المواطنين العزل في الأرض الفلسطينية، ويأتي اغتيال شيرين كإحدى حلقات مسلسل الانتهاكات التي يقوم بها الاحتلال الصهيوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بأسلوب ممنهج يسلكه الاحتلال لمنع وصول أفعاله الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل للعالم أجمع، وعاشت أبوعاقلة كبيرة بتضحياتها وعطائها وماتت كبيرة وهي تؤدي عملها بمهنية وحملها المقاومون على أعناقهم فقد أدت رسالتها وترجلت، وأثبتت أن القتلة في كل مكان يحملون نفس النسخة من الطغيان، ولكن هل أدينا نحن رسالتنا وواجبنا تجاه فلسطين وبلداننا أرضًا وشعباً، المثير للسخرية أن الاحتلال الصهيوني ادعى في تحقيقاته أن استهداف شيرين على يد أحد جنود الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة جاء عن "طريق الخطأ".
خطة ممنهجة
أما الأكثر إثارة ذلك المنشور على موقع التواصل الاجتماعي الشهير" فيسبوك" الذي حول بوصلة القضية في اتجاه آخر، فعقب يوم عمل شاق، خلع الناطق الإعلامي باسم جيش الاحتلال "أفيخاي أدرعي" بزته العسكرية، ليدخل في غفوة سريعة، ليستيقظ مواصلاً مهامه بالاطلاع على آخر التقارير الواردة حول تداعيات الموقف في القدس عقب اغتيال شيرين أبوعاقلة، التي ترصد ردود الأفعال الغاضبة داخل القدس المحتل والتضامن غير المسبوق تنديداً باغتيال شيرين، لم يشهده العالم منذ استشهاد محمد الدرة.
وتناول مهندس العلاقات الإعلامية للكيان الصهيوني زجاجة من مشروبه الروحي المفضل، ليصب أول كأس، ويحدد هدفه لأنه يفهم سيكولوجية المواطن العربي، ليكتب على صفحته المزورة على فيسبوك والتي يسميها (فلسطين في القلب):
هل يجوز إطلاق لقب شهيدة على شيرين أبو عاقلة ؟؟؟!!!
ثم يواصل احتساء مشروبه، منتظرا التعليقات.
سريعاً تبدأ التعليقات ليكون التعليق الأول من أبو علي المصري: "طبعا لا يجوز لأنها مسيحية وهذا كفر"، ثم رد آخر من أبو حسن البحريني: "أكيد يجوز وأنت يا متطرف لا تتحدث باسمنا وباسم الدين!".
يتبسم أدرعي ويحتسي كأسه الثاني، متابعاً التعليقات.. فهذا تعليق جديد من شاب لبناني: "هي دافعت عن فلسطين صحيح لكنها ليست شهيدة.. فالشهادة للمسلمين فقط"، فيرد عليه شاب أردني:" انت يا ابو التبولة لا يحق لك تنصيب نفسك مكان الله على الارض فشيرين شهيدة".
وتتوالى الردود والتعليقات على الصفحة المزورة بالمئات ممن يؤيدون لقب شهيدة ليسبوا الرافضين، ومن يرفضون يوجهون السباب أيضا للفريق الآخر.
أغمض "أفخاي أدرعي" عينيه وتبسم ودخل في غفوة مرة أخرى بعد أن تأكد من الوصول لهدفه وليطمئن على مستقبل دولته الصهيونية.
هذا دائما ما تلجأ الآلة الإعلامية لأسلوب رخيص - والتي يجب أن نعترف أنها تعمل بمنهج وأسلوب محترف لا مثيل له ينساق - للأسف - دائما وراءه الرأي العام نحو ما تريده هي لإبعاده عن الحقيقة لتتفرغ هي لمعركتها الأساسية المعروفة للجميع من التاريخ والواقع بالضرورة.
هي الأنفع للأمة
لقد فقدنا الطريق من تحت أقدامنا، فدخلنا في خلافات الفرقة التي يسعى إليها العدو، وألوم هنا شبابنا اللاهث لفتح خطوط تواصل مع رجل يمثل دولة قامت على الاغتصاب وارتكاب المجازر والتهجير.
"أبوعاقلة" التي نكتب عنها اليوم لم تكن صحفية بقدر ما كانت مرابطه بالقدس وكل فلسطين ومجاهدة ومقاومة محبة الناس لها وتعاطفهم معها ما هي إلا محبة إلهية تستحقها عن جدارة.
ونحن ندرك أن شيرين مسيحية لا نشاركها عقيدتها، ولكننا نتشارك معها في كل شيء بدءاً من دفاعها عن قضية الأمة بصوتها الصادح في تقاريرها الإعلامية، وانتهاءً بدمائها التي كتبها التاريخ.
محدودية الإنسان وحتمية الموت وقصور الحواس أمور ثقيلة على النفس تجعلنا نحترم فكرة أن روحاً صَعدَت إلى السماء على اختلاف مشاربها ومعتقداتها، هي بين يدي ربها الذي لن ينتظر نقاشاتنا العميقة وجدل "السوشيال ميديا" ونحن نفتش عن هويتها وديانتها وأصلها وفصلها وهل هي أهل لرحمة الله أم مستحقة لعقابه؟
عاشت شيرين كبيرة بتضحياتها وعطائها وماتت كبيرة وهي تؤدي عملها بمهنية وحملها المقاومون على أعناقهم، فقد أدت رسالتها وترجلت، وأثبتت أن القتلة في كل مكان يحملون نفس النسخة من الطغيان.
هنا سؤال مهم: هل أدينا نحن رسالتنا وواجبنا تجاه فلسطين وبلداننا أرضًا وشعباً وتجاه مقدساتنا وقيمنا التي تُدَنس وتمسخ ليل نهار؟ سوف نُسأل أمام الله عن سعينا وجهدنا ولن نُسأل عن دين شيرين وهويتها ومصيرها.
إلا أن المؤكد أنه في الوقت التي كانت شيرين فيه تتحدى اليهود وتحمل قضية فلسطين ومسجدها الأقصى بكل تضحية وشجاعة، هي أنفع للأمّة من ألف إعلامي كاذب، ومن ألف متشدد موتور لا يعرف من الدين سوى الغلظة والجفاء، وما لنا إلا أن نردد ما قاله الحق تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء...) يعني الأرض والسماء وما بينهما من جماد وحيوان فما بالك بالإنسان والإنسانية.
كسرة أخيرة:
"ثمة في فلسطين من يعيش النكبة تلو الأخرى" هكذا قالت شيرين أبوعاقلة في تقريرها عن الذكرى 74 للنكبة الذي أعدته قبل يومين من اغتيالها، وبثته الجزيرة يوم الذكرى بعد خمسة أيام من وفاتها، لترسلي رسالة للعالم نعلم أنك تصرين على تأكيد هذه الحقيقة وتوثقين بروحك ودمك… كي يفهم من لم يفهم.
شيرين التي تجمعت حولها كل الطوائف الدينية والقوى السياسية والاجتماعية الرسمية والشعبية رغم خلافاتها واختلافاتها.
فهل سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان أن يلزم الصمت حين يموت أحدهم ويحترم فكرة أن روحاً صعدت إلى السماء؟!
شكرا شيرين.. فقد كنت جزءا أصيلا من كشف انتهاكات الاحتلال، شكرا شيرين التي أكدت وحدة الأمة.
الكاتبة الصحفية والخبيرة التربوية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4317
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3126
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1194
| 28 سبتمبر 2026