رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يبعث على القلق ليس هو مصير الشرعية الدستورية أو مصير الدستور الجديد الذي بدأت المرحلة الأولى للاستفتاء عليه أمس الأول - السبت – أو المساحة التي يتعين أن تحصل عليها قوى الموالاة أو قوى المناهضة في الخارطة السياسية, وإنما ما يفت في عضدي هو مآل الدولة المصرية بمكوناتها المتجذرة في التاريخ والجغرافيا وأنساقها الحضارية الضاربة في القدم , والمتعددة المصادر والتي فرضت سطوتها على الواقع المعاصر بحكم أنها دولة مركز ومحورية التأثير بعناصر قوتها الصلبة في مراحل سابقة, وقوتها الناعمة بعد أن توارت لصالح بروز قوى إقليمية ودولية أخرى في النظام العالمي السائد منذ أكثر من ستين عاما أو أكثر قليلا.
أقول ذلك وعيني على حالة التشظي والانقسام ,التي باتت تسود المشهد العبثي في المحروسة على نحو أضحى من الصعوبة بمكان القفز عليها في المدى المنظور, بعد أن أريقت دماء ,وكسرت أجساد ,وهزمت أرواح , فاتسعت الهوة وغدت المسافات متنائية لا يجدي معها حوار وطني , أو محاولات جادة للتقارب.
والمؤكد أن النخب السياسية بتجلياتها المتنوعة وتحت المسميات العديدة والتي أخذت شكل المتوالية العددية في سرعة نموها, ثم انشطارها إلى مكونات أصغر هي من أفضت إلى هذه الحالة الغير سوية التي تعيشها المحروسة على نحو ربما لم تسبقه في تاريخها الحديث منذ نشأة دولة الباشا محمد علي منذ ما يقرب من القرنين, ولاشك أنه إذا استمرت هذه الحالة وفق معدل التشظي الذي تابعناه على مدى الأسابيع القليلة المنصرمة فإن الدولة المصرية مرشحة للانضمام لنادي الدول الفاشلة, بوضوح أكثر فإنها مرشحة لأن تتحول إلى صومال جديد قبل أن يحسم أمره قبل أِشهر ويدخل منطقة استعادة العافية بعد أكثر من عقدين أمضاهما في حالة حروب أهلية وقبلية واحتقان سياسي شديد انتهى بتدخل إقليمي وأجنبي, وضعها- وما زالت - تحت الوصاية الخارجية, ولم تكن أفغانستان تحت حكم حركة طالبان ثم تحت حكم كرازي المدعوم أمريكيا وغربيا بمنأى عن مفهوم الدولة الفاشلة .
والمعضلة في هذا السياق, أن مصر أوشكت على السقوط في مستنقع الدولة الفاشلة في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس السابق مبارك ,وكانت أنموذجية في تطبيق محددات هذه الدولة التي صاغتها علوم السياسة والتنظيم الدولي سواء من حيث غياب تصور سياسي ـ اقتصادي لمجتمع ما، وسلعة الأمن (هي أهم سلعة سياسية)، والتعليم والخدمات الصحية، والفرص الاقتصادية، والإشراف البيئي، والإطار القانوني لتحقيق النظام، والطرق ووسائل المواصلات، وعندما تنتهك الدولة التزاماتها أو من خلال بروز مؤشرات على ضعف مؤسساتها ليس التنفيذية فحسب بل والتشريعية أو تبعية الهيئة القضائية للسلطة التنفيذية وهو ما يحول دون حصول المواطنين على العدل والإنصاف، فضلا عن انتهاج فرص اقتصادية غير متوازنة، وتوافرها لقلة مميزة ومحددة، مما يسهم في توسيع دائرة ثراء فئة على حساب المجموع العام للشعب الذي يتضور
جوعاً، وازدهار الفساد على نطاق تدميري، وكذلك الإسراف في مشروعات دون جدوى، على حساب التعليم والخدمات الصحية والثراء على حساب الدولة.
ويقود توافر هذه السمات إلى أن تفقد الدولة وظيفتها الأساسية، وتتقلص شرعيتها، وقد تنتقل من الفشل إلى الانهيار وهو ما حال انبثاق ثورة الخامس والعشرين من يناير2011 إلى الحيلولة دون بلوغ مستوى الانهيار للدولة المصرية والتي كان من المتوقع أن تبلغه لو تم فرض مشروع توريث السلطة من مبارك الأب إلى مبارك الابن.
والراصد للسمات السائدة في الوقت الراهن, لن يعثر على تحسن حتى لو كان نسبيا فيها عما كان سائدا في سنوات مبارك - والتي بدأ البعض وحتى لو كانت أعدادهم محدودة تبدي نوعا من التحسر عليها- وهو ما يجعلني أحذر من مقاربة خصائص الدولة الفاشلة في مرحلة ما بعد ثورة يناير ,والتي مضى عليها ما يقرب من العامين دون أن يشعر المواطن بشرائحه المختلفة بأن ثمة تغييرا جوهريا في مسار حياته اليومية, فالأزمات بأنواعها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تتفاقم وحضور الدولة غدا باهتا وهو ما تلمسه كل عين ويحزن له كل قلب, بعد أن بات الانفلات الأمني سيدا في الشوارع والطرقات والمناطق النائية ,وليس ثمة شعور بالطمأنينة لدى الوجوه العابسة التي فقدت بهجتها التي استعادتها في الحادي عشر من فبراير 2011 أي بعد سقوط مبارك ورموز حكمه لكنها سرعان ما تلاشت ليس من الوجوه وإنما من الأفئدة والوجدانات أيضا .
