رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكتب هذا المقال «من المسافة صفر»، بين القلم والورقة.
أكتبه عن الوساطة القطرية، التي يتم إنجازها على طاولة التفاوض، من المسافة صفر، بين طرفي أكثر الصراعـات ضراوة، وأشـــدها قساوة في منطقتنا العربية.
وأكثر الصدامات عنفاً، وأقواها بأساً في الأراضي المحتلة.
وأكثر النزالات مشاكسة، وأعلاها مشاحنة في الشرق الأوسط
وأكثر الحروب الإسرائيلية دموية، وأشدها وحشية، وأبشعها همجية، ضد الإنسان الفلسطيني، المستهدف في قطاع غزة، وسائر المخيمات الفلسطينية.
وفي خضم هذه الأوضاع المأساوية، وأتون هذه الظروف غير الإنسانية، تسعى قطر، بمشاركة بقية الوسطاء، لإنهاء الحرب البربرية الصهيونية، التي تستخدم فيها إسرائيل، سلاحاً فتاكاً، يتمثل في استغلال احتياجات المدنيين الضرورية، واستخدامها كورقة مساومة تفاوضية، لإجبار حماس على قبول شروطها، ومنها حاجة الفلسطينيين الأبرياء، إلى الماء والغذاء والكهرباء والدواء. ولمعالجة هذا الداء الإسرائيلي، تواصل الدبلوماسية القطرية وساطتها بكل إصرار، وتستأنف جهودها بكل اقتدار، من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يسمح بإزالة آثار الدمار، والبدء في مشاريع الإعمار.
وفي سياق هذا المسار، لا يمكن لأحد إنكار الجهود القطرية، لتجاوز جميع الأضرار، التي أثقلت كاهل المواطن الفلسطيني، المستهدف في قطاع غزة.
وهذه حقيقة مؤكدة، أكتبها بكل إكبار، بعيداً عن التلوين فيها، أو التهوين في أهميتها، أو التهويل في تأثيرها، أو التضخيم في قيمتها، أو التفخيم في قيمها.
إنها الوساطة القطرية، من المسافة صفر، لتسوية أكثر الملفات تعقيداً بين حركة حماس، وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي عقدت مفاوضاتها المعقدة، في عاصمة المساعي الحميدة والجهود الحثيثة.
هنا في الدوحة، عاصمة الوساطة النزيهة، تم تدشين المفاوضات أكثر من مرة، من المسافة صفر، لمعالجة الملف الشائك، وتسوية الملف المتشابك، المتعلق بإطلاق سراح الأسرى، والإفراج عن المحتجزين لدى الطرفين.
وآخرها المفاوضات، التي تمت بمشاركة «ستيفن ويتكوف»، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، الذي حمل خلال زيارته العديد من الأفكار، من أجل ديمومة وقف إطلاق النار.
وفي هذا الإطار، فإن ما يثير الإعجاب- ولا أقول التعجب- أن حماس، لم تتزحزح عن موقفها الوطني، قيد أنملة، ولم تفرط في حقوق الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال مليمتراً واحداً.
لكنها من أجل إنعاش «اتفاق غزة» المهمش من الجانب الإسرائيلي، وحرصاً على إعادة الاتفاق إلى مساره الصحيح، عبرت عن استعدادها لإطلاق سراح الجندي «عيدان الكسندر»، مزدوج الجنسية الإسرائيلية ـ الأمريكية، في إطار «صفقة استثنائية»، إذا التزمت إسرائيل بتنفيذ بنود الهدنة الهشة، في القطاع المهشم.
إضافة إلى تسليم رفات عدد من أصحاب الجنسية المزدوجة.
* وبعيداً عن المواقف المزدوجة، والسياسات اللزجة تحرص قطر، خلال مساعيها الحميدة، ووساطتها المحايدة، على الوقوف عند نقطة المنتصف، على طاولة الحوار التفاوضي، دون محاباة هذا الطرف، أو الانحياز لذلك الطرف، حرصاً على تجاوز مرحلة العقدة، ومعالجة التعقيد في القضية، وتخطي الموقف المعقد في ملف الوساطة.
