رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بدلا من تسويق فكرة المؤامرة الدولية الغامضة على مصر ليتنا نطالع وجوهنا في المرآة ونتثبت من صلابة الأرض التي نقف عليها.
❶
يوم الجمعة الماضي ١٣/١١ وجدت الإشارة إلى «المؤامرة» متواترة في أغلب التعليقات والمقالات التي نشرتها ٧ صحف مصرية، وحينما حاولت إحصاء عدد المرات التي ذكرت فيها الكلمة، فإنني توقفت عند الرقم ٤٧ بعدما مللت من التدقيق في الأعمدة المنشورة. كانت الإشارة إلى المؤامرة الدولية عامة في بعض الكتابات التي علقت على قرار بعض الدول وقف رحلاتها إلى شرم الشيخ، بعد حادث سقوط أو إسقاط طائرة السياح الروس، فإن كتابات أخرى خصت تنظيم الإخوان الدولي وبريطانيا بالاتهام. وغمزت في القرار الروسي. إلا أنني توقفت أمام ما نشرته جريدة «الأهرام» يومذاك على صفحتين كاملتين إحداهما خصصت لمقالة رئيس التحرير التي وسعت من نطاق المؤامرة وكان عنوانها «المشروع الوطني في خطر». وكان التركيز فيها على الجهود التي تبذل لتنفيذ المؤامرة التي تستهدف إسقاط الدولة، سواء من جانب أطراف داخلية وصفت بأنها «خائبة سواء كانت عميلة أو جاهلة»، أو من جانب أطراف أخرى إقليمية أو دولية لم يسمها الكاتب. الصفحة الثانية خصصت لتأصيل المؤامرة وشرح أبعادها التاريخية والأطراف التي تدبرها في الوقت الراهن. وتم ذلك من خلال حوار أجري مع أستاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس الدكتور جمال شقرة. وأهم ما قاله إن مصر تتعرض لعدوان ثلاثي جديد يعيد مشهد العدوان الثلاثي الذي تعرضت له عام ١٩٥٦، أثناء الحقبة الناصرية، وشاركت فيه إلى جانب إسرائيل كل من فرنسا وانجلترا. أما أركان العدوان الثلاثي الجديد في رأي أستاذ التاريخ فهي الولايات المتحدة وتركيا وقطر. وحين سئل عن الفرق بين العدوانين، قال: في عام ٥٦ استخدم العدوان المباشر العسكري والاقتصادي. أما العدوان الجديد فهو يتمثل في حروب الجيلين الرابع والخامس، التي تقوم الجماعات الإرهابية بدور الوكيل فيها. إذ هي تسعى إلى تفكيك وتفجير البنية الاجتماعية لكي يتم تفتيت الشرق الأوسط إلى دويلات صغيرة.
❷
كنت مستعدا لفهم تواتر فكرة المؤامرة الدولية التي لا نعرف لها محتوى أو مضمونا في تعليقات بعض الصحفيين والكتاب، ولكن التأصيل الذي قدمه أستاذ التاريخ كان مدهشا حقا، وذلك أن الرجل قارن بين تجربة جمال عبدالناصر في الخمسينيات والموقف الذي يواجهه الرئيس عبدالفتاح السيسي في الوقت الراهن. وهو في ذلك تجاهل الفروق الكبيرة بين عالم الخمسينيات وبين زمننا الراهن. وبين سياسات عبدالناصر ومعاركه التي خاضها وبين السياسات المتبعة في مصر الآن. إذ لم يذكر أستاذ التاريخ أن عبدالناصر تحدى تلك الدول وكانت له معاركه ضد الولايات المتحدة التي رفضت تمويل مشروع السد العالي. كما أثار حقد البريطانيين والفرنسيين بتأميمه للقناة ومساندته لحركات التحرر الوطني آنذاك. وأهم من هذا وذاك أن عداءه كان لإسرائيل واحتلالها لفلسطين كان معلنا، إلى جانب أنه في كل ذلك كان يراهن على التعارض القائم بين قطبي النظام العالمي آنذاك، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. الشاهد أن عدوان ٥٦ أريد به تأديب عبدالناصر وتقليم أظافره