رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للحضارة الإنسانية مظاهر متعددة، ومقاييس متنوعة؛ تُعرف بها درجات الدول وأخلاق الشعوب، ويتم تقييمها على أساسها.
ولا يستطيع منصف؛ يعرف معنى الرقي الإنساني؛ إلا ويقف احتراما لدولة قطر، التي تمثل الإنسانية العربية الأصيلة في قمة عطائها.
إن التعامل الإنساني الرحيم الراقي هو أهم تلك المظاهر، وأوضح تلك المقاييس؛ فالشعور بالآخرين وتلبية احتياجاتهم ومساعدتهم في طريق معاشهم من أهم نتائج شكر الله المنعم بحسن استعمال النعمة.
وقد أنعم الله على دولة قطر بالكثير من نعمه والوفير من عطاياه، وأوجد منهم رجالا ـ قيادة وشعبا ـ يقومون بواجب الشكر وجميل العطاء مستجيبين لوعد الله بالمزيد، قال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} (آية 7. إبراهيم) فزادهم الله من نعمه وفضله، وجعلهم أهلا للحب، وأطلق ألسنة الناس بالثناء عليهم، وتلك من البشريات الجميلة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: قيل: يا رسول الله: «أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».
ومن حقهم علينا أن نشكرهم على ما قدموا ويقدمون من خير وبر، ويوضح لنا هذا الحديث المرفوع الذي رواه الإمامان أحمد ومسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». ولن نستطيع مكافأتهم إلا بالدعاء لهم.
في بداية تأسيسها كلفتني جريدة (شباب مصر) بملف يخص العمالة المصرية والكفالة، والعلاقة بين الكفيل في دول الخليج العربي، فقمت بنشر الموضوع بعد بحثه من جوانب عدة، وكنت أثناء البحث مع الأشخاص أسمع أقاويل، وحكايات بين العمال والكفلاء، منها ما يمثل قمة النبل الإنساني، ومنها ما لا يريح الضمير ولا يسر الخاطر.
أكتب هذا بمناسبة حوار دار بيني وبين البعض على الشبكة العنكبوتية امتدحت فيه أخلاق القطريين وحسن معاملتهم للعمالة عامة والمصريين خاصة دون مجاملة أو محاباة، وإنما هو واقع عاشه بعض أهلي ومعارفي ـ والله على ما أقول وكيل ـ والشهادة لله ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، وسأشير إلى بعض الجوانب الإنسانية التي حدثت واقعا، بعض أصحابها أحياء وبعضهم قد رحل عن عالمنا.
نماذج مشرفة
في منطقة العامرية عمل في مزارعها أربعة أشخاص أعرفهم جيدا ـ وهم الآن أجداد ـ ولا زال لبعضهم الجيل الثاني هناك وما سمعته منهم يعد من أهم المعاملات التي تشرف القيم الإنسانية بحق، ويعلم الله أن أحد الكفلاء لا زال يرسل في المناسبات الدينية مبالغ لعامله رغم انقطاع العامل منذ سنوات، وأقربها في رمضان الماضي، بل أرسل عن طريقه لبعض المرضى مواساة لهم.
ـ أحد الأطباء العلماء القطريين تعاقد مع معلم لغة إنجليزية قريب لي؛ لتعليم أولاده أو أحدهم وكان الطبيب الكفيل مثالا في الخلق الطيب معه ـ وكما حكى لي المعلم ـ أن كفيله كان يسرد على ولده كثرة من فضائل المعلمين المصريين، وأنهم أفادوه وغيره بالكثير من العلم والخلق.
ـ وأقرب ما حدث أن معلمة من قريتنا كانت تعمل في مدرسة خاصة وحدث أن المدرسة تم حلها، ونظرا لأن المعلمة كانت لديها مشاكل أسرية وعليها أقساط وشرحت ظروفها لصاحبة العمل وعرفتها بأن رجوعها إلى مصر وإنهاء عملها سيسبب لها الكثير من المتاعب، فما كان من صاحبة المدرسة إلا أن ساعدتها في الحصول على عمل في مدرسة أخرى، ولا زالت تعمل إلى الآن وبراتب كبير.
ـ أخبرني أحد أحبابي وهو مقاول تشطيبات ما بعد البناء اختلف مع المقاول القطري ووصل الأمر إلى شكوى في الشرطة واستدعت الشرطة الاثنين وخرجا من المخفر راضين بعد حصول كل منهما على حقه من الآخر، وأقسم لي أنه لم يجد فرقا في تعامل الشرطة بينه وبين صاحبه القطري.
وللإنصاف، أقول: تمثل دولة قطر أفضل دولة عربية واقعا مشهودا ومُعاشا في التعامل مع المغتربين؛ سعيا على الرزق، وهذا ما لمسناه في أكثر من صورة إنسانية سمعناها من العاملين هناك ومن باب ما جاء في الحديث الصحيح: (لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ) رأيت أن أكتب ما يمليه الضمير ويفرضه الواجب نحو أشقائنا في دولة قطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4464
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4185
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2082
| 07 مايو 2026