إنها الوساطة القطرية، التي تمتاز بالوسطية، حيث يقف الوسيط القطري في منطقة الوسط، بين الطرفين المتنازعين، لفض النزاع، دون الانخراط في الصراع، بما يساهم في صناعة السلام.
وخلال مراحل هذه الوساطة، المتعددة في أشكالها، والمتنوعة في أساليبها، لعبت قطر ـ كعادتها ـ دور رجل الإطفاء، الذي يسعى بكل حرص على إطفاء نيران الحرب، التي أحرقت الكيان، وهدمت البنيان ونالت من الإنسان الفلسطيني، وضمان عدم اشتعالها مجدداً في أي زمان أو أي مكان آخر في قطاع غزة.
ونصل إلى العنوان البارز في المفاوضات، الذي يتمثل في محاولات الاحتلال، أن يحقق على طاولة التفاوض، ما عجز عن تحقيقه بالغارات، وما أطلقه من اعتداءات، ونفذه من هجمات!
ولهذا يلجأ إلى ممارسة الضغوط غير الإنسانية، لإجبار الفلسطيني على الاستسلام، دون الالتزام بمبادئ السلام العادل والدائم والشامل، وهذه خلاصة الكلام.
* ولعل من أبشع الضغوط الصهيونية، فرض التجويع على الجميع، وقطع الكهرباء عن الجموع، وقطع إمدادات الماء عن المجاميع.
ولن نستغرب أن تحاول حكومة التطرف الإسرائيلي، قطع الأوكسجين من الهواء، لحرمان الفلسطينيين من التنفس!
ورغم استهداف الأنفس، ومحاولات قطع الأنفاس، يبقى الإنسان الفلسطيني مقاوماً، لكل أشكال الإذلال، وكل أنواع الموت تحت براثن الاحتلال.
ومنها الموت جوعاً، أو الموت عطشاً، أو الموت برداً، أو الموت حرقاً، أو الموت قهراً، أو الموت فقراً.
وهكذا، هي الأحوال في غزة، التي تعاني من الأهوال، لكن إنسانها المقاوم لم ينكسر، أمام تسلط الاحتلال، الذي فشل في كسر المقاومة، وعجز عن تحقيق أهدافه، سواء بالخطط العسكرية، أو المؤامرات السياسية، أو المباحثات التفاوضية، أو التهديدات الأمريكية.
ووسط هذه الضغوط، وكل هذه الظروف، تتواصل الوساطة القطرية، بمشاركة الوسطاء الآخرين، دون إغفال الجهد الدبلوماسي الكبير، الذي تبذله الشقيقة الكبيرة مصر، في هذا السياق- ولا أقول السباق- للإفراج عن الأسرى والمحتجزين.
* وما من شك، في أنه مع الإفراج عن كل أسير فلسطيني، وإطلاق سراح كل محتجز إسرائيلي، خلال عمليات التبادل، يبرز دور قطر، التي تسعى لفتح أبواب الحرية، للسجناء والمعتقلين والمحتجزين، دون أن يكون لدولتنا أي أجندة سياسية خاصة، أو أطماع خصوصية خالصة.
ويكفي أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإسرائيلية، على غزة، والدول الداعمة لها لوجستياً، لم تجد بداً من اللجوء إلى قطر، للقيام بدور الوساطة، باعتبارها تجسد دور الوسيط النزيه.
وهكذا بعد مرور أكثر من 15 شهراً على الطوفان الفلسطيني، الذي كشف عورات الطغيان الإسرائيلي، تظهر قطر في المشهد التفاوضي، كوسيط موثوق به، لا مثيل له، لا بديل عنه، لا تشكيك في نزاهته، لا طعن في حيادته.
ولعل ما يميز الوساطة القطرية، أن الدوحة، تمكنت من فهم فيزياء الطرف الفلسطيني، وتحليل كيمياء الطرف الإسرائيلي، وتفكيك طلاسم «لوغارتيمات» الإدارة الأمريكية، المنحازة إلى أبعد درجات الانحياز إلى إسرائيل.