وإجهاض مشروعه الوطني والتحرري. وهذه العوامل كلها لا وجود لها في الوقت الحاضر، وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه إذا كان هناك ألف سبب يدعو الدول الغربية الكبرى وإسرائيل للاشتباك مع عبدالناصر وهزيمته. فليس هناك سبب واحد يدعو تلك الدول بما فيها إسرائيل للتآمر ومحاولة إسقاط النظام القائم في مصر الآن. بل إن مصر المسالمة والمهادنة للجميع «اشتباكها مع تركيا وقطر إعلامي وسياسي» لم تشكل عقبة عوقت أو عطلت شيئا من الممارسات الغربية أو الإسرائيلية في المنطقة. أما حكاية انحياز بعض دول الغرب للإخوان فهو ادعاء يصعب أخذه على محمل الجد. لأن تلك الدول لها أنظمة ديمقراطية مفتوحة الأبواب للعمل السياسي لأي طرف، وهو ما يستفيد منه الأكراد في ألمانيا ودول شمال أوروبا كما تستفيد منه جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المتمركزة في فرنسا. أما الانتقادات التي توجهها بعض المنظمات الحقوقية الدولية لسجل مصر في حقوق الإنسان فهي لا تعد مؤامرة وإنما هي تعبير عن التزام تلك المنظمات بمبادئها والقضايا التي تدافع عنها. وفي كل الأحوال فلهذه الدول مصالح وسياسات تدافع عنها وربما لها أيضا تحيزات معلنة «لإسرائيل مثلا» وهو ما لا يعجبنا بطبيعة الحال، لكنه مما لا ينطبق عليه وصف المؤامرة إلا في وسائل الإعلام في بلادنا.
حديث المؤامرة ليس جديدا، وهو شائع في المجتمعات غير الديمقراطية، وقد وثقه جورج أورويل في روايته ١٩٨٤، التي تصور فيها بريطانيا بعد اجتياح النازيين لها «أطلق عليها في الرواية اسم «أوشينيا»» وخضعت لحكم «الأخ الكبير» الذي لم يجد وسيلة لتشديد قبضته وإحكام سيطرته على المجتمع إلا بإيهامهم بأن البلاد تخوض حربا شرسة ضد دولة لم يسمع بها أحد هي «أوراسيا»، وضد عدو شيطاني كان رفيقا يوما ما، لكنه خان وانضم إلى أعداء الدولة اسمه إيمانويل جولدشتاين. وظل محور السياسة الداخلية طول الوقت هو التخويف من خطر مؤامرة أوراسيا ومخططات «عدو الشعب» جولدشتاين. وبذريعة إحباط المؤامرة والتصدي للعدو المتربص مارس نظام الأخ الكبير كل صور القمع ضد المعارضين، وصرف انتباه الناس طول الوقت عن فشله في الخارج وحياتهم البائسة في الداخل.
❸
أيا كان تكييف الإجراءات والسياسات التي تتبعها الدول الأجنبية إزاء مصر، وبعضها يصدر عن دول صديقة ولا تفهم دوافعه الحقيقية «مثل إلغاء موسكو لرحلات الطيران إلى مصر» فإن الاكتفاء بالتنديد بالمؤامرة الدولية لا يحل ولا يربط. إذ غاية ما يسفر عنه أنه يروج للشعور بالخطر الآتي من الخارج، ويحاول إقناع الرأي العام بأن «الحق على الطليان» كما يقال. وفضلا عن أنه يعد تشخيصا غير دقيق فإن أثره لا يتجاوز حدود تعبئة الرأي العام ضد قوى الخارج «المتآمرة». وحين يعلق الأمر على مسؤولية ودور المؤامرة الخارجية فإن ذلك يوجه إلى الداخل رسالة خلاصتها أن الأمر خارج عن إرادته ولا يد له فيه. وهذه أسوأ رسالة يتلقاها شعب يخوض معركة.
لا نحتاج إلى محلل استراتيجي ولا إلى خبير عسكري، لكي يقول لنا إن تقوية الجبهة الداخلية يعزز صمودها ويجعلها قادرة على تحدي أي تهديدات أو مؤامرات خارجية، وأنك قبل أن تصوب سلاحك نحو عدو يتهددك ينبغي أن تتثبت من صلابة الأرض التي تقف عليها.
