رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

819

م. حسن الراشد

إستراتيجية توطين «صناعة البيتومين»

17 نوفمبر 2025 , 12:00ص

يُعد البيتومين (Bitumen) المكون الأساس في صناعة الأسفلت المستخدم في رصف الطرق ومشروعات البنية التحتية وتطبيقات أخرى، وهو منتج نفطي ثقيل يُستخلص من بقايا تكرير النفط الخام عالي الكثافة. ومع توسع مشروعات البنية التحتية وصيانة شبكات الطرق، تبرز الحاجة إلى تأمين إمدادات محلية ومستدامة من هذه المادة الحيوية بما يعزز الاستقلال الصناعي والاقتصادي، ويقلل الاعتماد على الاستيراد وتقلبات الأسعار العالمية. ونظرًا لطبيعة النفط القطري الخفيف، تُعَد قطر الدولة الخليجية الوحيدة التي تعتمد بالكامل على استيراد البيتومين لتلبية احتياجاتها المحلية، بخلاف جاراتها المنتجة له، إذ إن الخام القطري من نوع الخفيف الحلو (Light Sweet Crude) يفتقر بطبيعته إلى المخلفات الثقيلة اللازمة لإنتاج البيتومين التقليدي، ما جعل السوق المحلي والمشروعات الحكومية تعتمد اعتمادًا كليًا على الاستيراد لتغطية الطلب المتنامي.

وقد بُذلت جهود بحثية مقدرة لمعالجة هذا التحدي عبر تعاون بين الجامعات والمراكز البحثية، حيث أُجريت في جامعة قطر وجامعة تكساس A&M دراسات متقدمة لتطوير خلطات بيتومينية مناسبة للبيئة القطرية. وأظهرت النتائج أن دمج التقنيات الحديثة يرفع كفاءة الأداء تحت الظروف المناخية الحارة والرطبة ويسهم في خفض تكاليف الصيانة على المدى الطويل. وفي الإطار ذاته، طرحت شركتا QatarEnergy وShell فكرة مبتكرة لإنتاج بيتومين اصطناعي من الغاز الطبيعي (GTL-Bitumen) عبر تكنولوجيا فيشر–تروبش (Fischer–Tropsch)، تقوم على تصنيع شموع ثقيلة (FT Waxes) تُعالج حراريًا أو تُخلط مع زيوت أثقل للحصول على مادة لزجة بخصائص قريبة من البيتومين التقليدي.

وتبرز في هذا السياق تجارب دولية ملهمة لدول غير منتجة للنفط مثل هولندا واليابان، اللتين أثبتتا أن الاعتماد على النفط المستورد لا يُعد نقطة ضعف بالضرورة، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة ابتكار صناعي. ففي هولندا يتم خلط خام ثقيل مستورد مع خام حلو محلي في مصافي روتردام لتحقيق المواصفات الفنية وضبط نسب الكبريت، مع إعادة تدوير نحو 50% من الأسفلت المستخدم. أما اليابان فقد طورت أنواعًا متقدمة من الأسفلت مثل الأسفلت الصامت والطرقات المبردة، وبلغت معدلات إعادة التدوير لديها أكثر من 70% من إجمالي الأسفلت المستخدم، ما يؤكد أن الجمع بين التقنيات الحديثة والمواد المعاد تدويرها يسهم في خفض التكاليف ورفع جودة الطرق واستدامتها.

ورغم أن البيتومين لا يشكل سوى 4–6% من وزن الخلطة الأسفلتية، إلا أنه يمثل 65–78% من تكلفة المواد، وقد يصل إلى 30% من إجمالي تكلفة مشاريع الطرق، ما يجعل تقليل كلفة إنتاجه أو استيراده عنصرًا أساسيًا في تحسين كفاءة الإنفاق على البنية التحتية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مسارين استراتيجيين لتوطين صناعة البيتومين: الأول يتمثل في إنتاج البيتومين من الغاز الطبيعي (GTL-Bitumen) عبر تكنولوجيا متقدمة، وهو خيار ذو موثوقية بيئية عالية لكنه يحتاج إلى رأس مال كبير وشراكات أجنبية متخصصة تضمن نقل التقنية وتشغيلها تجاريًا بكفاءة. أما المسار الثاني، وهو الأكثر واقعية وعملية في المدى القريب، فيتمثل في استيراد خام نفطي ثقيل منخفض الكلفة وخلطه محليًا مع الخام القطري الخفيف في مصفاة قائمة أو ضمن توسعات المصافي المستقبلية، بشرط وجود شراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) وعقود شراء طويلة الأجل (Off-Take Agreements) لتشجع المستثمرين المحليين والأجانب على دخول هذا القطاع الحيوي.

ويمكن تعزيز الجدوى الاقتصادية لهذا الخيار من خلال التعاون مع شركات آسيوية من الصين أو الهند لما تمتلكه من تقنيات بسيطة، وتكاليف تنافسية منخفضة، وكفاءة تشغيلية عالية قادرة على تلبية المواصفات القطرية والخليجية. كما يتطلب نجاح هذا التوجه توفير دعم مؤسسي وضمانات تمويلية وحوافز استثمارية تشمل الإعفاءات الضريبية وتطبيق نماذج الشراكة الدولية (BOT، BOOT، BOO، DBFO)، إلى جانب تفعيل دور الجامعات والمراكز البحثية في التطوير والاختبار وتحسين جودة الخلطات لتناسب الظروف المناخية المحلية.

إن تبني هذا التوجه الاستراتيجي سيحول صناعة البيتومين من عبء استيرادي إلى فرصة صناعية واعدة تعزز الاستقلال الصناعي والاقتصادي، وتدعم مفهوم «التوطين» كإحدى ركائز رؤية قطر الوطنية 2030، وتُرسخ شعار «صُنع في قطر» كرمز لجودة البنية التحتية وكفاءة الإنفاق وابتكار الحلول البيئية، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الصناعات التحويلية والتقنيات المحلية في مجالات إعادة التدوير وتطوير المواد المرتبطة بصناعة الأسفلت.

مساحة إعلانية