وهذا ما نعيشه الآن واقعياً، ونتابعه عملياً، ونراقبه ميدانياً، ونشهده تفاوضياً، خلال الوساطة التي تقوم بها قطر، من المسافة صفر، لوقف الحرب على غزة نهائياً.
ومن أجل ذلك، تبذل الدوحة كل مساعيها، لتضييق الفجوات، وردم الثغرات، وإزالة العقبات، وتبريد الملفات، المطروحة على طاولة المفاوضات.
* ولا يخفى، على أي مراقب دبلوماسي، أو ناشط سياسي، أو متابع إعلامي، الدور الإيجابي الذي لعبته قطر، لوقف العدوان الصهيوني الوحشي، منذ إطلاق الصاروخ الإسرائيلي الأول على قطاع غزة، من خلال مساعيها الحثيثة، وجهودها الحميدة، ودبلوماسيتها النشيطة.
وهذا الموقف القطري، المستند إلى مواد القانون الدولي، تسبب في استهداف قطر، بالعديد من حملات التحريض الصهيوني المتواصل، التي حركتها حكومة العدوان الإسرائيلي، مما أوجد مناخاً عدائياً ضاغطاً على الوساطة القطرية، من خلال التشكيك في نزاهتها، والطعن في حيادتها حتى أن صحيفة «هآرتس» العبرية، اعترفت، بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعدت خطة في بداية حرب الإبادة على غزة «لتشويه صورة قطر والتشهير بها».
وقالت الصحيفة إن الخطة حظيت بموافقة وزير الخارجية آنذاك.
وذكرت أنه «في بداية الحرب أعدت وزارة الخارجية الإسرائيلية خطة لتشويه اسم قطر وتقويض مكانتها».
ورغم الاتهامات الباطلة، والادعاءات الكاذبة، بأن الدوحة تدعم «الإرهاب الفلسطيني»، فقد عملت قطر بلا كلل، وباشرت بلا ملل، وبادرت بلا وجل، وركزت على العمل، وتعلقت بخيوط الأمل، من أجل التوصل إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار في غزة.
* وفي هذا السياق، أتوقف عند تصريحات معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية في مقابلته مع الإعلامي الأمريكي «تاكر كارلسون»، التي أكد فيها، أن قطر، تعرضت لحملات تشويه كثيرة، وحملات تشكيك كثيرة، بسبب موقفها الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وموقفها الرافض للعدوان على الفلسطينيين.
ولا أكشف سراً، عندما أقول إن قطر، تعرضت إلى حملة كبرى، على نطاق عالمي، بمستوى عالٍ، ونسق عدواني، شاركت فيها مواقع إلكترونية مشبوهة، تم خلالها نشر مئات الإعلانات التحريضية، والمواد التشهيرية، عبر منصة فيسبوك، وغيرها من التطبيقات الإلكترونية، مثل يوتيوب، وتيلجرام، ومنصة إكس وغيرها.
* وكان الهدف الشيطاني، من هذه الحملات التي وصلت إلى أكثر من 40 مليون متابع حول العالم، جعل إدارة الوساطة القطرية، أكثر صعوبة من خلال الضغط الهائل، على الوسيط القطري، لإفشال جهود قطر في الوساطة!
وتم خلال تلك الحملات المضللة، استخدام آلاف الصفحات، لتمرير أكثر من (900) إعلان سياسي مناهض للدوحة، يدعو الكثير منها إلى عزل قطر سياسياً، ويتهمها بدعم «الإرهاب»!
والملاحظ، أن الحملات الأشد ضراوة ضد قطر، كان يقودها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وتحركها جماعات الضغط الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل.
وكانت تستهدف الدوحة بانتظام، بأسلوب لا يخلو من الانتقام، بالتزامن مع جهود قطر الشاقة- ولا أقول الشيقة- في الوساطة المتشابكة، لوقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين.
وكان أصحاب الحملات المسعورة، يحاولون تعزيز الأجندات «الجيوسياسية» ضد قطر، وإثارة الشكوك حولها، وتحريك المخاوف ضدها، وتوجيه المزاعم حول سجلها القومي، وموقفها الأخوي، وخطها القانوني، ودورها الإنساني المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودعمها الثابت للقضية الفلسطينية.
