رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتوكأ على عصا من جمر, لا, لأهش بها غنمي, فليس لدي غنم أو أنعام, ولكن لدي أمة تحتاج إلى من يدفع عنها مكامن الوجع المحدقة بها, وتنخر فيها أشبه بالسوس القديم الذي اتخذ- رغم غيابه- أشكالا مغايرة أكثر قدرة على النفاذ إلى الأجساد والأرواح, فباتت الأمة منخرطة في ثباتها الغميق, سادرة في غيها وتهافتها على الذوبان والاستغراق في معضلاتها التي لاتنتهي, في حاجة إذن -هي وأنا- إلى عصا من جمر مشتعلة متوهجة متقدة لتمتلك القدرة على الإيقاظ, على بث العزيمة التي تهاوت, على كتابة مسار جديد, تمضي باتجاهه لتغير واقعا,بلغنا فيه مرحلة انسداد الأفق وإن لم نصل إلى مرحلة القنوط.
عصا من جمر, تعني ضمن ما تعني أن تحرق مدارات دخلتها الأمة في العقود الأخيرة, فأدخلتها حالة من الركود وسفك الدماء, وإباحة ما كان محظورا بين المنتمين إليها, من تخريب الديار وتدمير الأوطان وإهلاك الأنفس, وفي قول آخر ممارسة الذبح بأسوأ الأساليب وأردأها وأبشعها, على مدى التاريخ الإنساني فتشوهت ملامحنا وساءت صورتنا الحضارية, فنحن قتلة ودمويون ونتهالك في قتل بعضبنا البعض, بينما عدونا الحقيقي رابض على الحدود متمدد في الأراضي منتهك للحقوق, واللافت أن من بيينا من يتعاون ويتشارك معه, ويحيطه علما بما يجري فيما بيننا, وهو واقف يتأمل ويشاهد ويمارس السخرية من أعداء توحدوا على أن السلام معه خيارهم الإستراتيجي الوحيد, في حين أقسموا على أن يمارسوا فيما بينهم فعل الإبادة بكفاءة عالية.
عصا من جمر, تبدو عصية على الخضوع لنا, لأننا نفتقد الإرادة والرغبة على تطويعها, بينما هي بين أيدينا, يسيرة سهلة ومهيأة, وتشبه قبضة الماء سرعان ما تغادر أكفنا عند الإمساك بها غير أنه لو قبضنا عليها بقوة وفعالية لظلت بها حتي نقذف بها, عصا الجمر نائية عنا بعيدة, توقفت حركتنا عن السفر إليها للإمساك بها, ولو نجحنا لوهلة, ترحل عنا في سرعة الضوء, فنظل نبحث عنها نلاحقها, فتنأى أكثر تتباعد نبصرها بأعيننا نكاد نقترب منها, غير أنه سرعان ما ندرك أن الأمر محض سراب بقيعة.
أمتنا في زماننا, قبض ريح, كف ماء غير قابلة للإمساك بها, مهد مصنوع من خيوط عنكبوت, خيمة دونما وتد, منزل بلاقواعد, أحاطت بنا صنوف العذابات والمكابدات والكوارث والمآسي والجراحات, تصيبني الحيرة, وأتساءل بمرارة هل من يمسكون بمفاصل أوطانها وشعوبها لايقرأون دفتر أحوالها؟ وإن قرأوا – لو أتيح لهم ذلك – لايستوعبون ما بين السطور أو من السطوار ذاتها, وهو في يقيني واضح وسافر للعيان, وليس في حاجة إلى استفاضة في الشرح والتفاصيل, وحتى هذه اللحظة - رغم أني دخلت رحم الستين قبل شهر ونصف تقريبا- لم أعثر على إجابة عن سؤال ما الذي جرى ويجري للأمة؟
عدت إلى التاريخ, أذهلتني حقائقه التي يحاول البعض تبييضها لصالح مواقفه وأفكاره, فوجئت بأن الصراع على السلطة كان المعادلة السائدة في معظم فتراته, وللأسف باسم المقدس الديني ارتكبت الكثير من الحماقات والممارسات التي تتنافي معه في التعامل مع الآخر, المختلف معه سياسيا والذي يدور معه الصراع على السلطة, وللأسف بلغ الأمر ذروته بالولوج في موجات التكفير وهي موجات بدأت مبكرة في عصور الخلفاء الراشدين, ولاأكاد أصدق أن نفرا ممن ينتمون إلى الإسلام ويؤمنون بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا, يكفرون سيدنا علي الخليفة الرابع رضي الله عنه وكرم وجهه, فلقد أخرجوه, وهم الخوارج من الدين والملة والحكم بما أنزل الله, وأظن أن هذه الجماعة بالذات هي التي وضعت, بما أسسته من تطرف في النظرة إلى أحكام الشريعة وتضييق مفرط في تفسير آيات القرآن الكريم وتأويلها يما يلبي رؤاهم الضيقة, البداية الخاطئة لكل جماعات التشدد في الإسلام والتي تبرز حاليا في آخر تجلياتها فيما يسمى بــ "داعش", وقد لفت انتباهي حديث للنبي محمد صلى الله عليه وسلم قاله مبكرا في صيغة تحذرية لصحابته وتابعيهم ولأمته فيما بعد يحدد فيه ملامح سلوكهم الخارج عن جوهر الإسلام يقول فيه:"يأتي في آخر الزمان قوم, حدثاء الأسنان, سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية, يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأثان, غزيرو اللحية, مقصرو الثياب ومحلقوالرؤوس, يحسنون القيل, ويسيئون الفعل, يدعون إلى كتاب الله, وليسوا منه في شيء, يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن قتلهم أجر لم قتلهم يوم القيامة".
