رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تطور وقائع يوم 25 يناير 2011 إلى ثورة شعبية كان يحمل علامة أساسية، أن الشعب الذي خرج منه عشرون مليون مواطن إلى شوارع مصر، يرفض نظام الحكم واستبداده وفساده ويرفض غيابه عن معادلة الحكم وغاياتها.
والنظام بالقطع ليس مجرد رئيس وحزب حاكم، ولكنه يشمل مجموع مكونات النظام السياسي في الحكم أو المعارضة، خاصة وأن أحزاب المعارضة لم تكن تعبر عن القوى الاجتماعية فانفصلت عن الشعب وتفرغت لصراعاتها الداخلية، ومحاولات نيل حصة أيا كانت ضآلة حجمها من مجالس نيابية زائفة، أو وظائف وخدمات. كانت المعارضة شريكا فيما يسمح به النظام، وكانت تلعب وفق قواعده هو وليس خارجها، بل إن بعض التنظيمات التي ظهرت بعد الثورة كانت بالأساس تدار بواسطة جهاز أمن الدولة قبل أن تصبح أحزابا.
رفض الشعب النظام بكافة مكوناته وتجاوز كل الأحزاب والتيارات، وتجاوز النخبة، ولم تكن هناك لدي هؤلاء رؤية تتوافق والاحتياج الشعبي، وغاب الوزن الجماهيري لهذه الكيانات والأفراد وغابت المصداقية.
لم يخرج الشعب المصري ليزيح الاستبداد ويستبدله بمستبد آخر من جماعة الإخوان أو التيارات السلفية.
لم تكن قضية الشعب المصري تحديد الهوية الوطنية، أو موقفه من الدين، فالشعب المصري يملك هوية صاغتها حضارته وصاغ بها الحضارة، وأدرك معنى الوطن وتجاوز القبيلة والعشيرة ووحد شمال مصر وجنوبها منذ آلاف السنين ليقيم الدولة. وعرف معنى الخالق الإله، وعرف عقيدة التوحيد قبل شعوب الأرض والجماعات الدينية المستحدثة. وحدد معنى الأمن ونطاقه، ووصل إلى إدراك أن بوابات الأمن هناك في شمال الشام وشرقا في بلاد فارس. وعرف العلوم والفلك والفنون، واستقر مجتمعة في الوادي وعرف الزراعة.
ولد نبي الله موسى وتربى فوق أرض مصر، وجاءها يوسف النبي وحكمها واتخذ من أرض الفيوم مخزنا لغلال سبعة أعوام، وعرفت مصر التخطيط بين زمن الرخاء وزمن القحط، ومشيت مريم العذراء حتى أسيوط حاملة المسيح عيسي بن مريم، وتعلم أبو الأنبياء إبراهيم أولى خطوات المعرفة في معابدها، وتزوج هاجر المصرية أم النبي إسماعيل أبو العرب، وتزوج محمد خاتم الأنبياء من ماريا القبطية المصرية وأوصى خيرا بأقباط مصر.
لم تكن مصر دولة كفر بالله يوماً، لتحتاج من يأتي إليها مدعيا أنه يعيدها إلى الدين، بل كانت مصر الدولة تستطيع أن تحكم مياه الري وتنظمها عبر آلاف السنين، وكانت الدولة القوية قادرة أن تكون بيئة متسامحة مع كل الأديان فوق أرضها، وعندما يأتي عارض يضعف الدولة، تطل الفتن برؤوسها وتسعي إلى اقتناص الدولة وليس إحياء الدين.
كانت ثورة يناير الشعبية ضد نظام الحكم ولم تكن الثورة ضد الدولة. فالمصريون يدركون معنى الدولة، ويدركون أعمدتها الأساسية، وهي فدس الأقداس لديهم.
يعلم المصريون قيمة الأزهر، ويدركون أن رجاله ليسوا كهنة المعبد، وعندما يقف إماما ليوم جمعة فوق منبر الأزهر مدافعا عن الأزهر والإسلام في مواجهة محاولات "أخونة" الأزهر ويصل به الأمر حد البكاء فوق المنبر، يدرك من يملك بصرا وبصيرة أن الخطر يحاول أن يحيق بهذا الجامع الجامعة. ويدرك المصريون قيمة القضاء، وله عندهم جلاله ووقاره، نعم لديهم ملاحظات، ولكن موقف القضاة عام 2005 كان علامة تحول في تاريخ الحركة الوطنية المصرية. ويدرك المصريون قيمة الجيش المصري وأنه كان دائما هدف الشعب، إقامة جيش مصري وطني قوي، وضرورة زيادة عدده وعتاده، وأنه حصن الأمان القومي. ويدرك المصريون أن أي مناورة علي أي من هذه الأعمدة الرئيسية للدولة ــ وأيا ما كان على هذه المؤسسات من ملاحظات ــ يرفضها المصريون في عمومهم وليس أولئك أصحاب الحناجر الصارخة بما لا تدرك أو أهواء الخلافة الإسلامية ووراثة السلطة والدين علي حساب الشعب وحاجاته المعيشية، أو تلك المحاولات لهدم صرح القضاء واستبداله بقضاء عرفي وبأدوات من داخل القضاء ذاته.