هذه الخلفية تستدعي السؤال التالي:«هل الجبهة الداخلية في مصر تتمتع بالتماسك والصلابة التي تمكنها من الصمود أمام التحديات والضغوط التي تحيط بها من كل صوب»؟ إننا حين نطالع نشرة أخبار مصر الراهنة فسوف نطالع فيها العناوين التالية: قطاع السياحة مهدد بالشلل بعد حادثة الطائرة الروسية والتداعيات التي ترتبت عليها ـ الجنيه المصري يترنح أمام الدولار ـ مساع مصرية للاقتراض من البنك الدولي ـ القوات المسلحة تستدعى للمساهمة في توفير السلع للمستهلكين بأسعار مناسبة ـ الأمطار والسيول تغرق الإسكندرية والبحيرة وبعض القرى ـ تعثر مباحثات سد النهضة الإثيوبي لتجنب مخاطره المحتملة على مصر ـ دخل قناة السويس يتراجع بسبب بطء حركة التجارة الدولية ـ انفراط عقد تحالف ٣٠ يونيو ـ عزوف المواطنين عن المشاركة الفعالة في التصويت في الانتخابات التشريعية ـ شكوى المنظمات الحقوقية من استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في السجون وأقسام الشرطة ـ حملة واسعة للكشف عن ضحايا الاختفاء القسري ـ وجود أكثر من ٤٠ ألفا من سجناء الرأي «٤٠ ألفا في قول آخر» في السجون إضافة إلى أكثر من ٤٠٠ محكوم عليهم بالإعدام ـ تراجع المساعدات الاقتصادية المتوقعة من بعض الدول الخليجية بسبب انخفاض أسعار البترول ـ استمرار تراجع احتياطي مصر من النقد الأجنبي حتى وصل إلى ١٦.٣٣٤ مليار دولار، في حين كانت قيمته ٣٦ مليار دولار قبل ثورة يناير ٢٠١١ ـ استمرار العمليات الإرهابية في سيناء وإلقاء القبض على بعض الخلايا التي اتهمت بالإرهاب في أنحاء مختلفة من البلاد.. إلخ.
لن أختلف مع من يقول بأنه في مقابل ذلك الجزء الفارغ من الكوب هناك جزء آخر ملآن لا ينبغي أن نتجاهله. منها اكتشاف بئر الغاز الجديدة وشق تفريعة قناة السويس وانضمام مصر إلى عضوية مجلس الأمن.. إلخ. مع ذلك فأيا كان حجم الجزء الملآن، فإن عناوين الشق الفارغ ترسم صورة غير مطمئنة للواقع المصري، على نحو يثير تساؤلات قلقة حول حصاناته وعافيته، ومن ثم قدرته على مواجهة التحديات التي تحيط به.
❹
أدري أن الموضوع كبير وزواياه متعددة، لكنني أرجو ألا نختلف على أن الاصطفاف الوطني أصبح واجب الوقت. وأنه إذا جاز لنا أن نقبل أو نحتمل انفراطا أو مشاحنات وتجاذبات خلال السنتين الماضيتين. فإننا ينبغي أن نعيد النظر في كل ذلك الآن. سواء كنا بصدد مؤامرات أو تحديات فإن انقسام المجتمع والإحباط المخيم على أرجائه يفقد مصر قدرتها على مواجهة ما يلوح في الأفق من تحديات. وإذ أتصور أن ذلك الوضع يتطلب مناقشة موسعة، كما أنني أفهم أن استعادة المجتمع للياقته تتطلب وقتا طويلا، إلا أنني أزعم أن الانفراج السياسي بمعنى إطلاق الحريات العامة وإلغاء القوانين المقيدة لها والإفراج عن السجناء السياسيين يمثل مدخلا أساسيا يفتح أبواب الأمل في المستقبل ويعيد الثقة التي اهتزت لدى كثيرين في تصويب المسار. ولا يقولن أحد إن الانتخابات البرلمانية الجارية توفر ذلك الأمل لأنني أزعم العكس تماما. فإذا كانت الأجهزة الأمنية قد تدخلت في ترتيب أمر القوائم والمرشحين، وإذا كان الإجماع منعقدا على أن المجلس القادم سيكون بلا معارضة، فإن برلمانا هذه صورته يصبح عبئا على الديمقراطية وسببا آخر لليأس والإحباط.
ما لم يتم الانفراج السياسي فإن أزمة مصر سوف تستمر ولن يكون بمقدورنا أن نواصل الحديث عن مؤامرة تدبر من الخارج لأننا سنباشر المهمة بأنفسنا.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1197
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1023
| 06 أكتوبر 2026