* لكن قطر، حرصت على رصد الحملة الأكبر من نوعها، والأخطر ضدها، من خلال الاستشعار الدقيق لها، وفهم أسبابها، وكشف أهدافها، وتحديد الأطراف المسؤولة عن تحريكها، وتقييم نتائجها، التي تمثلت في استهداف الدور المتنامي للدبلوماسية القطرية إقليمياً، والتأثير المتصاعد لها دولياً.
ولأن الدبلوماسية القطرية، ترتبط بمجموعة من الثوابت الرافضة للتشكيك، وغير القابلة للانتقاد أو المستعدة للانقياد، فقد نجحت قطر في تجاوز حملات التشكيك.
ولأن الوساطة القطرية، تتضمن مجموعة من القيم والمبادئ القانونية، غير القابلة للتخوين أو التخويف، أو التخفيف من قيمتها، فقد تمكنت الدوحة، من التعامل الفوري، مع الظروف المتغيرة، والأمور المستجدة، والمواقف المتقلبة، على طاولة التفاوض.
وما من شك، في أن الاستقرار السياسي، الذي تنعم به قطر، بالإضافة إلى الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به، إلى جانب التلاحم الشعبي، الذي تمتاز به، كل هذا ساهم في تعزيز مكانة الدوحة، كوسيط دولي موثوق، وطرف حيادي مرموق.
*وبفضل هذه الامتيازات الفريدة من نوعها أصبحت دبلوماسية الوساطة متجذرة في النسيج السياسي القطري.
ونظراً لأهمية هذا المبدأ، فقد تم تثبيته في التعديلات الدستورية، التي تم إقرارها، خلال الاستفتاء الشعبي، الذي نظم في السادس من نوفمبر الماضي.
وبهذا أصبحت الوساطة، من صميم المادة السابعة من الدستور، بما يتفق مع دور قطر، في حل النزاعات، بالطرق السلمية، السليمة، وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على علاقات قطرية متوازنة، مع جميع الأطراف، بعيداً عن التطرف مع أو ضد أي طرف.
ولأن الوساطة- ولا أقول الواسطة ـ أصبحت من ركائز العقيدة السياسية، للدبلوماسية القطرية، فإنني أدعو الجيل الجديد، من شباب وشابات قطر إلى حفظ المادة السابعة من الدستور الدائم، لأنها تشكل رافعة النجاحات التي تحققها البلاد، في مجال الوساطة النزيهة، الموثقة دستورياً، المؤكدة سياسياً، المؤيدة شعبياً، المميزة وطنياً.
وخصوصاً بعدما أصبحت ترتكز على أسس دستورية غير قابلة للتأويل، أو التحويل، أو التعديل، أو التبديل، والتضليل.
وهذا كله يمنح كل قطري الشعور بالفخر، بسبب توجه قطر لصناعة السلام في المنطقة، بما يدعم استقرارها، من خلال حرصها على فض النزاعات، بدلاً من الانخراط في الصراعات.
* ولكل هذا، ليس من قبيل المبالغة، ولا من متطلبات البلاغة، الإشادة بالوساطة القطرية، لكن من خلال هذا البلاغ الصحفي، أود التأكيد مجدداً أن قطر، من خلال مساعيها الحميدة ووساطتها المحايدة، نجحت في توفير منصة تفاوضية مباشرة، بين حركة حماس والإدارة الأمريكية.
وهذا الحدث السياسي غير المسبوق، يستوجب الحديث الإعلامي عنه، كما له من دلالات لا يمكن تجاهلها، بعد اقتناع الولايات المتحدة، بالتفاوض المباشر، مع حركة المقاومة الإسلامية، التي تصنفها واشنطن منذ عام (1997) بأنها جماعة «إرهابية».