إن ما يصنعه داعش بالأمة تجاوز كل حد, وبات من الضرورة بمكان التصدي له, بعد أن خرب عقول الشباب وسفه أحلام العباد وأهلك البلاد تحت زعم أنه قادم لإقامة دولة الخلافة, فأي خلافة يمكن بناؤها واستمرارها على جماجم البشر باستخدام السكاكين والسيوف, فضلا عن أحدث الأسلحة التي يصنعها من يعتبرونهم أعداء وخصما, وعلى الرغم من أنني لا أميل إلى اعتبار داعش وأخواته من تنظيمات الإرهاب المنتشرة في الأرض, صناعة غربية صرفة, بمعنى أن الغرب قام بتشكيلها وتصعيدها وتقويتها ودفعها للسيطرة واحتلال المدن والأراضى, ولكني أكاد أصدق أنها ضالعة بشكل أو بآخر في منظومة, وفر لها الغرب وبالذات أجهزة الاستخبارات الأمريكية, كل البيئات الحاضنة لانطلاقها حتي تدخل المنطقة في أتون الحروب الأهلية والتمزيق الطائفي والمذهبي وهو ما تعيشه الأمة التي استجابت في سذاجة مفرطة للسقوط في فخ أهداف داعش ومن وفر القدرة له على الانتشار والتمدد, ولاحظ معي أن ما يسمى بالتحالف الدولي لمحاربة داعش والذي يضم أكثر من أربعين دولة بقيادة الولايات المتحدة, لم يتمكن بعد مضي ما يزيد عن العام من تشكله من الحسم المعركة مع داعش, بل إنه في ظل هذا التحالف سيطر على أكثر من نصف من مساحة سوريا وأكثر من ثلث مساحة العراق وكلما يتم طرد وإبعاد عناصره من مدينة أو أخرى يسارع بالعودة إليها أو الاستحواذ على مدن ومناطق أخرى.
عصا من جمر هي خيارنا الإستراتيجى, لإعادة العافية للأمة ولإجبارها على إجهاض أهداف داعش وغيره من تنظيمات الإرهاب, ومن يقف خلفها سواء في الغرب أو في الشرق أي في أي مكان, والأمة على الرغم من كل ما اعتراها من عوامل تفكك وضعف وهشاشة, فإنها قادرة على النهوض واليقظة والعودة إلى الصواب وثمة خطوات مطلوبة لتحقيق ذلك على المدى المنظور, وهي تتعلق فقط بتوافر الإرادة على قلب المعادلة السائدة في المرحلة الراهنة, ودخلت معها الأمة النفق المعتم غير أن الأهم ما هو مطلوب على المدى البعيد, والذي يتطلب تغييرا شاملا في كل ما هو قائم حاليا سواء على صعيد البناء السياسي أو العسكري أو الدفاعي أو الأمني أو التعليمي أو الاقتصادي أو الفكري, وكل ذلك متاح عبر متوالية من الدراسات أعدتها مراكز البحوث سواء التابعة للحكومات, أو التابعة للمؤسسات العلمية والأكاديمية في مختلف أقطار الأمة, المهم السعي الجاد والحقيقي والحثيث, إلى وضعها على سكة التطبيق والتفعيل والتنفيذ وهو ما ينقصنا.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
177
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
93
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
150
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4815
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2679
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2298
| 02 يونيو 2026