كانت الثورة استرداد للإرادة الوطنية، ولم تكن بحثا عن هوية ضاعت أو عن دين فقدت الطريق إليه.
رفعت الثورة بالإرادة الوطنية شعار "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وكان شعارا جامعا يتجاوز شعار إسقاط النظام إلى تحديد غايات استراتيجية للثورة، ولا يتوقف عند محدودية شعار "ارحل" الذي حاول السيطرة علي إرادة التغيير.
ولم يعطي الشعب تفويضا لجماعة دينية أو حزب أو نخبة لتعبر عنه، وقضية صناديق الانتخابات أمر آخر غير إرادة الثورة وبعيدة كل البعد عن الشرعية الثورية، بل هي إهدار للثورة، وتجاوز لمعنى الشرعية الثورية ومقتضياتها والهروب مما يترتب عليها من مسؤوليات، بمناورة الصناديق تحت عنوان الديمقراطية الشكلية دون مضمونها في التعبير الواقعي عن إرادة شعب ينشد التغيير. الديمقراطية كما جرت ممارستها هي سرقة للإرادة الوطنية وتجاوز لها وتآمر على الثورة لإجهاضها.
الشرعية الثورية وهدم نظام الاستبداد والحفاظ على بنية الدولة هي قضايا يجب التعامل معها بكل جدية حتى لا تتحول إلى جدل عقيم يخرج عن أهواء تغامر بالوطن ولا تتحمل مسؤولية البناء.
يرصد المتابع المنصف للثورة المصرية أن النتائج لا ترتبط علي أي نحو بالمقدمات، وأن الاتجاه الرئيسي للثورة كان يستهدف التغيير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر، وجري تحويل الاتجاه لإعادة إنتاج النظام السابق بمكونات شاركته فترة حكمه، بل هي تدين بوجودها له أو لنظام السادات الذي سبقه، واهم ما يجب الانتباه إليه ذلك الحديث الغير دقيق بان الشعب أراد ما آلت إليه الأمور في مصر، فالفارق كبير بين إرادة الشعب في هدف الثورة الأعلى "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" وبين رؤية المكونات السياسية للنظام الذي يجري إنتاجه والتي تغيب كلية عن هدف الثورة الأعلى، بل هي تتحرك في إطار النظام السابق وبآلية التيار الإسلامي. لقد جرى اختزال الوطن في جماعة الإخوان والتيار السلفي بناء على القدرة التنظيمية والعدد، دون اعتبار لماذا كانت الثورة وماهية أهدافها، حتى صار الخلط بين الجماعة والدولة خلطا لا يقبل به المواطن، وقد يؤدي هذا الخلط إلى انفجار مواجهات في المستقبل.
إن عدم اتساق النتائج مع المقدمات هو السبب الرئيسي لحالة الارتباك القائمة الآن في مصر.
الثورة حركة للأمام وهي عمل تقدمي، وهي بالأساس عمل اجتماعي، وليست مجرد حدث سياسي يصيب نظاما قائما، ليتم استبدال جماعة حكم بجماعة أخرى.
الثورة تعيد تكوين العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، وبين قواه الاجتماعية الحية، وليس بين مكوناته السياسية خاصة أن كانت مناوئة للثورة أو رافضة لمنهجها.
رفعت الثورة الشعبية المصرية شعار الاستقلال الوطني، ولم تكن تسعى لنظام حكم يسعى للرضا الأمريكي ليستمد منه قوته أو شرعية بقائه.
نجح التحالف المضاد للثورة في إخراج الشعب من المعادلة، مما أدى للسقوط في بركة النظام السابق مع تغير في شكل الخطاب السياسي ليحمل سمة الدين قسرا مع ذات المضمون والتوجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
ولم تعبر السلطة القادمة بديمقراطية الصناديق عن قوى المجتمع، فأصبحت غريبة عن الثورة.
إن ما يجري في ميدان التحرير فقد أي علاقة له بالثورة، وصار نوعا من التقليد الباهت لحركة الاحتشاد التي حققت إنجاز كسر حاجز الخوف وإقالة الرئيس السابق، وصار الوجود بالتحرير نوعا من النزق لا علاقة له بالثورة ولا بالدولة وخارج سياق اللعبة السياسية الجارية.
إن الاتجاه إلى استنباط سلطة سياسية من واقع سياسي مقهور هو هروب للأمام، لقد جري ذلك بينما دماء شباب الثورة تنزف فوق الإسفلت والمتحدثون باسم الدين سياسيا بعيدين عن قولة الرسول الأكرم: "إن دم الإنسان عند الله أكثر حرمة من بيت الله".
لقد تم استغلال حالة التصحر التي أصابت الحياة السياسية في مصر، ولم يبقي غير جماعة الإخوان والتيارات المتأسلمة، والتي كان سعيها قبل الثورة إلى مشاركة النظام السابق، بل أدانت الخروج علي الحاكم طالما أنه يسمح بالصلاة في المساجد، وكان أغلب التيار السلفي أداة بيد جهاز أمن الدولة، ويمكن القول بأن من آلت إليهم سلطة الحكم أو الجمعية التأسيسية للدستور هم من رفضوا ثورة يناير بل وهم من أسهموا بالنصيب الأكبر في إجهاضها.