ومن الواضح، أن الرئيس ترامب، صاحب المواقف المتقلبة، أظهر استعداده للخروج من القواعد السابقة، المعمول بها في بلاده، ضد حركة حماس، لسبب وحيد، يتمثل في رغبة سيد البيت الأبيض، إنهاء أزمة المحتجزين، بشكل يمنحه مكاسب سياسية، يظل طوال حياته يتفاخر بها، ويتباهى بإنجازها وهو يلعب الجولف، بحكم شخصيته التي تتورم فيها عقدة «الأنا»، وتتضخم داخله، حول تمجيد الذات وفي إطار هذا «الانتفاخ» يريد ترامب أن يرجع له الفضل وحده فقط، في الإفراج عن بقية المحتجزين، خصوصاً بعدما سئم من ألاعيب نتنياهو، الذي يعتمد على المماطلة، في تنفيذ استحقاقات اتفاق الهدنة، وتخريب المرحلة الثانية من الاتفاق.
وهذا الأمر، تسبب في إحراج صاحب «النتانة» أمام الرأي العام الإسرائيلي، وأجبر حكومته على المشاركة، في المفاوضات الأخيرة، التي عقدت في الدوحة.
والمفارقة الفارقة، أن المفاوضات المباشرة التي أجرتها حماس مع الإدارة الأمريكية، من المسافة صفر، أثارت حفيظة السلطة الفلسطينية بدلاً من الترحيب بها!
تماماً مثلما أثارت استياء الحكومة الإسرائيلية، التي تريد السيطرة، على المشهد التفاوضي، وتحديد مساراته، وتوجيهه وفقاً لشروطها وبناء على مصالحها، دون أدنى اعتبار، لحقوق الشعب الفلسطيني.
ولهذا لم تحظ المفاوضات «الأمريكية ـ الحماسية»، بقبول إسرائيل، التي اعتبرتها طعنة في ظهرها.
لكن ما يثير الغرابة، في هذه اللحظة المصيرية، وهذه الظروف المفصلية، هو غضب السلطة الفلسطينية ـ غير المبرر ـ من التفاوض «الحماسي» المباشر، مع الإدارة الأمريكية!
علماً بأن «منظمة التحرير»، هي التي ابتكرت التفاوض السري مع «الأعداء»، عندما قررت التواصل التفاوضي، بشكل سري مع إسرائيل، تمهيداً لتوقيع «اتفاقية أوسلو» في الثالث من سبتمبر عام 1993.
ولإنجاز هذه الاتفاقية الناقصة، لم تتشاور «المنظمة» مع أي طرف فلسطيني، ولم تنسق مع أي طرف عربي حول ترتيبات الحكم الذاتي، المحكوم بتوجهات وتوجيهات وقيود إسرائيل.
لكنها فعلت كل ذلك، بعد سلسلة من المحادثات السرية، التي انطلقت في العاصمة النرويجية أوسلو عام 1991، والتي تؤكد في مضمونها، وتشكل في تفاصيلها، نوعاً من «التخابر» مع جهات أجنبية.
*صحيح أن «المنظمة»، ـ ذات الأوضاع غير المنظمة ـ هي «الممثل الشرعي»، لكن ينبغي تحديد أي نوع من «التمثيل» تجيد القيام به، هل هو «التراجيدي»، أم «الميلودرامي»، أم البوليسي، أم الكوميدي؟
ولا أريد القول، إن «السلطة»، أصبحت متسلطة، لكن تثبت الأحداث المتلاحقة، منذ السابع من أكتوبر، أن السلطة تحولت إلى «سلاطة»، ولا ينقصها سوى «الفتوش»، ولا أقصد «الفنكوش» الذي ربما تجده تحت أنقاض غزة.