والسر وراء ذلك هو أن النخب السياسية التي تصدرت المشهد بعد رحيل أسوأ نظام حكم في تاريخ المحروسة , لم تعر الاهتمام إلا لمصالحها الحزبية والشخصية دون أن يبرئ المرء بعض المنتمين للثورة الذين أدهشهم احتواء الفضائيات لهم فضلا عن قوى سياسية واقتصادية قدمت لهم الطعم اللذيذ , فسقطوا في شباكها على الفور فاستنشقوا رائحة المال والسيارات الفارهة وارتداء الماركات العالمية شاهقة الأثمان.
والأخطر من كل ذلك, أن كل فصيل بات يسعى إلى إقصاء الفصيل الآخر وتخوينه باعتباره يقود مؤامرة مفصلية عليه, وبالتالي يستحق العقاب والإبعاد والتهميش - إن لم يكن الإلغاء شبه الكامل من المشهد – وهو ما ولد حالة احتقان ظلت تتراكم مفعولاتها يوما بعد يوم شكلت الأرضية التي اتكأت عليها حالة التشظي الراهنة التي تعيشها المحروسة .
وتجليات الخطر التي ينبغي مواجهتها بحسم للمحافظة على كينونة الدولة المصرية تشتمل على الآتي :
*مؤسسة رئاسة ما زالت تحت التمرين لا تمتلك مشروعا للحكم, بالرغم من الشرعية القوية التي تمتلكها ,كونها جاءت حصيلة انتخابات حرة نزيهة ربما لأول مرة في عمر المحروسة المعاصر.
* قوى وأحزاب وجماعات سياسية ودينية تتصارع من أجل الاستحواذ على المكان والمكانة , بعضها مصاب بضيق أفق ويفتقر للإبداع ومهارة الانخراط في الفضاءات الجديدة التي تشهد متوالية التحولات بشكل يومي, وما زال مسكونا بشعارات ومحددات تنتمي لقرون عديدة وتغيب عنه التطورات المتلاحقة في الفكر والسياسة وطرق الحكم , بينما بعضها الآخر ما زال قابضا على مقولات أيدولوجية باهتة وعرجاء وفاقدة للتفاعل مع منعطفات ومنحنيات الواقع .
* سعى كل فريق لتأكيد حضوره عبر الشارع والميادين دون قدرة على التحاور والتجاذب بل والتنافس السياسي المقبول , وما بات يخيفني على هذا الصعيد لجوء بعض الأطراف إلى استخدام العنف والتهديد بملايين الأرواح دفاعا عن مواقفها أو حماية لمصالحها أو حتى تحت زعم حماية الشرعية, وهو ما تجلى بشكل عملي في واقعة الأربعاء قبل الماضي بقصر الاتحادية .
* تجاهل الأولويات التي كان يتعين عليها التركيز منذ أن تولى الرئيس الدكتور محمد مرسي صاحب الشرعية, التي لا يجوز لأحد أن ينازعه عليها, والتي تتمثل في مقاربات مع أشواق الناس الكبرى والصغرى وفي مقدمتها وقف وتيرة ارتفاع أسعار السلع والخدمات الملموسة على نحو غير مسبوق في حركتها, واتساع دائرة البطالة وبقاء العدالة الاجتماعية خارج سياق الخدمة, فضلا عن الانكماش الاقتصادي واستعادة زخم القطاع السياحي التي تكابد ملايين العاملين فيه منذ سنتين شظف العيش والركود والملل, وغير ذلك من جوانب النقص في العمران الذي كان مأمولا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.
إن ما تتعرض له الدولة المصرية من محاولات تهدد مآلها ومصيرها من فرط تكالب نخبها السياسية على السلطة أو الحصول على أكبر مساحة من الكعكة لن يكون مجديا لأي منها, إن لم تعدل من مساراتها وتصحح من تصوراتها, للتعاطي مع قضايا وإشكاليات المحروسة التي تستوجب الدخول في مرحلة الحشد الوطني القائم على توظيف المشترك, وهو متاح بشكل يفوق مرئيات هذه النخب التي لا تتجاوز مواقع أقدامها, بعد وقائع الأسابيع الأخيرة وليس سوى الحوار والتفاهمات القائم على الإدراك الحقيقي لمواطن الخلل وتصورات الحلول سبيلا لتجاوز حالة انسداد الأفق السائدة الآن.
السطر الأخير: وهبناك مفاتيح بيوتنا و"كلمة سر" قلوبنا قلنا: أنت البراءة والوداعة والنهر الذي سيفيض علينا , ذبحنا لك الأنعام , قدمنا لك الصحائف أطلقنا اسمك على شوارع المدينة أعلناك تميمة للبهجة العائدة , فوضناك تتحدث بعيوننا قلنا : أنت من سترسل البهاء للمدن المغلقة والزيت للصحارى الجائعة والسكن للأفئدة المتعبة والروح للأجساد المتهالكة والفرح بديلا عن الوجع.
قلنا: يأيها الوارد إلينا من حقول البلاد ومن فيض الحدائق ومن نسائم الشمال هب علينا ريحا من سحر الليل وقوس قزح من فتنة الأصيل وألقا من غياهب الضوء.
أرسلنا إليك عناوين بيوتنا, فتحنا لك الأبواب والنوافذ , شرعنا في كتابة اسمك أيقونة لأحلامنا.
رددناك أغنية لعشقنا الذي لم يأت, كتبناك رقية لأوجاعنا, رسمناك شمسا تقينا عثرة عتمتنا.
لكنك, عبثت بأوجاعنا سخرت من افتتانك بك, سافرت للضفة الأخرى.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
431
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
307
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5250
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2631
| 08 سبتمبر 2026