ويبقي السؤال الأزلي "ما العمل؟" يفرض نفسه لتجاوز مجرد رصد الحالة إلى أداء لصالح المستقبل.
هل يمكن للقوى الاجتماعية أن تجد لنفسها آلية تدخل بها معادلة إدارة أزمة الثورة في مصر؟ ومن المؤهل لذلك؟
إن دخول القضاء كأداة للصراع، يعني غياب القدرة السياسية، وعجز الأطراف عن إقامة توازن يعبر عن الواقع. قد ينجح القضاء بأحكامه في أبطال قرار أو تأكيد قرار آخر، ولكنه لا يعيد صياغة ميزان القوي في المجتمع.
إن القوى التي تتحدث عن الانتماء للثورة أمامها فرصة استعادة الوجود، وإعادة حركة الثورة لمسارها، ولكن لذلك شروطا واجبة التحقق، والتجارب السابقة تؤكد أن المسؤولية تحتاج إلى جسارة الأيام الأولى الثمانية عشر للثورة.
إن الشرط الأول هو امتلاك القدرة على الخروج من دائرة الذات الأنانية لدى العناصر المتصدية لهذه المهمة، والتجربة تؤكد ضرورة أعمال قواعد الفرز والتجنيب وبصدق وتحمل تبعاته وأعبائه وعدم الانسياق العاطفي وراء الأسماء وهما بلا مبرر في الواقع مما تحتاجه الثورة، لقد أصبح واجبا أن تنتج الثورة كوادرها وتستدعيهم لتولي مهمة الخروج الثاني.
إن الشرط الثاني هو ضرورة الاستفادة من متغير محتمل تضيفه أحكام القضاء بعد حل مجلس الشعب، إذا ما حكم القضاء بإبطال الجمعية التأسيسية للدستور وحل مجلس الشورى.
إن الشرط الثالث هو امتلاك رؤية مرحلية لإدارة أزمة الثورة، ويكفي النضال الوطني أنه أضاع فكرة مجلس أمناء الدستور الذي اقترحه الأستاذ هيكل قبل الثورة، وإضاعة رؤية الدكتور محمد البرادعي في مجلس مدني وحكومة انتقالية لمدة عامين والتي أنهاها بانسحابه من انتخابات الرئاسة. إن مقترح البرادعي الأخير يستلزم الاستيعاب والعمل على الوصول إليه، ورؤيته تتمثل فيما يلي:
"الحوار الوطني يجب أن يكون بين الرئيس والقوى المدنية والمجلس العسكري وبمشاركة السلطة القضائية للتوافق على إعلان دستوري مكمل جديد وأهم ملامحه:
1) لجنة تأسيسية متوازنة لإعداد دستور ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات.
2) نقل السلطة التشريعية إلى اللجنة التأسيسية.
3) الاتفاق على تشكيل مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة.
4) تدخل القوات المسلحة لحماية الوطن أو مشاركتها في حفظ الأمن داخل البلاد يكون بقرار من مجلس الدفاع الوطني".
وسواء أخذ بهذا الاقتراح أو ببعض منه، فالأساس فيه هو اللجنة التأسيسية لوضع الدستور المتوازنة وفتح باب الحوار الوطني، ويمكن البناء علي ذلك للخروج أولا من حالة الارتباك القائمة والتي يدفع الشعب ثمنها مزيدا من المعاناة بدون أفق منظور لنهايتها.
والشرط الرابع هو الفصل بين دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة في المرحلة الانتقالية وبين مقولة إسقاط حكم العسكر. هناك بالقطع أخطاء وخطايا خلال الفترة من 12 فبراير حتى اليوم، وأقر بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما أصدر تصريحه الشهير "إن رصيدنا لديكم يسمح"، هناك دم أريق على الإسفلت، وللدم حق لا يضيع، ولكن اللحظة توجب إعادة التوازن للثورة.
الشرط الخامس أنه لن يكون هناك تعبير عن القوى صاحبة المصلحة في الثورة إلا من ذات هذه القوى، وهذه القوى وشباب الثورة مطالبون بامتلاك آلية تنظيمية تنقل الثورة من حالة التشرذم والتفكك إلى حالة تنظيمية تملك رؤية وقادرة علي الفعل، حتى يدخلوا في ميزان القوى بالمجتمع.
إن مصر هي الجائزة الكبرى في الشرق الأوسط، هكذا يراها أعداؤها، ولا يجب التعامل مع مصر بقدرها بأنها تورتة ويجب اقتسامها، فالثورة لم تزل عجينة لم يتم إنضاجها، ووقعت العجينة في طين الصراعات والطموحات غير المشروعة، ووجب انتشالها وإعادتها إلى مسارها، بأنها ثورة شعب، وأن الثورة هي علم تغيير المجتمع.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3093
| 24 سبتمبر 2026