وربما ما زالت تبحث عنه، لإلقاء القبض عليه، وتسليمه إلى حكومة التطرف الصهيوني، في إطار «التنسيق الأمني» مع إسرائيل، خفضا للتوتر، ومنعا للمواجهة الشاملة، (على حد قولها) وليس - لا سمح الله- لحلها، وتفكيكها، وإسقاط حكمها، الذي تثبت الأحداث أنه يخلو من الحكمة!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
6738
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
819
| 25 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ تُعتبر العمود الفقري لاستقرار المجتمع وثباته، وانطلاقاً من هذه الأهمية، يجب على الكاتب أن يتصف بالاتزان والوعي في الجمع بين الطرح القانوني والاعتبارات الاجتماعية والإنسانية. ويُعتبر قانون الأسرة القطري رقم (22) لسنة 2006 أحد أهم التشريعات التي تنظّم العلاقات الأسرية، حيث تضمن نصوصاً مستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء، ومُراعية لقيم المجتمع القطري وخصوصيته. وذلك لا ينفي بُروز قضية “الحضانة» كواحدة من أكثر القضايا الجدلية. ومن أبرز القضايا المُثيرة للجدل القانوني والاجتماعي في أروقة المحاكم «قضية الحضانة» إذ تعتبر واحدة من أكثر المسائل الأسرية حساسية، وذلك ليس لضعف النصوص التشريعية وقصورها، إنما لما يرتبط بتطبيقها من تحديات مختلفة تتمثل في التعقيدات الإنسانية والاجتماعية بحثاً عما تتحقق به مصلحة المحضُون، وتكمن صعوبة التطبيق أيضاً في تشابك العوامل النفسية والاجتماعية المصاحبة لانفصال الزوجين. «الحضانة».. حق للمحضون لا للحاضن نظم المُشرع القطري مسألة «الحضانة» معتمداً على رؤية واضحة، وغاية نبيلة تتمثل في رعاية المحضون رافضاً اعتبارها سلعة مقايضة لإنهاء النزاع والخصومة بين الأبوين المنفصلين أو جائزة يفوز بها أحدهما، أو وسيلة لانتقام أحدهما، فلم ينظر القانون الى مسألة «الحضانة» على أنها نزاع بين متخاصمين «مدعي ومدعى عليه»، إنما نظر إليها كونها دعوى تحديد المكان الأنسب للمحضون بما يحقق له الأمان الشامل بشتى أنواعه، واعتبرها واجبا ومسؤولية لحماية الطفل ورعايته وتوفير بيئة آمنة له لضمان نشأته نشأة سليمة تحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي فاستقرار الأسرة أساس نهضة المجتمع الفكرية والتربوية. إن تحديد الحاضن في القانون القطري لا يعتبر إجراءً كافياً لتحقيق المصلحة الكافية والمرجوة للمحضون، إنما لا بد من توجيه دور الوعي المجتمعي نحو تعزيز مفهوم «الوالدية المسؤولة» حتى لو كان ذلك بعد الانفصال، لأن مصلحة المحضون تستوجب مراعاة شعور الطفل من الناحية المعنوية والناحية العاطفية بعد فقدان أحد والديه. وفي هذا السياق يبرز دور «مركز وفاق للاستشارات العائلية» الفعال والواضح في تقديم الإرشاد الأسري والتوجيه التوعوي، إلا أنه ما زال يتطلب مزيداً من العمل المشترك، وتعزيز التعاون بين جميع الجهات المعنية من خلال: 1 - وضع برامج إرشادية أسرية على أن تكون إلزامية قبل وبعد وقوع الطلاق، مع التوعية بالآثار السلبية الواقعة على الأطفال نتيجة فراق الأبوين أو تصعيد النزاع بينهما بعد الانفصال.. 2 - نشر مفهوم «الوالدية الأسرية“ على نطاق واسع يشمل وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، مع التأكيد على أنه التزام أخلاقي لا يتعلق باستمرار الحياة الزوجية أو انتهائها، مع ضرورة الفصل بين النزاعات المادية والمعنوية مع ما تقتضيه مصلحة المحضون. 3 - تفعيل الشراكة بين الجهات القضائية والتربوية والاجتماعية لمتابعة أحوال المحضون، وضمان توفر البيئة الصحية له، وحصوله على حقوقه كافة. خاتمة: إن النصوص القانونية لا تكفي وحدها لحماية المحضون، فلا بد من نشر الوعي المجتمعي، والدعم المؤسسي، والمسؤولية الوالدية، وحماية المحضون ليست مسؤولية القاضي وحده، بل هي أمانة في عنق الأبوين أمام الله والمجتمع.
711
| 20 فبراير 2026